شريط الأخبار

ايهود باراك كان وزير حرب مخيبا للأمل- يديعوت

12:58 - 17 تموز / سبتمبر 2010

ايهود باراك كان وزير حرب مخيبا للأمل- يديعوت

بقلم: ايهود اولمرت

اجتمعت طلبات اللقاء معي بسرعة تدير الرأس. انتظر جميع من ينتظرون رئاسة الحكومة بالدور – وهو الدور الذي أكثر اريك السخرية منه – قرب مكتبي.

        كان اللقاء الأول مع الوزير مئير شتريت. كان مئير طيبا كعادته. أنكر ما نشر في الصحف أنه ينوي المنافسة في رئاسة الحكومة، وقال انه يتوقع ان يكون وزير الخزانة العامة بعد الانتخابات. قلت لمئير أن من المبكر جدا الحديث عن تقسيم الحقائب الوزارية، وليس هذا هو الوقت ولا الظروف لبحث ذلك. سيقول مئير بعد ذلك انني وعدته بأن يكون وزير الخزانة العامة. ولم يعط أي وعد كهذا لا له ولا لأي شخص آخر.

        وكان اللقاء مع تسيبي لفني بعد ذلك مباشرة. لم يشأ أحد ممن ينتظرون في الدور أن يضيع زمنا او فرصة. قبل ذلك بنحو من اسبوعين نشر في احدى الصحف أنه تم بيني وبينها جدل شديد فيمن يكون في المحل الثاني لقائمة كديما. لم يكن هذا الجدل ولم يحصل لكن اريك خشي من أن جدلا كهذا اذا نشأ حقا فقد يضر بصورة الحزب الشاب.

        استدعانا الى لقاء، ونشر بعد ذلك في احدى الصحف أنه وبخنا ودعانا الى وقف الشجار. ومن أجل الحقيقة لم يوبخ اريك أي واحد منا لكنهم اهتموا من حوله بتسريب نبأ كهذا الى الصحف. لم أول ذلك أي اهمية، ولم يكن عندي شك في أنه عندما تحين لحظة الاختيار سيكون في المحل الثاني، الى جانب اريك، لكنني استطعت تخمين أن تسيبي ستكون متوترة جدا.

        وهذا ما كان في الحقيقة . كانت تسيبي متوترة. وقد علمت هي أيضا جيدا أنه في اللحظة التي أصبحت فيها رئيس الحكومة بالفعل انتقلت الي جميع الصلاحيات التي أعطيت بحسب دستور كديما لمن يشغل منصب رئيس الحكومة. لهذا لم يكن هنالك امكان عملي أن يوجد بيننا منافسة. لكن الشهوة اشتعلت فيها، وتبين بعد ذلك أنها لم تكف عن الاشتعال فيها حتى اليوم.

        مع ذلك كانت المحادثة بيننا قصيرة وموضوعية. قالت تسيبي إنها ستسلم للواقع الذي حدث والذي سأرأس على حسبه كديما. تريد أن تتولى وزارة الخارجية وأن تكون الثانية في هرمية الحزب. قلت لها إن هذا إمكان معقول من جهتي. كان بيننا حتى ذلك اللقاء علاقات شخصية سليمة. كنا قريبين بعضنا من بعض من جهة المواقف السياسية، وبرغم انه كان لها ميل ان تظهر صرامة وسواسية، تمسكت بتصورات أكثر اعتدالا مما عند كثيرين آخرين ممن خرجوا من الليكود. في أثناء خدمتها في حكومتي وقع بيننا غير قليل من الاختلاف، لكن تجربة حياتي علمتني أن اظهار ضبط النفس في هذه الأوضاع وعدم اساءة العلاقات افضل.

        في أثناء ذلك، استطعت أن أتوقع تعاونا مطمئنا موضوعيا معها. وبرغم انني لم أعد بشيء، لم أرفض امكان أن تصبح وزيرة الخارجية، وقلت لها إنني لن أبت قرار التعيين قبل أن نتحدث مرة أخرى.

        ديختر يعرض نفسه

        في غضون اليوم كله لم يكف آفي ديختر عن مهاتفة المكتب وطلب بالحاح أن يراني. لم تنجح جميع محاولات سكرتيرتي بالتخفيف من طلباته. يجب أن يراني. تحادثنا بالهاتف. لم يكن ذلك كافيا. ذكر أنه يجب أن يجلس معي من الفور، وأن نصوغ استراتيجية وأن يصحبني من هنا فصاعدا. سألت نفسي ماذا يوجد عند من كان طول حياته في الشاباك للمساعدة في اللحظات السياسية غير العادية هذه، لكنني استجبت آخر الأمر ودعوته زمنا قصيرا الى مكتبي.

