شريط الأخبار

كتاب أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي"... السياسة التركية في إطار العلاقات مع العالم العربي (2 من 3)

12:41 - 08 حزيران / سبتمبر 2010

كتاب أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي"... السياسة التركية في إطار العلاقات مع العالم العربي (2 من 3)

يستعرض وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في الفصل المنشور اليوم الخلفيات التي قادت إلى تشكيل العلاقات العربية – التركية على صورتها الحالية وآفاق تطورها بعد تخليصها من رواسب الماضي وإعادة تأسيسها عقلانياً على نحو يأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة الكبيرة.

 

والفصل المنشور جزء من الترجمة العربية لكتاب داود أوغلو «العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية» الذي تنشر «الحياة» فصولاً منه في ثلاث حلقات.

 

يصدر الكتاب قريباً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» و «مركز الجزيرة للدراسات» بترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل ومراجعة بشير نافع وبرهان كوروغلو.

 

ينبغي حتى يتسنى لنا تحليل مسار العلاقات ذات العمق التاريخي المتعدد الجذور في التوازنات الاستراتيجية اليومية للعلاقات التركية - العربية، ألا نتناول المقاييس السياسية القائمة فقط، بل دراسة الأرضية التي ظهرت فيها هذه المقاييس السياسية بجوانبها المتعددة أيضاً. إن أي تحديد لا يضع في اعتباره العناصر التاريخية والسيكولوجية والاجتماعية - الثقافية، التي تحدد الذهنية الإستراتيجية بخاصة، هو تحليل آلي ميكانيكي. لقد اتبعت العلاقات التركية - العربية، بخلفيتها التاريخية، السلبية والإيجابية، مساراً حيوياً نادراً من حيث تأثيراتها الثقافية - السياسية المتبادلة. ويمكننا أن نشير إلى حالة مشابهة في العلاقات الجرمانية - الرومانية في أوروبا، والعلاقات اليابانية - الصينية في آسيا؛ فكما أن الجرمان، الذين شكلوا مجتمعات أكثر دينامية من حيث البناء السياسي، تقبلوا مسيحية روما، واعتنق اليابانيون بوذية الصين وشكلوا ثقافة عالمية، فإن الأتراك الذين جاءوا كجماعات سياسية دينامية من آسيا الوسطى إلى المناطق الخاضعة للسيطرة العربية، دخلوا في الإسلام وانخرطوا في عملية تحول حضاري متعددة الجوانب. وكما حولت المسيحية والبوذية الهوية التاريخية للجرماني والياباني إلى إدراك حضاري، كذلك وفر الإسلام الأساس الحضاري للأبنية السياسية الضخمة، التي أقامها الأتراك في ما بعد، وتمثلت في الدولة السلجوقية ودولة بابر والدولة العثمانية.

 

وإذا كانت التراكمات الثقافية التي وضعها العرب خلال العهدين الأموي والعباسي قد انتقلت إلى بنية هذه الحضارة، فإن دينامية الأتراك السياسية - العسكرية، ومهاراتهم التنظيمية ذات العمق الآسيوي، أثرت في الجغرافيا العربية كلها. وقد رفد ذلك التأثير المتبادل، الذي حمل موروثات التراكم الإيراني المتجذر، النسيج الثقافي السياسي للدولة العثمانية. وها هي عواصم الجغرافيا العربية اليوم، مثل القاهرة ودمشق وبغداد، لا تزال تضم الآثار العثمانية التركية. وفي المقابل، نجد أن فن الخط الذي بلغ قمته في إسطنبول هو شكل أنيق لفن الخط العربـي. كما أن مدن تركيا التقليدية، مثل أورفة وقونية وبورصة، ظلت تعبر عن الوحدة والتكامل في النسيج الثقافي مع المدن المشابهة لها في الجغرافيا العربية. دب الضعف في ذلك التأثير المتبادل والمشترك بفعل ما قامت به التيارات القومية التي ظهرت مع الثورة الفرنسية من تمزيق لذلك الإدراك داخل الجغرافيا الثقافية - السياسية العثمانية. وكان من نتائج بروز الهوية القومية والحاجة إلى بناء سياسي جديد في سياق تشكل الدولة القومية، تحول هذا التمزق إلى رد فعل سيكولوجي، صنع أرضية لميلاد نوع من الإدراك «للآخر». كما أن تأثيرات القوى الاستعمارية والتطورات التي حدثت في الحرب العالمية الأولى كانت من العوامل المحرضة على ظهور هذا الإدراك. فمنذ تلك الفترة، رأى القوميون الأتراك في التخلص من التأثير العربـي شرطاً ضرورياً للتمكن من تشكيل ثقافة تركية مستقلة؛ كما تبنى القوميون العرب فكرة أن السبيل الوحيد لعودة العرب إلى الظهور على الساحة السياسية يكمن في التحرر من تأثير السياسة التركية.

