شريط الأخبار

محنة القدس ..علي بدوان

12:53 - 24 تشرين أول / سبتمبر 2010

محنة القدس ..علي بدوان

الهجمة الإسرائيلية الصهيونية الجديدة على القدس، ليست مفاجئة ولا مقطوعة عن جذورها، وعن مسلسل التهويد الذي ابتلع المدينة المقدسة وشرد أبناءها ومواطنيها، من العرب المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

 

فالمخططات والمؤامرات الصهيونية لتهويد القدس، والأقصى بالذات، مستمرة منذ ما يزيد على سبعين عاماً، أي ما قبل قيام دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين. وزاد من حدة الهجمة الاستيطانية التهويدية الجديدة، ما يرافقها من عمليات حفر وتنقيب مستمرة تحت المسجد الأقصى، والذي بات محمولاً على أعمدة لم تعد تحتمل جدرانه السميكة.

 

ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، فإن رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة في القدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك، وهناك عشرات الكنس بدأت تمتد وتزداد غربه.

 

وأصبحت جميعها تشكل سلسلة دائرية حول المسجد الأقصى من كل الجهات، وتشكل أجواء استيطانية يهودية خانقة حوله، وقد بنيت على عقارات وأوقاف إسلامية ومساجد استولت عليها المؤسسة الإسرائيلية بعد الاحتلال عام 1967.

 

وهناك مخطط إسرائيلي وشيك التنفيذ لبناء أكبر كنيس يهودي في العالم بتكلفة 40 مليون دولار، فوق المدرسة التنكرية الإسلامية التاريخية، والتي هي جزء من المسجد الأقصى، وقد تم إقرار هذا المخطط في زمن حكومة شارون.

 

وتزايدت الأصوات الإسرائيلية المنادية بضرورة التخلص من المقدسيين، وعبر عنها العديد من أعضاء الكنيست الذين تتعالى صيحاتهم كل يوم مطالبة بشكل أو بآخر، بتفعيل الأساليب المعهودة التي ما زالت سلطات الاحتلال تمارسها ضد المقدسيين.

 

وفي هذا المجال بلغ عدد بطاقات الهوية المقدسية المصادرة خلال الفترة 1967-2006، ما مجموعه 8.269 بطاقة هوية، منها 1.363 بطاقة في العام 2006، وبلغ عدد الأسر التي تم تهجيرها من محافظة القدس 1.635 أسرة (وتشمل مواقع مختلفة في إطار المحافظة أو خارجها)، بسبب بناء جدار الضم والتوسع، وبلغ عدد الأفراد المهجرين في المحافظة 9.609، كما بلغت مساحة الأراضي المصادرة 11.100 دونم عام 2005.

 

وتظهر الوقائع اليومية خطورة السياسات الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل القدس، في صيغ جديدة عنوانها «قدس يهودية، وكبيرة وقوية»، حيث يندمج هذا الاصطلاح اندماجاً منساقاً وراء التصورات السكانية الإسرائيلية، التي تعمل لإعادة تخطيط حدود القدس واقتطاع مساحات إضافية من مناطق مدن وريف الضفة الغربية المحيط بالجوار المباشر للمدينة، في أراض يعيش فيها اليوم عشرات آلاف الفلسطينيين.

 

وبالتالي، وعلى ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الاستيطاني التهويدي الجائر، فإن القدس ومواطنيها الفلسطينيين، تصرخ وتستغيث وتنتظر جهوداً عربية وإسلامية وأممية، للتحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة، حيث يؤلم القلب أن يبقى الفلسطينيون وحدهم يواجهون هذا الخطر الداهم، وأن يستمر العرب والمسلمون بشكل عام مكتفين بالتصريحات والكلام الإعلامي، الذي لا يحقق شيئاً عملياً على الأرض.

 

فما يجري من أحداث ووقائع يومية على أرض القدس، لم تصل أصداؤه حتى اللحظة إلى الأذن العربية على ما يبدو، حيث تسعى "إسرائيل" إلى تطبيع سلوكها الفاشي ضد القدس والأقصى تحت حراب البنادق.

 

وإذا كان العرب يقومون بجزء من واجباتهم الكبيرة تجاه فلسطين وشعبها، فإن حجم المؤامرة والمخططات الصهيونية لا يزال أضخم من هذا الدور، ما يستدعي الدعوة إلى تحرك أقوى وأكثر فاعلية، دون أن نظل نمارس جلد الذات أو نتحدث عن التقصير الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه.

 

إن نصرة الشعب الفلسطيني ودعمه في صموده وفي مواجهته للمخططات الإسرائيلية، يجب ألا تتوقف عند البيانات، ويجب ألا يكون ختامها تصريحات الشجب والتنديد. فالأقصى والقدس اليوم، لا يحتاجان إلى مزيد من الإبداع الخطابي، وكل ما يحتاجه الأقصى هو لحظة صدق.

 

 وعليه، فإن مهمات فلسطينية وعربية وإسلامية عاجلة، تتطلب التحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة وإدامة صمود المقدسيين، عبر مد المؤسسات الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بكل أسباب وعوامل الصمود والثبات، وتحويل الدعم اللفظي إلى دعم مادي مباشر، وتنشيط وتفعيل صندوق القدس الذي أكدت عليه قمة سرت العربية الأخيرة.

 

وتقع أيضاً على عاتق المؤسسات الحقوقية والمنظمات الفاعلة والصليب الأحمر، ضرورة التدخل الفوري لوضع حد للمأساة التي تحل بمدينة القدس جراء تواصل الهجمة الإسرائيلية الشرسة، مع تواصل عمليات الحفريات والهدم.

 

كما في ضرورة تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بكل قوة، لوقف هذا الجنون الإسرائيلي ضد الأقصى والمقدسات الإسلامية، فضلاً عن ضرورة تكثيف حملات توعية فلسطينية للمواطنين المقدسيين، للحيلولة دون انتشار ذلك.

 

وحتى نرد الاعتبار، ولو ليوم واحد، لأهمية مأساة القدس ونكبة مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها نكبة المسجد الأقصى المبارك، على كل القيادات الروحية الإسلامية والمسيحية في العالم العربي والإسلامي، وكذلك القيادات السياسية، أن تبادر لقرع الأجراس، عسى أن تتوالد التحركات الجدية العملية والملموسة في الوقت الأخير الخطير الذي تعيشه المدينة المقدسة.

 

فكل من يتغنى بعروبة القدس، عليه أن يفعل شيئاً من أجل هذه العروبة، فالحفاظ على عروبة القدس لا يحتاج إلى خطابات ولا إلى استنكار وشجب، بل يحتاج إلى عمل ميداني على الأرض لدعم صمود وبقاء المقدسيين فوق أرضهم، وإسناد مؤسساتهم بالدعم المادي الملموس والمباشر.

 

كاتب فلسطيني

 

 

انشر عبر