شريط الأخبار

حديث المعارضة الفلسطينيّة../ حسام كنفاني

02:31 - 16 آب / سبتمبر 2010

حديث المعارضة الفلسطينيّة حسام كنفاني

 

16/09/2010  10:56 

 

للمفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيلية، المباشرة وغير المباشرة، مجموعة من المفارقات، لكن أهمها على الإطلاق هو الحديث المستجد عن «معارضة فلسطينية». حديث بات يستخدمه محمود عبّاس كثيراً في جلساته الداخلية، سواء مع الأميركيين أو الإسرائيليين.

 

هدف عبّاس، كما يوضحه بنفسه لأطراف منظمة التحرير، هو الإظهار للأميركيين والإسرائيليين أن وضعه مشابه إلى حد كبير لوضع بنيامين نتنياهو في الساحة الداخلية، فكما أن هناك معارضة تهدّد الاستمرارية السياسيّة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، كذلك هناك معارضة تكبّل أبو مازن وتمنعه من تقديم تنازلات مجّانية على طاولة المفاوضات.

 

هذه هي المقاربة التي يريد أبو مازن إيصالها، مستفيداً من خروج أصوات، للمرة الأولى، من داخل منظمة التحرير تعلن رفضها لاستئناف المفاوضات المباشرة. مقاربة مثيرة للسخرية، ولا سيما لجهة استخدام تعبير «معارضة»، الذي يوحي أنّ السلطة الفلسطينية واحة للديموقراطية خاضعة لمنطق المحاسبة والمساءلة والغالبية النيابية القادرة على إطاحة رأس الحكم.

 

هذا ما يريد أبو مازن تصويره للأميركيين، وكأنّ هؤلاء غير واعين لواقع السلطة و«المعارضة» التي يتحدّث عنها عباس، وبدأ يلمّح إلى أنه يخشاها. بهذا المنطق ما هي وسائل ضغط المعارضة الفلسطينية على أبو مازن؟

 

أول أبواب الضغط في «النظام الديموقراطي» تكون عبر البرلمان، وفي الحالة الفلسطينية هو المجلس التشريعي المعطّل منذ 3 أعوام. فلا جلسات ولا نقاشات ولا لجان ولا تشريع، وبالتالي فإن عبّاس من المفترض أن يكون مرتاحاً إلى وضعه وحكمه وحكومته. فمشاريع سلام فيّاض ماضية بموافقة ومن دون موافقة أعضاء المجلس التشريعي، الذين يوجه الكثيرون منهم، بشكل فردي، اتهامات إلى رئيس حكومة تسيير الأعمال، ويشيرون إلى شبهات حول أدائه ومشاريعه.

 

وفي كل الأحوال فإنه لا «معارضة» لعبّاس من داخل الحكومة، بل على العكس فإن الانسجام بينه وبين سلام فيّاض في قمّته، بدليل أن أبو مازن يضرب عرض الحائط بكل الانتقادات التي توجّهها حركة «فتح» إلى رئيس الحكومة لجهة استبعادها عن التوزير والحصول على نسبة من كعكة السلطة.

 

لكن هل أدى ذلك إلى نشوء معارضة لأبو مازن في داخل حركة «فتح»؟ الإجابة أعلنها عبّاس نفسه في اجتماع اللجنة التنفيذية الأخير الأسبوع الماضي، حين أبلغ الأعضاء أن قرار الذهاب الى المفاوضات في واشنطن «اتُّخذ بالإجماع في المجلس المركزي لحركة فتح من دون معارضة».

 

يبدو أن «فتح» لا تعارض في التفاوض، فهي تبصم لعبّاس ولخياراته، ومعارضتها لا تأتي إلا حين يُستبعَد قادتها عن الانتفاع بالسلطة، طالما أن الحركة أصبحت قائمة على مبدأ الحزب الحاكم على الطراز العربي، الذي لا يُشغل أعضاؤه إلا بكيفية تحقيق المكاسب الشخصية، أما المكاسب العامة، فهي محتكرة من جانب «الزعيم» الذي يتقمّص عبّاس دوره حالياً.

 

إذا كانت هذه حال الحكومة والمجلس التشريعي و«فتح»، فماذا عن منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية، التي من المفترض أن تقوم مقام الحكومة بحسب تقسيمات المنظمة قبل إقامة السلطة؟ وضع عبّاس في المنظمة لا يختلف كثيراً عن وضعه في السلطة أو الحكومة. هو أساساً لا يعطي الكثير من الأهمية لآراء الموجودين في قاعة اجتماعات اللجنة التنفيذية، وفي الغالب فإن القرارات التي يخرج بها لا يطلب فيها رأي الأعضاء أو تصويتهم.

 

أعضاء اللجنة التنفيذية أصبحوا في الفترة الأخيرة شهود زور على خيارات عبّاس وقراراته، التي يتخذها باسمهم، فيما الكثيرون منهم يعارضونها. هذا الأمر حدث من قبلُ حين اتخذ قرار المفاوضات غير المباشرة، وكرّره أبو مازن حين قرر الخوض في المفاوضات المباشرة. القرار اتخذه عباس وحاشيته وأعطاه الصفة الوطنية الفلسطينية من دون وجه حق.

 

المعارضة لقرار عباس الأخير كانت واضحة وظاهرة، لكن لم يكن لها ترجمة إلّا في قرار المقاطعة الذي اتخذته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لاجتماع اللجنة التنفيذية الأخير، حين غاب ممثلها عبد الرحيم ملّوح عن الاجتماع. مقاطعة ليس لها تفسيرات كثيرة لغاية الآن، رغم ما سبقها من تلويح للجبهة باتخاذ إجراءات، فالحديث يجري عن «انشغال ملّوح بارتباط في جنين»، وليس للأمر أي مدلولات أخرى. هذا على الأقل ما جرى الحديث فيه في أروقة الاجتماع، الذي ضم معارضين، سواء من الجبهة الديموقراطية أو حزب الشعب أو غيرهما.

 

لكن المفارقة أنّ الاجتماع أثنى على الجهود الأميركية في العملية والسلمية، وقدّم غطاءً إلى الرئيس محمود عباس في عملية التفاوض. أي إن هذه المعارضة تدعم الجهود التي تعارضها. مفارقة تؤشّر إلى وضع المعارضة التي يتحدّث عنها عبّاس، الذي لم يكن بالتأكيد يقصد حركتي «حماس» و«الجهاد» وسائر الفصائل «الممانعة»، التي باتت مواقفها أو معارضتها موسميّة وفق متطلبات الظروف الإقليمية، وأساساً فإن معارضتها غير مؤثّرة في وضع أبو مازن بفعل حال الانفصال الجغرافي.

 

وعلى هذا الأساس فعبّاس ضامن لحال الموالاة، حتى لو كان المحيط معارضاً. ومع ذلك لا بأس في أن يتسلّى في الحديث عن المعارضة.

 

انشر عبر