        أراد آفي الذي انضم الى كديما قبل ذلك بزمن قصير بطلب من شارون أن يكون على ثقة بأنني لن أتخلى عن خدماته وأنه سيحافظ على مكانته. طمأنته. وتساءلت بعد ذلك أكثر من مرة هل تصرفت بحكمة. امتاز آفي بولايته رئاسة جهاز الأمن العام، لكنه اذ كان وزيرا وعضو كنيست ورجل جمهور فاجأني أكثر من مرة بتصريحات غير متوقعة وغير متزنة ممن كان يتوقع منه خاصة أن يسلك بضبط للنفس وبمسؤولية. قال لي مرة إنه يقسم حياته في وحدات من عشر سنين كل واحدة. بدأت الآن فترة سنوات العشر في السياسة التي يرشح في نهايتها لرئاسة الحكومة. ومما فاجأه كثيرا أنه كان الوحيد الذي اعتقد هذا في نفسه. اراد ديختر ان يكون قريبا مني في الأيام القريبة واقترح أن نبني فريقا يشتمل على لفني وعليه لتوجيه الاجراءات التالية. شكرت له بأدب جم ووعدت بأن أزن الأمور.

        كان اللقاء الاخير مع شاؤول موفاز وزير الدفاع الذي كان يتولى عمله. بدأ شاؤول باستعادة أحاديثه مع شارون، والوعد الذي بذله له شارون بحسب قوله وهو أن يكون وزير دفاع في الولاية التالية أيضا. أجمعت على أن أظل مهذبا، وأجبته بأنني لا أستطيع بطبيعة الأحداث والظروف أن أحصل من شارون على الاخبار بما وعد به ومن وعد.

        لم يكن ذلك دقيقا تماما. فقد كلمني اريك في هذا خاصة بالصدفة. غضب على موفاز جدا بعد أن أبلغه نيته الانضمام الى كديما، وغير بعد ذلك رأيه وأعلن بأنه سيظل في الليكود "لأننا لا نترك البيت". بعد ذلك بأسابيع معدودة، عندما أدرك أنه لا يوجد أي احتمال له أن يفوز في الانتخابات الداخلية في الليكود، قام بتحول وقرر أن ينضم الى كديما. قال لي اريك بصراحة إنه لم يعد موفاز بشيء، وقال له فقط إنه سيظل يتولى وزارة الدفاع حتى الانتخابات.

        بقي موفاز جالسا في الغرفة بعد انقضاء اللقاء الشخصي بيننا، وانضم الينا الجنرال شمني. عرض كلاهما بكلمات معدودة عملية احتاجت الى موافقة رئيس الحكومة. انضم اليهم بعد ذلك في الغرفة عدد من شاغلي المناصب في جهاز الأمن. عرفتهم جميعا وكانت لي بكثيرين منهم علاقات شخصية قريبة.

        كان الأمر هذه المرة مختلفا. أتوا ليعرضوا علي عملية عسكرية. كان الجو فريدا في نوعه. وكان أكثرهم محرجا كثيرا. بدا لهم المشهد الانساني في الغرفة غريبا ومختلفا وغير متوقع. لكنني أصررت على اجراء نظام العمل كما تقرر وكان يجب عليهم أن يكيفوا أنفسهم سريعا.

        عرض وزير الدفاع هدف العملية، وكمل المشاركون في النقاش، كل واحد على حسب منصبه التفاصيل الناقصة. كان يجب علي في ذلك المساء أن أستمع خاصة وأن أطرح أسئلة وأطلب توضيحات وأوجه الجهاز كيف يتقدم في الاستعداد.

        كان الكلام واضحا وقصيرا ومفهوما. لاحظت عدة ملاحظات ولخصت الجلسة. سيعلم أناس أجهزة الأمن في المستقبل أنني لا أحب الجلسات الطويلة. لم أنجح قط في فهم لماذا يجب أن تطول النقاشات ساعات طويلة. لماذا لا يمكن حصر العناية في الجوهر كما اعتدت أن أقول أكثر من مرة: "ابدأوا من النهاية". افترض المشاركون في ذلك المساء بيقين أن عدم تجربتي أفضى الى تقصير الجلسة. فضلت عدم دخول التوضيحات وطلبت أن يعدوا الجلسة القادمة من أجل موافقة نهائية على العملية.