 

تسببت ردتا الفعل اللتان دفعتا بالعهدين السلجوقي والعثماني - اللذان استمرا نحو تسعة قرون- إلى خارج الإدراك التاريخي، في وجود نوع من «عدم التدوين التاريخي». وقد تحولت هذه الأنماط من المعالجة، إلى ردود أفعال نتيجة عدم التحلي بالقدر الكافي من القدرة على متابعة تجربة بناء الدولة القومية لدى الغرب. فعلى النقيض من تلك المعالجة، نجد أن ايطاليا التي تضم روما والفاتيكان، قد تحولت إلى دولة قومية؛ كما نجد ألمانيا التي تضم العناصر الجرمانية قد تحولت أيضاً إلى دولة قومية. استطاعت هاتان الدولتان القيام بهذا التحول ليس من خلال رفض موروثات التجربة التاريخية المقدسة المشتركة لدى الرومان والجرمان، وإنما بالاستفادة من موروثات هذه التجربة التاريخية على المستويين الثقافي والمؤسسي على حد سواء. في حين أن ردتي الفعل اللتين اتفقتا حول أن موروثات العهدين السلجوقي والعثماني تشكل عائقاً أمام التحديث، نظرت إلى تأثير كل منهما باعتباره عائقاً أمام التحديث. مثلت التراكمات الثقافية للتأثير العربـي بالنسبة للنخب التركية قوة تعطيل، ورأت تلك النخب استحالة القيام بالتحديث ما لم يتم تخليص تلك التراكمات الثقافية من تأثير الجغرافيا التي ولدتها. ولذا، أصبحت صورة الشرق الأوسط لدى النخب التركية مرادفاً للتخلف الواجب التحرر منه ثقافياً، وساحة مخاطر عسكرية - سياسية يتحتم الابتعاد عنها قدر الإمكان. ولقد تأثر الدبلوماسيون والباحثون وصانعو السياسة الأتراك بهذا النسق الإدراكي، الذي تم التعبير عنه في صيغة أدبية في رواية «جبل الزيتون» لفالح رفقي، وفي صيغة المثل الشعبـي «لا ترني وجه العربـي، ولا حلوى الشام». وقد استمدت التحليلات المعنية بهذا الشأن من مصادر خارجية. وأصبحت تركيا بالتالي غريبة عن ثقافة المنطقة وسياستها وتوازناتها الداخلية، بل وانسلخت عنها. وقد أدى هذا الأمر بتركيا إلى فقدان القدرة على التقاط إيقاع المتغيرات الجارية في المنطقة؛ واستقرت الرؤية العامة التي تكونت وفقاً للصورة المرسومة للعرب داخل مركز صناعة السياسة الخارجية التركية.

 

