شريط الأخبار

أيلول الأسود: الذكريات والدرس للمستقبل- إسرائيل اليوم

11:24 - 08 حزيران / سبتمبر 2010

أيلول الأسود: الذكريات والدرس للمستقبل- إسرائيل اليوم

بقلم: يوسي بيلين

مشاركة الملك عبدالله الثاني، ملك الاردن، في قمة واشنطن، الى جانب الرئيس مبارك وزعماء الولايات المتحدة، اسرائيل والفلسطينيين، بدت مفهومة من تلقاء ذاتها: الاردن، مثل مصر ايضا، سبق أن وقعا على معاهدتي سلام مع اسرائيل، وهما يأملان في أن تنضم اليهما جهات اخرى في العالم العربي، ولا سيما الفلسطينيون.

غير أن الصلة بين الاردن والفلسطينيين مركبة جدا، شهدت مواضع صعود وهبوط، وذروة التوتر بينهما كانت الصراع الدموي الذي قتل فيه الالاف وربما عشرات الالاف، في ما سمي بـ "ايلول الاسود".

كان هذا قبل أربعين سنة. استدعيت للاحتياط في 19 ايلول 1970، بعد يوم من اجتياح الدبابات السورية للاردن. شرحوا لي بانه بدأت حرب بين سوريا والاردن، واسرائيل ستقف الى جانب الاردن. قبل ثلاث سنوات فقط من ذلك قاتلنا ضد الاردن، قبل سنتين من ذلك فقط كانت عملية الكرامة ضد الاردن، وفجأة تجدنا نغير الاتجاه؟ يتبين ان نعم. الاردن يقاتل في سبيل حياته والامريكيون طلبوا منا ان نساعده. بعد نحو اسبوع سرحت دون ان يحتاج الجيش الاسرائيلي الى خدماتي. كان هذا دوري المتواضع في احداث ايلول اياه.

معظم اللاجئين الفلسطينيين وجدوا أنفسهم تحت حكم الاردن في 1948. فقد هربوا الى الضفة الغربية بل ووصل بعضهم الى الضفة الشرقية. الملك عبدالله، الذي احتل الضفة الغربية للاردن واراد جدا ان يضمن تواصل حكمه فيها، منح الجنسية الاردنية لكل الفلسطينيين، وكان هدفه استيعابهم في مملكته. لم يمنح أي زعيم عربي آخر الجنسية للاجئين.

عندما اقامت بعض الدول العربية، وعلى رأسها جمال عبدالناصر، منظمة التحرير الفلسطينية، عقب على ذلك الملك حسين بتحفظ شديد. معنى الامر، من ناحيته، كان محاولة فلسطينية لقطع الضفة الغربية عن الشرقية. وفقط بعد أن تلقى الشروحات والوعود من العالم العربي، اعطى موافقته على اقامة المنظمة في شرقي القدس، في 1964.

ولكن م.ت.ف انشغلت بدولة فلسطينية من البحر الى النهر. بحيث أن المواجهة مع الاردن كانت محتمة. وشخصت م.ت.ف ضعف النظام، اقامت جيشا خاصا بها (نحو 15 الف رجل)، وقف في الحواجز، سيطرة على مناطق في شمال الضفة الغربية وعلى مخيمات اللاجئين الفلسطينية قرب الحدود السورية، اقام جهازا قضائيا خاصا به وتحدى السيادة الهاشمية.

الاردن جعلته المنظمة قاعدة للارهاب ضد اسرائيل. اسرائيل اتهمت الاردن، وكانت الذروة في عملية الكرامة في اذارر 1968، ضد قاعدة م.ت.ف في الاردن، والتي خرج منها عرفات على قيد الحياة. جموع المتطوعين انضموا الى المنظمات الفلسطينية في اعقاب العملية، وصعدت م.ت.ف استفزازاتها حيال الحسين وحكومته.

الملك فهم بان الصراع مع م.ت.ف هو على مجرد وجود المملكة الهاشمية ولكنه حاول الوصول الى تفاهم. مفاوضات طويلة مع قادة المنظمة الفلسطينية انتهت في تشرين الثاني، باتفاق تتخلى فيه م.ت.ف عن الحكم الذاتي الذي اخذته لنفسها في الاراضي الاردنية.