        تلميذتي الحسناء

        كان ذلك اليوم الأول الفريد في نوعه يوشك أن ينقضي. كنت متعباً جداً ولم أحاول التظاهر. أشرت الى شولا أنني مستعد للسفر الى البيت. حجزتني. قالت لي إن القافلة غير معدة وسيستغرق ذلك عدة دقائق. بعد ذلك طاروا سريعا في شوارع القدس الهادئة متجهين الى حي القطمون القديم الذي سكنته.

        انتظرتني عليزا في البيت. جلسنا في المطبخ كعادتنا منذ سنين، أعدت القهوة وتحدثنا. كانت عليزا بخلاف نساء أخر ربما كان يؤثر فيهن تغير حياتنا، كانت قلقة. قبل ذلك بسنين عندما أجمعت على المنافسة في رئاسة بلدية القدس، أبدت معارضة شديدة. يخيل الي – اذا كان يحق لي أن افرض فروضا باسمها – أنها لم تكن تشك في قدرتي على أن أتولى بنجاح المناصب التي طمحت اليها، لكن عليزا شخص يحب الخصوصية جدا. لم تسحرها الحياة العامة قط ولم تثر فضولها.

        كانت على قدر كاف من التجربة لتعلم أن "بريق" الانكشاف الجماهيري متكلف ولم ترد قط حصة منه. فضلت بدل ذلك أن تعيش في جو أكثر حماية وأقل انكشافا وأن تعمل في أمور أحبتها حقا. خشيت ألا تستطيع الرسم في الهدوء الذي اعتادته والاستمرار على مختلف نشاطاتها الانسانية: العمل مع أولاد معرضين للخطر، والاهتمام بابناء العمال الاجانب، وموضوعات كثيرة أخرى من الحرج الاجتماعي أقلقت راحتها دائما.

        قالت لي آنذاك: "تذكر أنك أنت الذي ينافس في رئاسة البلدية، أنا لا أنافس في منصب زوجة رئيس البلدية". أجبتها أن هذا موقف مشروع. وبرغم أنه ستكون مناسبات رسمية تضطر الى حضورها، فلن أتوقع منها أن تكون "زوجة رئيس البلدية" في وظيفة كاملة. تبين بعد ذلك أنها كانت أقل سذاجة مني.

        أصبحت عليزا سريعا جدا مشغولة بشؤون القدس الى ما فوق رأسها. وكعادتها فعلت ذلك بهدوء وبغير شهرة، لكنها كانت مستشارة مشغولة جدا لشعبة الرفاهة في البلدية، الى جانب منصب آخر تحملته رئيسة لادارة مؤسسات "اور شلوم" التي انشغلت بالاولاد المعرضين للخطر. أفضت عليزا الى تطوير الشبكة، ومدت مع مجموعة من عدة متطوعين شبكة من ثلاثين مدرسة داخلية في أنحاء البلاد أفضت الى تغيير ثوري في حياة عائلات وأولاد كثيرين.

        جمعت ونظمت معارض فنية في مباني الأمة، وكانت عضوا في ادارة مسرح الخان وكانت عنوانا ثابتا لعدد لا يحصى من المتوجهين اليها من جميع طبقات الجمهور علموا أنها ستصغي اليهم وستساعد بطريقتها الهادئة الناجعة في حالات كثيرة.

        علمنا الآن أن الأمور ستكون مختلفة. لا تشبه منزلة "زوجة رئيس البلدية" منزلة "زوجة رئيس الحكومة". سألتني: "أتدرك أصلا ما الذي قد يقع علينا؟، أتريد حقا هذا كثيرا؟" نظرت الى الطالبة الجامعية الحسناء التي التقيتها ذات مرة فوق أعشاب الجامعة العبرية ولم أجبها. كان من الواضح لنا معا أن هذا سؤال استنكاري.