أما بالنسبة للنخب العربية، فقد صور الجدار التركي باعتباره ستاراً بين العرب والغرب، وسبباً في تخلف العرب عن اللحاق بركب الحداثة؛ وأصبح الانسلاخ عن التأثير التركي نوعاً من التوكيد على الصدقية الذاتية. وعندما نجمع بين هذا النمط من المعالجة، الذي يرهن ظهور العرب على مسرح التاريخ بالانسلاخ عن التأثير التركي، وبين الدافع الضمني لإثبات الذات، نجد أنهما أوجدا انسلاخاً مضاداً. ويمكن من منظور سيكولوجية الانسلاخ المتبادل، إدراك ذلك القدر من التباعد الدبلوماسي والسياسي بين النظامين السوري والتركي، على رغم مما بينهما من تقارب شديد جغرافياً وثقافياً؛ إذ تضع الشخصية النفسية والحسية لدى الإنسان في هذه المنطقة، الدبلوماسية العقلانية تحت ضغط سيكولوجية الانسلاخ المتبادل هذه، وتجعل مناقشة المصالح المتبادلة والعناصر المشتركة، التي قد تصل إلى الحد الأقصى، أمراً لا يمكن إدراجه في مفاوضات عقلانية. والعقبات السيكولوجية التي شكلت هذه الأنماط الإدراكية المتبادلة، والتي ترسبت في لاوعي النخب، هي عقبات تؤثر تأثيراً سلبياً في مسار العلاقات التركية - العربية على المستوى الدبلوماسي، وفي إسهاماتها المحتملة عالمياً وإقليمياً. ومن الصعوبة بمكان بلوغ العلاقات التركية - العربية مستوى صحياً دون تطوير علاقة عقلانية. وحتى وقت قريب جداً، كان من الممكن التماس العذر للسلوكيات النابعة من ردود الأفعال السيكولوجية هذه لدى بعض الدول التي لا تمتلك رصيداً من التجربة والخبرة، بيد أن دولة مثل تركيا، ذات ميراث تاريخي أقام هيمنة مطلقة في المنطقة دامت لمدة تقترب من الأربعة قرون، يتعين عليها تجاوز هذه العقبات السيكولوجية، وتطوير نمط معالجة استراتيجية تُمكنها من فهم المنطقة بكامل عناصرها، وتحليلها وتوجيهها والإحاطة الشاملة بمفرداتها.

 

توازنات الشرق الأوسط والعلاقات التركية - العربية

 

عندما نجمع بين التجارب السلبية التي عاشتها المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى تحت التأثير البريطاني، وبين هذا الفهم للتاريخ، نجد أن سيكولوجية الانسلاخ التي تكونت في العلاقات بين تركيا والعنصر العربـي في الشرق الأوسط قد تراكمت وازدادت وتعمقت في فترة ما بين الحربين العالميتين. وقد أسفر النظام العالمي الثنائي القطبية، الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، عن نتائج غذت التناقضات التي أخذت في التبلور في السياسات الإقليمية. أدت سيكولوجية الانسلاخ إلى انضمام كل من تركيا، والدول العربية التي حصلت على استقلالها في الثورات ضد الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، إلى معسكري القطبية الثنائية، في مواقع متعاكسة (تركيا في طرف والدول العربية في طرف آخر)، وإلى فقدان هذه الدول الاستعداد لبناء سياسات إقليمية.

 

شعرت تركيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية بضغط التهديد السوفياتي القادم من الشمال، فانتقلت إلى المعسكر الغربـي، وواجهت مشكلة لم تحسب لها حساباتها السيكولوجية والدبلوماسية والتكتيكية تمثلت في أن كل دولة جديدة تظهر في الشرق الأوسط يمكن أن تكون حليفاً محتملاً للاتحاد السوفياتي. وكان من نتائج التمحور حول المعسكر الغربـي - أكثر من كونها تخطيطاً إقليمياً ذا طبيعة استراتيجية - أن أصبحت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، واتخذت موقفاً سلبياً إزاء أزمة السويس، وشاركت في تأسيس حلف بغداد، وصعّدت حدة التوتر مع سورية إلى حافة الحرب، بانية على التراكم السيكولوجي السلبـي إدراكاً لقطب آخر مخالف. كان الرأي العام العربـي في تلك المرحلة يطور خطابه وصراعه السياسي المعادي للاستعمار إلى توجه مناهض للدول الغربية، وبدأ ينظر إلى تركيا هذه المرة باعتبارها شريكاً استراتيجياً للدول الاستعمارية؛ بينما كانت تركيا تتطور سياستها الإقليمية على نحو يتفق مع الخيارات العامة للمعسكر الغربـي الذي تنتسب إليه. ولم تسفر هذه السياسة الإقليمية عن نتائج تتعلق بالمنطقة وحدها، بل وأدت إلى فقدان تركيا للكثير من اعتبارها وقيمتها لدى معسكر عدم الانحياز، الذي تألف من الدول التي ولد معظمها في خضم ثورات ضد الاستعمار، ووضعها الموقف المعادي للاستعمار في مركز المعسكر السياسي الدولي البديل. تسببت هذه السياسة في وقوع تركيا في حالة من العزلة الدولية، على رغم أنها الدولة التي حازت السبق في القيام بأول حرب استقلالية في الشرق.