غير أن شيئا لم يحصل. في اثناء 1969 تدهور الوضع، وفي بداية 1970 اقترب الحسين من اليأس. سافر الى الولايات المتحدة وطلب المساعدة ضد محاولة السيطرة الفلسطينية على بلاده. فحص امكانية الوصول الى اتفاق مع اسرائيل، ولكن لم يكن بوسعه أن يقبل المطالب الاسرائيلية. سافر الى مصر، التقى بناصر وحاول اقناعه بان سيطرة م.ت.ف على الاردن لن تخدمه. ناصر لم يقتنع. في شباط 1970 نشر الحسين أمرا يحظر على المنظمة القيام بنشاطات سياسية في الاردن. أما هذا فببساطة لم يؤثر على م.ت.ف .

ولكن في الصيف وقع شيء خلق قاسما مشتركا بين مصر والاردن: كلاهما وافقا على مبادرة وزير الخارجية الامريكية، وليم روجرز، لوقف النار مع اسرائيل. في م.ت.ف قرروا اسقاط الحسين. في 1 ايلول، قاموا بمحاولة اغتيال فاشلة له. بعد خمسة ايام من ذلك أنزلوا في مطار الزرقاء ثلاث طائرات غربية واخذوا مسافريها كرهائن، لاحراج الحسين. كما أنهم "حرروا" منطقة اربد.

الملك فهم بان السبيل الوحيد من ناحيته هو الحرب ضد م.ت.ف . في 16 ايلول عين حكومة جنرالات، وفي الغداة شرع في صراع عديم الرحمة. صراعه اصطدم بمقاومة عنيدة. م.ت.ف طلبت المساعدة من سوريا وهذه بعثت بمئات الدبابات الى داخل الاردن.

هنا دخلنا نحن في الصورة. طائرات اسرائيلية حامت فوق قافلة الدبابات للاشارة بان في وسعنا أن ندمرها. السوريون فهموا الرسالة وبعد ثلاثة ايام من التضامن مع م.ت.ف عادت الدبابات الى قواعدها.

* * *

كان هذا انتصارا مضرجا بالدماء للحسين، قتل فيه الاف عديدة. في 27 ايلول 1977 عقد في القاهرة احتفال للتوقيع على اتفاق بين الحسين وم.ت.ف شعر فيه الملك بالاهانة، رغم انتصاره. ناصر سعى الى منح عرفات الاحساس بانه لم يهزم. وفي الغداة توفي الرئيس المصري على نحو مفاجىء، وفقدت م.ت.ف سندها الاهم. الحسين كان بوسعه أن يتنفس الصعداء. ولكن في 1974 اضطر الملك الى ان يبتلع قرار الجامعة العربية الاعتراف بـ م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني.

لاحقا تحدثت طويلا مع الملك حسين عن ايلول اياه. كان فيه عداء شديد لـ م.ت.ف ولكن برغماتية لا حصر لها جلبته الى أن يستضيف في تشرين الثاني 1984 المجلس الوطني الفلسطيني، ويجري مفاوضات مع عرفات على مدى سنة، على اقامة اتحاد فيدرالي اردني – فلسطيني المفاوضات التي لم تنجح.

عندما فشلت محاولتنا الوصول الى مؤتمر دولي يؤدي الى حل اردني – فلسطيني بسبب معارضة اليمين، اعلن الحسين نهائيا عن فك ارتباطه عن الضفة الغربية. في تموز 1988 اعلن بان ليس لديه مطالب هناك وأنه يؤيد انتقالها الى سيادة فلسطينية، وفي تشرين الثاني، اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني القرار باقامة دولة.

الحسين لم يحب اتفاق اوسلو، ولكنه استخدمه كي يفعل ما اراد فعله منذ زمن بعيد – الوصول الى اتفاق سلام مع اسرائيل. بعد يوم من توقيع اتفاق المبادىء في البيت الابيض، وقع اتفاق المبادىء بين اسرائيل والمملكة الهاشمية وبعد سنة من ذلك وقع اتفاق السلام. منذئذ شارك الحسين في المسيرة السياسية بيننا وبين الفلسطينيين، وابنه عبدالله سار في طريقه.

ايلول الاسود لم ينسَ، رغم أنه مرت اربعين سنة منذئذ. قدامى الفلسطينيين لا يزالون يسمون الحسين "الجزار" بينما بعض قادة المملكة الهاشمية لا يغفرون محاولة الانقلاب الفلسطينية. ولكن ليس هناك مفر امام أحد: المثلث الاسرائيلي – الفلسطيني – الاردني ملزم بان يحل النزاع المتواصل وحل النزاع ينطوي على محاولة عقلانية لوضع مواجهات الماضي جانبا. لا تنسى، لانها لا تنسى، ببساطة لا يمكن.

 

انشر عبر