        لم يكن عندنا وقت للاستعداد للتغيير أو التحضر له. فقد أتى ببساطة. وكان واضحا أيضا أنني لن أتخلى عن الفرصة وأحسنت عليزا فهم ذلك. قالت فقط ما شعرت به. علمت أن الكلام يأتي من موقع الحب والاهتمام بي، وأنها خشيت على نفسها وعلى أولادنا أيضا. قبل أن أطفىء النور في غرفة النوم استدارت نحوي فجأة تبتسم لأول مرة في ذلك اليوم. "هذه أول مرة أمضي لأنام فيها مع رئيس حكومة"، قالت. لم أستطع الضحك. نمت على الفور.

        بوش يسأل اريك

        بدأ يوم الجمعة بتدريب لياقة في قاعة قبو وزارة التجارة والصناعة. انضم الي كالعادة صديقي عوفر ديكل. كنت على العموم الوحيد من عمال المكتب الذي أتى للعمل في يوم الجمعة أيضا. كان الضجيج هذه المرة كبيرا في حين اتصلت في الخلفية الأنباء عن سوء آخر في وضع شارون الطبي.

        زارني شمعون بيرس في خلال النهار. كان هنالك شيء غريب في هذه الزيارة. فشمعون بيرس ينتمي الى جيل آخر من الزعماء السياسيين. أتاني وهو الذي تولى كل عمل سياسي ممكن ليتلو علي من تجربته لكن ليضمن أيضا أن تتحقق جميع التفاهمات التي كانت له مع شارون في شأن المستقبل المشترك في كديما. تساءلت ألم يخطر ببال شمعون أن ترتيب الأمور الصحيح كان يجب أن يكون مختلفا: أن يكون هو – القديم وذو الخبرة وشيخ القبيلة المرشح لرئاسة الحكومة وأكون أنا من يأتيه للاهتمام بوظيفة لي.

        في أثناء ذلك بدأت موجة مكالمات هاتفية من زعماء العالم. كانت الأولى كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الامريكية، وهاتف بعد ذلك رئيس مصر حسني مبارك وملك الأردن عبدالله الثاني. كنت أعرف الثلاثة معرفة شخصية قبل ذلك قريبة جدا، واستطعنا أن نتجاوز بعض الآداب المعمول بها في حديث تعارف أول. جرى الاتفاق من الفور على تدبيرات صلة دائمة ولقاءات في المستقبل  القريب. تحدثت بعد ذلك الى رئيس روسيا فلاديمير بوتين والى وزير خارجيته والى طائفة من زعماء اوروبا واستراليا وكندا وأماكن أخرى.

        كان أهم حديث مع رئيس الولايات المتحدة جورج بوش. قال لي: "كم هي عجيبة سبل الحياة، عندما تعارفنا كنت حاكم واحدة من الولايات الخمسين وكنت أنت رئيس بلدية. أنا الان رئيس وأنت رئيس حكومة". سألني بطبيعة الأمر عن اريك وتساءل بصوت عال هل سيصمد. "اذا مات والعياذ بالله"، وعدني "فسآتي اسرائيل من الفور لأحضر الجنازة".

        في كل لقاءاتنا تقريبا منذ ذلك الحين - وحدث بيننا 12 لقاء – سأل بوش عن اريك. بل جرؤ ذات مرة أن يسألني أمن الصحيح في رأيي تركه في الوضع الذي يستمر على العيش فيه، لكن بغير أي دليل على الحياة الحقيقية. أجبته بأن هذه رغبة أبنائه المستيقينين بأن اريك سيستيقظ ذات يوم ويعود الينا. قال بعد تفكير: "اذا كان هذا ما يعتقدونه فانني أتفهمهم".

        أردت أن أنهي باكراً. في طريقي الى البيت وقفت زمنا قصيرا في بيت والدي شولا زاكين. عرفت هذه العائلة عشرات السنين. أراد الوالد حاخام كارشي أن يهنئني. كان يقارب الثمانين وضعيفا جدا بسبب مرضه، واردت احترام طلبه أن يمنحني مباركة تقليدية. كان متأثرا. تذكر الايام التي بدأت ابنته فيها تعمل عندي اذ كانت فتاة شابة جدا، في غرفة صغيرة في شارع شماي في القدس. مر زمن طويل منذ ذلك الحين وبرغم ذلك كان يخيل الي ان كل هذا حدث أمس فقط. عدت الى شقتي، الى جولة أخرى من المكالمات الهاتفية مع زعماء من العالم. كان عمري شارون آخر ضيوف المساء. لم أكن محتاجا الى تقرير من عمري عن وضع اريك لانني كنت خلال النهار كله في صلة بالبرفسور مور يوسف. خطر لي أن أقفز الى المشفى لزيارته. لكن ابنيه ولا سيما جلعاد رفضا التمكين من دخول غرفته.