 

بيد أن التطورات التي شهدتها تركيا في عقد الستينات من القرن العشرين على محور قبرص، والتي شهدتها الدول العربية على محور فلسطين، أسفرت عن نتائج من شأنها التحرر من سياسات المعسكرين العالمية؛ فبينما أدى كل من التوتر الذي عاشته تركيا مع الولايات المتحدة، وخطاب جونسون خلال أزمة قبرص عام 1964، إلى حدوث تغير جاد في بنية السياسة الخارجية التركية ذات الوجهة الواحدة والمعسكر الواحد، أدت هزيمة الحركة القومية العربية بزعامة عبد الناصر في 1967، إلى قيام الدول العربية الراديكالية، وعلى رأسها مصر، بإعادة النظر في مواقفها. أضحت القضايا ذات الطابع القومي لدى الطرفين سبباً في قيام كل منهما بإعادة النظر ومراجعة السياسة الخارجية على أصعدة عدة مختلفة؛ فقامت تركيا بعد خطاب جونسون بتطوير علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، وحتى يتسنى لها الخروج من عزلتها في الأمم المتحدة، سعت جاهدة لسد الفراغ الذي تركته لدى دول معسكر عدم الانحياز وفي مقدمها الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي. أما الدول العربية، فقد شرعت في اتخاذ خطوات من شأنها القضاء على الخلافات القائمة في ما بينها والمتولدة من انتمائها إلى معسكرات مختلفة، كما بدأت - لا سيما مصر- في إعادة النظر في علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، الذي حملته مسؤولية جزئية عن هزيمة 1967.

 

أدت المقاربات البراغماتية، التي أوجبتها الحاجة إلى الدعم الدبلوماسي المتبادل، إلى إخراج العوائق التاريخية -السيكولوجية من الحسابات؛ واتجهت العلاقات التركية - العربية نحو التحسن في السبعينات. وفي بدايات عقد الثمانينات، أخذت تلك العلاقات في بناء مجالات مصالح مشتركة من خلال روابط اقتصادية مكثفة، كان من نتائجها قيام مشروعات مثل خط أنابيب كركوك/يومورتالك، الذي قرب بين تركيا والعراق. وفي النصف الأول من عقد الثمانينات، عززت تركيا من تأثيرها في المنطقة عبر العلاقات التي طورتها مع دول عربية مهمة، مثل مصر والعراق والمملكة العربية السعودية، بوسائل وعلى محاور مختلفة. كما نهجت تركيا عدداً من السياسات الإقليمية، مثل تبني  سياسة عدم انحياز فعال تجاه الحرب الإيرانية العراقية، ومساندة مصر في العودة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، بعد استبعادها منها بسبب معاهدة كامب ديفيد؛ إضافة إلى إقامة ارتباطات أمنية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، التي كانت عرضة للتهديد الأمني بسبب الحرب الإيرانية العراقية. وتعد هذه السياسات الإقليمية بمثابة ميلاد لسياسة تركية جديدة في الشرق الأوسط، ولعلها أيضاً السياسة الأبرز والأكثر فاعلية لتركيا في المنطقة بعد انسحابها منها في الحرب العالمية الأولى.

 

شهد الشرق الأوسط ثلاثة تطورات مهمة أدت إلى تغيير التوجه التركي: انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية، ونشوب حرب الخليج، وعملية السلام. وقد أدت الهدنة التي عقدت بين إيران والعراق، والتي دعمتها تركيا كخطوة مهمة من أجل تحقيق السلام في المنطقة، إلى ميل توازن القوى الإقليمي لمصلحة العراق. وعلىرغم أن العراق لم يستطع أن يحقق نجاحاً عسكرياً جاداً ضد إيران، إلا أنه بات يمتلك بنهاية تلك الحرب التي خاضها بدعم مالي من الدول العربية، ودعم تسليحي من القوى العالمية المعادية لإيران، مخزوناً للسلاح يمكّنه من التأثير على التوازنات سواء داخل المنطقة العربية، أو التوازنات الإقليمية في شكل عام. وإذ أدى ذلك الخلل، وميل ميزان القوة لمصلحة العراق، إلى إزعاج دول مثل المملكة السعودية، ومصر، وسوريا، وهي التي كانت تنظر إلى العراق في حربه الطويلة ضد إيران باعتباره درعاً واقياً للعالم العربـي، فقد دفع تركيا أيضاً إلى البحث عن توازن جديد، بعد أن شعرت بالاضطراب من جراء الفراغ الذي ظهر على حدودها بسبب الحرب. وعندما نجمع بين تصاعد مشكلة المياه وتفاقم التهديدات في الجنوب التركي خلال تلك الفترة، مع التغيير الذي جرى داخل دول المعسكر الشرقي، نجد أن اهتمامات تركيا تحولت من الشمال إلى الجنوب؛ وهو ما بدا في التصاعد الملحوظ في الممارسات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني، وإيواء سوريا له.

