شريط الأخبار

حسنا فعلت الشعبية، ولكن!!/ نزار السهلي

03:24 - 27 حزيران / سبتمبر 2010

حسنا فعلت الشعبية، ولكن!!/ نزار السهلي

بعد طول انتظار، اختارت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك، لإعلان موقفها من المفاوضات المباشرة، وبالقرب من مثوى الشهداء، أبو جهاد الوزير، وماجد أبو شرار، وفتحي الشقاقي وطلعت يعقوب و أبو سلمى ووائل زعيتر، وبالقرب من مرقد آلاف الشهداء الذين رووا بدمهم طريق فلسطين، حسمت الجبهة الشعبية  موقفها بتعليق عضويتها في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأعلن مسؤولها في الخارج، ماهر الطاهر الموقف الذي تبنته الشعبية، بعد النقاشات المستفيضة لكوادر الجبهة وقواعدها، الذي أفضى لاتخاذ القرار الصائب، بعد التصويت عليه في الهيئات القيادية في اللجنة المركزية، والمكتب السياسي للجبهة.

 

يأتي الموقف الأخير للجبهة منسجما بالحد الأدنى، مع التاريخ النضالي لفصيل فلسطيني، ترك بصمته في الكفاح الوطني، وبالحد الأدنى أيضا مع التضحيات التي قدمتها قوافل الشهداء والأسرى والجرحى، للرد على سياسة التنازلات والتفريط بالحقوق الفلسطينية من خلال السير بنهج المفاوضات، والسير بالانحدار المريع الذي طبع مسيرة السلطة الفلسطينية.

 

 وكان المأخذ الكبير على الجبهة الشعبية وباقي الفصائل المنضوية تحت عباءتها، على الدور الصامت والمكتفي بالمواقف الخجولة، فكان سؤال الشارع الفلسطيني وجمهور الشعبية بالذات، لقيادة الجبهة الشعبية عن الدور التاريخي في قيادة الجمهور الفلسطيني، للخروج من لعبة المنظمة والشرعية المفقودة والفاقدة للشارع الفلسطيني، ومع تثمين تعليق اجتماعات الشعبية في اللجنة التنفيذية، رفضا لمستجدات الإملاءات والخضوع، والإقصاء من خلال استخدام المنظمة مظلة لتمرير هكذا سياسات، لفك العزلة عن "إسرائيل" وسياستها العدوانية، ورفضا قاطعا لأن تستخدم الشعبية كمطية تمتطيها السلطة، لإهدار الحق الفلسطيني، وهي سياسة تتعارض تماما مع تاريخ الجبهة الشعبية كفصيل ثوري وطليعي في قيادة الشعب الفلسطيني، بهت دوره وفقد معناه في لعبة مكشوفة.

 

اليوم تعيد الشعبية بعضا من كرامة واعتبار مفقودتين في الشارع الفلسطيني، ولهذا قررت أن تقرع جدران الخزان، والسؤال اليوم، نحن بحاجة لأيد إضافية تتكاتف مع الجبهة الشعبية لتهز جدران الخزان، وتقلب المركب الذي طاف بعد إغراق الإستراتيجية الفلسطينية ببدائل عاجزة ومفلسة، ومع عودة الوعي الفلسطيني نتطلع أن تحذو حذو الشعبية، فصائل أخرى وعلى رئسها الجبهة الديمقراطية الصامتة على ما يجري بمواقف أيضا أكثر من خجولة ومتساوقة مع السلطة ومع حكومة فياض.

 

تعليق أم تجميد أم انسحاب؟

 

حسنا فعلت الجبهة الشعبية، وأخذت قرارا شجاعا، يطبع الصفة النضالية لها كتنظيم طليعي كما قلنا، لكن من خلال قراءة البيان الذي وزعته الشعبية عن تعليق مشاركتها في اجتماعات التنفيذية، أبقت على الموقف الملتبس والمطالبة بتجميد العضوية والانسحاب من المنظمة، لأن المنظمة بكل شخوصها الحالية وباعتراف الشعبية لواقع المنظمة التي أتقنت الشعبية على مدار أكثر من ثلاثة عقود تحليل الواقع السياسي لها، إنها لا تمثل الآن الشعب الفلسطيني، وباتت صعوبة استرجاع  المنظمة مع إصلاح مؤسساتها ضربا من الخيال والعقم، وتبدلت الأحوال والأوضاع في صفوف المنظمة، فلم تعد لا بميثاقها كما كانت، ولا بشعارات التحرير للأرض ولا برئيسها ولا أعضائها يمثلون طموحات الشعب الفلسطيني.

 

وبناء الوحدة الوطنية والاصطفاف الوطني لا يتأتى من داخل منظمة أكل سوس الفساد والخراب من رأسها وجسدها، وفتك الانحدار بالهوية الوطنية " للبيت الفلسطيني " بسياسات لا تخدم لا الآن ولا في المستقبل المرجو من الإصلاح لها بتصويب المسار الفلسطيني.

 

  والتأكيد في بيان الشعبية، على أنها لا تشكل بديلا في أي إطار خارج المنظمة هو  من باب ترك الباب مفتوحا، ولو أن المرجو كان أكثر جذرية في الموقف لمواجهة، محاولة بيع الوطن وسكانه المشردين، والصامدين، فكان المطلوب، وضوحا وشفافية أعلى من تلك المواربة.

 

الآلية التي وضعتها الشعبية في قرار التعليق، تصلح للبناء عليها في حشد الطاقات الوطنية والقوى السياسية والمجتمعية و في قيادة العمل الوطني بالعودة للأخذ بزمام المبادرة لقيادة المجتمع الفلسطيني وتأطير نضاله خارج السياق الذي ترغب به قيادة المنظمة في بقائها ممسكة بقيادة "المنظمة" و "الشعب"، وهي فرصة تاريخية للعودة بالنضال الفلسطيني إلى سكّته الأصلية بالإبقاء على  حالة الاشتباك مع العدو الأساسي للشعب الفلسطيني، إسرائيل وسياستها العدوانية. وبقدر الابتعاد عن تغطية الحلول التصفوية للشعب الفلسطيني، بقدر ما يلتف الشارع الفلسطيني والعربي حولها، وهو ما أثبتته تجربة النضال الفلسطيني والشعبية، وهي أحد روافد هذه التجربة.

 

وما يعول عليه أكثر، في موقف الشعبية، أن يرتقي من التعليق إلى التجميد والانسحاب، خاصة وأن حسابات وكلفة هذا الموقف هي أقل بكثير من الاستمرار بتمرير لغة ملتوية كانت سائدة. كما أن الخروج من حالة الانفصام هو دليل صحة وعافية وأمل، وهو رجاء من كل من أحب واحترم تاريخ الجبهة الشعبية ونضالها، وهو رجاء مسحوب ومتصل لباقي الفصائل الذي وجدت في حضن السلطة والمنظمة دفئاً، لتنهض مجددا وتمد يد العون لشعبها بالتكاتف مع الشعبية واخذ القرار الصائب، قبل أن يلفظها التاريخ والشعب الذي يقف بالمرصاد لكل من اختار حاضنة غير حاضنة الشعب وحقوقه الثابتة والتاريخية التي راكمها طوال قرن من الزمان. وهو موقف بالحد الأدنى للحفاظ على ما اكتسبته هذه الفصائل وما قدمه الشهداء غسان كنفاني وجورج حبش ووديع حداد وجيفارا غزة وخالد نزال وعمر القاسم وأبو جهاد وأبو  إياد إلى آخر شهيد ينتظر سقوطه في مرحلة تحرير الأرض.  

 

 

انشر عبر