        لم أكد أعرف جلعاد، وكان عندي انطباع أنه لا يرغب في أن التقيه. حرص جلعاد طوال مدة ولاية اريك لرئاسة الحكومة على البقاء وراء الاستار، برغم أنني علمت أن اريك يصغي له جدا في جميع الموضوعات العامة. ثار لدي انطباع من الاتصال القليل الذي كان لي بجلعاد أنه حاد وذو ثقة عالية بالنفس تكون مفرطة أكثر من مرة.

        قام عمري في مقدمة النشاط العائلي في المجال الجماهيري. طلب الان أن نلتقي وأردت أنا ذلك جدا. قام حزب كديما على يد شارون الأب وكان ابنه عمري رجل تنفيذه. كان كبيراً ضخما فظا أحيانا مثل أخيه لكنه لا يخشى المشاركة في التفصيلات الدقيقة جدا للنشاط السياسي – الحزبي. لقد رأى الاتيان بوالده الى منصب رئيس الحكومة رسالة والان – وقد أدرك أن اباه لا يستطيع معاودة ولاية رئاسة الحكومة – أراد أن يؤثر في استمرار التركة.

        أتى عمري ليقول وكنت مستعدا للاستماع. كانت تلك تجربة غير سهلة. أتى معه صديق جيد له ولي، تولى في الماضي منصبا رفيعا في جهاز الأمن. انحصر الحديث فيما يجب علي أن افعله في رأي عمري. كانت المواضيع متعددة ولم يكن ترتيب بين الماضي والمستقبل. لم تكن تلك نظرية منظمة أو تصورا عاما اداريا مبلورا، بل ركام أفكار ونصائح وتجارب. كان واضحا انه يريد مصلحتي. قيل كلامه كعادته في ثقة مطلقة ممن هو على قناعة بأنه يعلم ما يفعل.

        جلسنا نحوا من ثلاث ساعات وأصغيت طول الوقت. كان من الصعب أن أنبس بأكثر من كلمة في خضم ينبوع عمري الغامر الذي هدد بألا ينتهي أبدا. يجب بنظرة متأخرة أن أعترف بأنه كان غير قليل من الكلام الذي قاله ولا سيما ما يتعلق بسلوك ديوان رئيس الحكومة، كان فيه من الذوق أكثر مما استطعت ادراكه في فورة البركان حولي. وبرغم ذلك كان واضحا عندي شيء واحد وهو ان ادارة الحكومة كانت حتى تلك الايام مشروعا عائليا. وما كان ذلك يمكن أن يستمر.

        لم يكن عمري هو الوحيد الذي شعر بأنه يحق له الحديث باسم شارون. فقد عمل الى جانبه أيضا "منتدى المزرعة" الشهير. لم يكن المنتدى هو الغلاف الحميم القريب من شارون فقط – الذي كان في تلك الفترة من حياته شخصا وحيدا ليست عنده أوهام تتعلق بالمستقبل – بل كان أكثر من ذلك. كانت تلك هي الرفقة التي قادت شارون وقررت له أكثر من مرة وكانت في الاساس هناك شراكة خفية كانت شؤون الدولة جزءا منها فقط.

        كل واحد من أشخاص المنتدى ولا سيما رؤوبين ادلر وايال اراد، أنشأ حياة مهنية كانت متعلقة باستمرار ولاية شارون لرئاسة الحكومة. لم يكن شارون غير مكترث لذلك ولا للجوانب الاقتصادية التي كانت جزءا لا ينفصل من هذه الشراكة. وكل هذا لن يستمر على البقاء.

        عرفت الكثير عن ذلك عندما أتيت لتناول شؤون كديما، وهذه المرة بصفتي رئيس الحزب الذي يجب أن يقوده الى الفوز في الانتخابات. رأيت سريعا جدا أن جميع المناصب الرئيسة في الحزب الذي ولد حديثا قد وزعت. فقد وكلت رئاسة الفريق التنظيمي الى افيغدور يتسحاقي الذي كان قبل ذلك المدير العام لديوان رئيس الحكومة، والى جانبه مجموعة كبيرة من المتملقين الذين وعدوا جميعا بظروف عمل ومكافآت كان يمكن أن تنافس بسهولة ظروف عمل أصحاب المناصب الرفيعة في السوق الخاصة.