 

كانت حرب الخليج الثانية بمثابة تحذير من محاولة العراق تحويل مخزون سلاحه إلى مكسب جيوسياسي واقتصادي - سياسي دائم في الكويت. وقد أفرزت هذه الحرب تأثيرات مهمة على العلاقات بين سياسات تركيا الإقليمية والدول العربية. دفعت الحرب بالتأثير المتبادل بين التوازنات الدولية والتوازنات الإقليمية، إلى مستوى غير مسبوق؛ كما عملت على تقليص مساحة المناورة الإقليمية لدى الدول، وفي مقدمها تركيا، التي شعرت بضرورة متابعة التوازنات الدولية متابعة دقيقة. إن إغلاق تركيا خط الأنابيب من تلقاء ذاتها، ودون طلب من الولايات المتحدة، التي اضطلعت بزعامة التحالف الدولي، وتبنيها خطاباً هجومياً شديد اللهجة مع فتحها قاعدة «إنجرلك» للعمليات العسكرية، قد أديا إلى استحضار صورة تركيا الخمسينات، الحليفة للقوى الغربية. بل إن الدول العربية استشعرت القلق من الموقف التركي، على رغم انـزعاجها من التهديد الذي شكله لها العراق.

 

وقد تفاقمت حالة انعدام الأمن المتبادل بعد ما أعقب الحرب من تقسيم للعراق فعلياً إلى ثلاث مناطق، وخطورة تحول شماله إلى منطقة فراغ، وتحول الحدود التركية - العراقية إلى خط مواجهة بالنسبة لتركيا، ليس فقط من حيث الأمن الخارجي، بل أيضاً من حيث الأمن الداخلي. وسرعان ما أخذ ذلك الخط في التمدد نحو الداخل التركي بفعل اختراقات حزب العمال الكردستاني، ونحو العمق العراقي أيضاً من خلال التدخلات العسكرية التركية في شمال العراق، وهو ما أسفر عن ردود فعل مضادة من قبل الدول العربية التي نظرت إلى الحدود التركية - العراقية باعتبارها حدوداً بين دولتين فحسب. في الفترات اللاحقة، أثرت العمليات العسكرية التي انطلقت من قاعدة «إنجرلك» التركية مستهدفة معاقبة العراق، تأثيراً من شأنه تصعيد التوتر بين تركيا وبين الدول العربية، وأخذت ردود الأفعال العربية المشتركة تجاه هذه العمليات العسكرية، لا سيما بعد انتهاء التهديد العراقي الفعال للدول العربية، تتجه نحو تركيا، مبتعدة عن الولايات المتحدة وإنكلترا اللتين قامتا بقيادة الحرب. وهو ما يعني أن تركيا قد اضطرت لتحمل فاتورة الغموض الإقليمي بين القانون الدولي والمعيار الجيوسياسي الواقعي. ولعبت كل من مسألة المياه التي ترسخت في مركز اللوحة الاستراتيجية للخسائر الاقتصادية، ومشكلة الأمن الداخلي المتصاعدة التي تعرضت لها تركيا، أدواراً في تصعيد صِدام المصالح بين تركيا والعالم العربـي.