        وكذلك أيضا أناس الفريق المهني – أصحاب الدعاية، ومديري الحملة الانتخابية، وخبراء الاستراتيجية السياسيين. كان للجميع عقود دسمة. لم يتطوع أحد منهم للعمل بالمجان لاستمرار التراث الذي كانوا يلتزمونه كثيرا في ظاهر الأمر.

        كان كديما حزبا جديدا تماما. لم تكن له أي التزامات سابقة وأي ديوان مالية. ولما كنا قدرنا أن نحصل على نفقة حكومية اعتمادا على انجاز نواب الكنيست الثلاثين، كان يمكن بناء اقتراح ميزانية سهل وانهاء المعركة الانتخابية بلا ديون. أعطانا ذلك امتيازا كان يجب الحرص على الحفاظ عليه بحذر ومسؤولية. بيد أن فريق المزرعة فكر في ذلك تفكيرا مختلفا شيئا ما: فقد خصص اكثر الميزانية للنفقة على نشاط أناس الحرفة الذين فرضوا على نحو مفهوم من تلقاء ذاته أن الحزب هو ملكهم الخاص. علمت أنني سأضطر الى وقف ذلك إن عاجلا او آجلا.

        الشقاق مع مريدور

        كنت في الأيام التي تلت ذلك مشغولا بصياغة قائمة الكنيست. وكالمتوقع كان بين الأسماء التي عرضت علي اسم صديقي الجيد دان مريدور ايضا. إن أجزاء كبيرة من الجمهور الاسرائيلي تشايع دان مريدور. فهو متزن ومثقف وخبير جدا وبرهن في عدد من الامتحانات العامة على استقامة ومثابرة وحكمة. أردت جدا أن أدمجه في قائمة كديما وقلت له إنني سأبذل كل جهد ليحدث هذا، لكنني عندما تحدثت في ذلك الى الفريق الذي كان يفترض ان يقود كديما الى الانتخابات، لقيت معارضة قوية.

        كانت تسيبي لفني أولى المعارضين لكن لم تكن وحدها. فقد أبلغني بعض تاركي الليكود – الذين كانوا ما يزالون يذكرون "انتقاله" الى حزب المركز – أن القائمة اذا اشتملت على دان فسيتركون كديما. وكان الشخص الوحيد الذي كان مستعدا لقبوله هو تساحي هنغبي وقد قال هو أيضا لي بصراحة إنه لا يرى تسويغا لشمل دان في القائمة لكنه وعد بنزاهته الكبيرة بأن يقبل كل قرار مني.

        غضب الاخرون – وعلى رأسهم قدماء منتدى المزرعة – لمجرد هذا الامكان. "يظن أنه أمير يجب بسط بساط أحمر أمام قدميه"، قال لي غير قليل منهم. "عندما تركنا الليكود وعرضنا مستقبلنا السياسي للخطر، قعد وانتظر، أتغرسه الآن فوقنا جميعنا؟".

        كان واضحا لي أنني لو ملكت عدة أشهر لتثبيت مكانتي في كديما لاستطعت أن أفرض ارادتي على المعارضين. بيد أن هذا لم يكن الوضع في الاسابيع المعدودة التي كنت أملكها. اضطررت الى تخييب أمل دان وأملي أنا أيضا، لكن كانت هذه هي الظروف وكان هذا قراري آخر الأمر.

        يوجد من ينظرون الى هذا القرار وكأنه أحد أكبر أخطائي. ربما. من السهل جدا دائما الحكم على الأمور بالنظر الى الوراء. كل ما أستطيع قوله أنني أسفت لذلك بيقين لكن كان عندي بضعة أيام فقط لاتخاذ سلسلة من القرارات السريعة وبدا لي ذلك الشيء الصحيح الذي أفعله.

        سألني أصدقاء مشتركون كثيرون لماذا امتنعت عن ادماجه في قائمة كديما. أجبت في صدق خالص أنني برغم أنني أرى دان من الممتازين بين رجال حياتنا العامة، لم أستطع ان أسلك سلوكا مختلفا آنذاك ولم أغير رأيي اليوم أيضا. أنا سعيد جدا لأن دان وزير في الحكومة الحالية. وفيها القليلون مثله. أما كيف يشعر وهو عضو فيها فهذا سؤال يجب عليه أن يجيبه هو.