 

كما أثرت عملية السلام في الشرق الأوسط، التي بدأت في ظل هذه الأجواء، تأثيراً سلبياً على العلاقات التركية - العربية؛ فلم تتبوأ تركيا موقعاً ما في مركز عملية السلام، ولم تدع بصفتها عضواً فاعلاً إلى اجتماعات عملية السلام المتعلقة بالمجال الاقتصادي، ما تسبب في ضعف تأثير تركيا في المنطقة. وبدلاً من أن تتجه تركيا نحو مشروعات من شأنها الإحاطة بالمنطقة كلها على نحو يعالج ذلك الضعف، إذا بها تدخل في علاقات مكثفة مع إسرائيل في ظل المناخ المواتي الذي وفرته عملية السلام. وطفا على السطح تدهور غير معلن في العلاقات التركية - العربية. بدأت علاقات تركيا مع إسرائيل بمبررات تكتيكية، تتعلق بمسائل أمنية مشتركة؛ وبمرور الوقت، نظرت الدول العربية إلى هذه العلاقات باعتبارها اتفاقاً استراتيجياً. وقد أدى رفع مستوى العلاقات التركية - الإسرائيلية في موازاة انتشار سيناريوات حول إقامة محور تركي - إسرائيلي - أردني بدعم أميركي إلى توفير فرصة لإثارة الرأي العام العربـي في الدول ذات العلاقات المتأزمة مع تركيا مثل سوريا. وبعد أن كانت القومية العربية، في المنظار العربـي، مهددة في الخمسينات من التحركات الاستعمارية الغربية، وفي الستينات والسبعينات من إسرائيل، وفي الثمانينات من إيران، باتت في منتصف التسعينات عرضة لمخاطر وتهديدات تركية؛ وهو ما انعكس على اجتماع القمة العربية في 1996.

 

تزامنت الأزمة التي شهدها العالم العربـي مع التهديد الذي تعرضت له تركيا في ظل المناخ الاستراتيجي الجديد لفترة ما بعد الحرب الباردة. وكان لهذا التزامن دوره في دخول العلاقات التركية - السورية، والتركية - العراقية، مناخاً دينامياً جديداً ومتسارعاً. فقد تصاعدت وتيرة تراجع العلاقات من كلا الطرفين بعد تبني تركيا سياسة في شأن العراق وضعت في حسبانها مشكلة الفراغ في شمال العراق، وسياسة تجاه سوريا اختزلت العلاقات في حزب العمال الكردستاني الإرهابـي، والتأييد الدولي الذي حققه ذلك الحزب.

 

مستقبل العلاقات التركية - العربية

 

من المهم للغاية إعادة تأسيس العلاقات التركية - العربية على أرضية عقلانية، تأخذ في الاعتبار إعادة تحديد المقاييس العالمية والإقليمية، في فترة تشهد تحولات جادة في تركيا والدول العربية، مجتمعة وفرادى. ولا تقتصر هذه الأهمية على مستوى المصالح المتبادلة بين الأطراف، ولكنها تمتد إلى مستوى السلم الإقليمي أيضاً. ولعل بناء هذه الأرضية العقلانية يمكن أن يتيسر من خلال البدء بتجاوز التراكمات السيكولوجية المتبادلة، وترسيخ الوعي بمصير إقليمي مشترك، والحفاظ على العلاقات البينية من مؤثرات التوازنات العالمية. وفي هذا الإطار، يتعين على تركيا أولاً وقبل أي شيء، تطوير وجهة نظر تؤهلها لتحسس نبض العالم العربـي، وتلمس إيقاع التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تشهده مجتمعاته. فعلى سبيل المثال، يمكن تركيا العمل على فهم الوضع الجديد الذي طرأ على سوريا بعد حافظ الأسد، وطرح تفسير لهذا الوضع، لا سيما ما يتعلق بعملية التغيير الاجتماعي التي شهدتها سوريا في الأعوام الأخيرة؛ ويمكن الدبلوماسية تجاه هذه الدولة أن تقيم أرضية صحيحة بناء على مثل هذا التحليل والتفسير. وفي مرحلة إعداد على هذه الشاكلة، ينبغي الابتعاد عن المقاربات التعميمية والسطحية، التي تختزل المجتمعات العربية في تصنيف واحد. مثل هذه المقاربات، تجعل من العسير التوصل إلى رؤية صحيحة وتقييم دقيق للفروق المهمة بين المجتمعات المنتشرة من المغرب إلى عمان ومن العراق إلى السودان، والتي تحمل خصائص ثقافية وسياسية متباينة.