        يؤسفني جدا الشقاق معه. أقول في فضله أنه في موعد قريب جدا من انتخابات 2006 ظهر في التلفاز وامتدحني. وبرغم أنني أعلم أنه ظل يشعر بالمرارة والغضب علي، فقد عرف كيف يضع الشأن الوطني قبل الحساب الشخصي. لا يوجد كثيرون مثله وأؤمل أن يكون في هذه الاثناء قد غير تقديره لقدرتي على تولي رئاسة الحكومة.

        فظاظة باراك

        كان اسم ايهود باراك اسما آخر عرض علي. بل كان واحد عظيم الأهمية أوصى به كان هو نفسه. ذات يوم تفرغ فيه من أعماله الخاصة هاتفني وطلب أن يلتقيني في منزله وقال: "يحسن أن نتحدث".

        في يوم الثالث والعشرين من كانون الثاني، في موعد قريب جدا من صياغة القائمة النهائية للكنيست، ضربنا موعدا للقاء في منزلي في ساعة متأخرة جدا. وتأخرت قليلا بخلاف عادتي. كان باراك ينتظرني جالساً قرب المائدة في غرفة الطعام. وبدأ الكلام كعادته ولم يتخل عنه حتى انتهى اللقاء. ونجحت في النهاية حقا في قول جملة. لست على ثقة بأن باراك سمعها البتة. وفي الخلاصة، بين باراك لي كم هو معقد منصب رئيس الحكومة، وكم يشتمل عليه من الاخطار. "ستكون أوضاع كثيرة تريد فيها أن يجلس قربك أناس مثلي"، أضاف.

        باختصار أوصى بأن أدمجه في قائمة كديما. ومن أجل  تحريري من كل خشية من تهديد وجوده في القائمة لمكانتي، عرض أن يودع المحامي ايلي زوهر رسالة – وايلي زوهر أحد أقرب الناس مني – يلتزم فيها ألا ينافسني في أي وضع في المستقبل وأن يكون مخلصا لي بلا تحفظ.

        بعد ذلك ببضعة أيام كلمني ايلي زوهر، وكرر رغبة باراك في أن يكون في القائمة بل ذكرني باستعداد باراك لايداع رسالة التزام. أجبت باراك بأنني سأفكر في الحديث بيننا (اذا كان يمكن أن نسمي الوضع الذي يتحدث فيه شخص واحد "حديثا") ومن المحقق أن يتاح لنا بعد الحديث في الأيام القريبة.

        بعد أن خرج فكرت فيما سمعت. كان عندي في الماضي تقدير عميق لباراك – فقد أعجبني بحسن كلامه، واتساع ثقافته وتجربته الكبيرة والمتنوعة التي أدته الى السياسة بعد أن سرح من الجيش. وعندما زعم بيبي في أثناء المعركة الانتخابية في 1999 أن "باراك سيقسم القدس"، خرجت للدفاع عن باراك. وعلى الايام خاب أملي من قدرات باراك. كان رئيس حكومة سيئا. قد يكون الأسوأ في تاريخ الدولة. تلاشى سحره في نظري تماما.

        بعد أن غادر منزلي سألت نفسي متى أصبح ثرثارا وسواسيا الى هذا الحد. لم يقلقني قط الخوف من أن ينافسني وكل رسائل الضمانات التي كان مستعدا لايداعها، بل أقلقني الخوف من أن يصبح عبئا انتخابيا فقد كان عدم شعبيته عند الجمهور غامرا. في جميع الفحوص التي قام بها أناس هيئة الانتخابات عندنا كان باراك الشخصية الأقل مشايعة من الجمهور.

        بيد ان باراك لم يتخل. بعد ذلك باسبوع عاد الي في بيتي وتكررت الحكاية. كانت خطبة طويلة مرة أخرى هددت بالاستمرار طوال الليل. وكلما تكلم أكثر أخذت تختفي بقية رغبتي في رؤيتي في كديما. قلت له بعد ذلك في مكالمة هاتفية إن الأمر غير ممكن. ورفض التخلي. قال: "ليس المكان مهما. قد يكون المكان العشرين في  القائمة". فقدت ما بقي من صبري. وقلت باختصار: "يؤسفني أن هذا لن يحدث".

        بعد ذلك ببضعة أيام عاد إلي ايلي زوهر مرة أخرى بطلب من باراك لكنني اضطررت أن أرد على ايلي بالرفض. لم أرفض شيئا لايلي قط في أي أمر شخصي. لم أستطع هذه المرة، ولست أسفا لذلك. ويخيل الي أنه ليس كذلك أيضا.

        سيصبح باراك بعد ذلك وزير الدفاع في حكومتي. توجه الي قبل تعيينه مرات كثيرة بطلبات والحاحات أن أقيل عمير بيرتس وأعينه بدله. وزعم أن عمير لا يلائم المنصب وأن تعيينه بدلا منه سيعطي الحكومة شيئا من الثقة بها. كنت دهشا جدا من اظهار عدم الاخلاص هذا وسألت عن فضول عددا من كبار مسؤولي حزب باراك ماذا يعتقدون في الاقتراح. وبين الجميع عن آخرهم – وفيهم فؤاد بن اليعيزر الذي قال لي أنه مؤيد صريح لباراك وسيفعل كل شيء كي ينتخب انتخابات الحزب التمهيدية – أنني اذا أقلت عمير بيرتس فسيستقيلون من الائتلاف على الفور.

        بينت هذا لباراك لكن هذا التعليل أيضا لم يقنعه. عرض علي حسابا فحواه أنه اذا استقال جميع أعضاء العمل فان الوزير شلوم سمحون الذي كان آنذاك أكبر مؤيديه سيظل في الائتلاف. حاولت أن أبين لباراك أن الائتلاف لا يمكن أن يظل مع ستين نائبا فقط لكن لم يساعد أي شيء. استمر على الهز. ما كانت عندي أية نية أن أقيل عمير بيرتس الذي اعتقدت آنذاك وما زلت أعتقد اليوم أنه شخص نزيه ورجل حياة عامة أهل جدا، وزال هذا الموضوع آخر الأمر عن جدول العمل. بعد حرب لبنان الثانية تغلب باراك على عمير في انتخابات حزب العمل الداخلية وأصبح تحوله وزيرا للدفاع محتوما.

        كان ايهود باراك الذي عرفته عندما كان وزير دفاع يختلف تماما عن الشخصية التي عاملتها مرات كثيرة مدة عشرات السنين من الاتصالات في  المناصب المختلفة التي شغلناها معا. استمرت الثرثرة الوسواسية. اعتاد أحيانا في الجلسات أن يغفو لكنه كان في الأساس مترددا، غير قاطع ومما زاد في دهشتي أنه لا يملك قدرة على القرار أيضا. وقد برز هذا خاصة في الأوضاع التي توقعت فيها من شخص ذي تجربة كتجربته موقفا واضحا صريحا موضوعيا في الشؤون الامنية.

        وكان الأسوأ علاقته بمرؤوسيه من أفاضل قادة الجيش الاسرائيلي. لم يستمع الى استعراضاتهم في الجلسات لموضوعات ذات حساسية عليا، ولم يحجم عن توبيخهم أمام رفاقهم واعتاد أن يهينهم ايضا في جلسات المجلس الوزاري المصغر، في حضرة وزراء حكومة وضيوف. وبلغ الذروة عندما قطع على جنرال كبير استعراضه موضوعا أمنيا ذا أهمية عليا في منتصفه وصاح به: "اصمت واجلس! أمنعك الاستمرار على الحديث!" دهش الضابط الذي ما زال يتولى عملا مركزيا جدا في الجيش الاسرائيلي وكذلك أعضاء المجلس الوزاري المصغر.

        اضطررت الى التدخل، برغم ان باراك زعم أنه بكونه مسؤولا عن الجيش الاسرائيلي من قبل الحكومة فانه يحل له ان يأمر ضابطا بالصمت. في جميع سنوات خدمتي الطويلة في حكومات مختلفة لم أشهد سلوكا فظا عنيفا الى هذا الحد. اهتممت بطبيعة الأمر أن أقف باراك، أو أن اجلسه بتعبير أصح، مكانه، لكن تأثير هذه الحادثة المثيرة للكآبة لم يزل.

        كان باراك وزير دفاع مخيبا للأمال، غير مطيع ولا مستقر في مواقفه وغير مسؤول عن توصياته في الشؤون الحساسة الحاسمة التي كان يجب علينا أن نتخذ قرارات في شأنها.

انشر عبر