 

وعند النظر إلى التصورات المتعلقة بالمستقبل، نجد أن مصدر الخطر الأكبر بالنسبة لسياسات تركيا الإقليمية، يكمن في تصاعد التيارات القومية المضادة؛ فالحركات القومية، لا سيما المدعومة من القوى العظمى، تمتلك خيارات هي الأخطر في توجهاتها الخارجية بالنسبة لسياسات تركيا في الشرق الأوسط. ويمكن لشرق أوسط تنمو فيه الحركات القومية، أن يغلق الأبواب أمام التأثير المباشر لتركيا في المنطقة، ويرهن المنطقة لكيانات سياسية تتحكم فها قوى أخرى. كما أن تصاعد التيارات القومية والحركات السياسية ذات الأساس العرقي سوف يسفر عن مشكلات ضخمة بالنسبة لوحدة الصف داخل تركيا، التي تضم كل العناصر المتبقية عن العهد العثماني. ولذا، ينبغي على تركيا الابتعاد عن المعايير التي من شأنها أن تضعها في تناقض مع الحركة القومية العربية. وعلى رغم ما نراه من انقسام في العالم العربـي، وضعف تأثيره السياسي خلال الأزمة مع سوريا، والذي نظر إليه وكأنه موقف مناسب، لا يجب أن ننسى أن الدول العربية المنقسمة على نفسها قادرة على توحيد ردود فعلها، بل ويمكنها تحريك كثير من المحافل الدولية وفي مقدمها معسكر عدم الانحياز. ثمة حقيقة مفادها أن تركيا، التي تواجه الآن اللوبـي العربـي في المحافل الدولية بعد اللوبـي اليوناني والأرميني، ستواجه صعوبات جمة عند انتهاجها دبلوماسية فاعلة.

 

كما أن علاقات تركيا مع إسرائيل، التي اكتسبت بعداً استراتيجياً بتخطيها للسمة التكتيكية المحدودة المزعومة، كانت بدورها عاملاً مساعداً في تصاعد الحركة القومية العربية. إن تدهور العلاقات الثنائية بين تركيا ودول عربية مثل سوريا والعراق، في موازاة علاقات تركية متطورة مع إسرائيل، من شأنه حشد العالم العربـي كله ضد تركيا؛ وهو ما يعني بالأحرى إقصاء تركيا عن المنطقة إقصاء فعلياً. إن الخطر الأكبر في سياسة الشرق الأوسط يتمثل في الانعزال أمام حركة جبهة واسعة. ولا ينبغي أن ننسى حجم التأثير السلبـي الذي تعرض له دور مصر الإقليمي بعد الإقصاء الجماعي لها من قبل العالم العربـي بسبب معاهدة كامب ديفيد. أما النموذج العراقي، الذي عاش حالة من العزلة التامة في المنطقة بعد حرب الخليج، فيبرز جانباً من مخاطر السياسات التي لا تأخذ في الاعتبار ميزان القوى في المنطقة. ولعل الخطوة الأهم للحيلولة دون حدوث استقطاب وشيك، تتمثل في تطوير العلاقات الثنائية مع الدول العربية، كل على حدة، من خلال تنويع هذه العلاقات وتعميقها على نحو يوسع من مجالات المصالح المتبادلة. يمكن لمثل هذه السياسة أن تقلص من المخاطر التي قد تسفر عنها ردود الأفعال. ومن الأمثلة على هذه العلاقات الثنائية: العلاقات الدبلوماسية في المسار العام للعلاقات التركية - الأردنية، والعلاقات التركية - المصرية بعد كامب ديفيد، والعلاقات الثنائية في مجال المصالح المشتركة، كما في العلاقات التركية - العراقية خلال الفترة الممتدة من تشغيل خط أنابيب كركوك - يومورتاليك حتى انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية، والعلاقات التركية - الليبية في عقد الثمانينات، وأثناء أزمة قبرص، حين اتسعت مشاريع المقاولات المشتركة.

 

وينبغي إزاء احتمال تشكل استقطاب بفعل أوضاع معينة الاهتمام بالعلاقات مع إيران، وهي الدولة المسلمة غير العربية في المنطقة؛ ففي حال تعثر العلاقات التركية - العربية، يمكن للعلاقات التركية - الإيرانية كسر حالة العزلة الإقليمية. كما أن حرص تركيا في علاقاتها مع إسرائيل على أن لا تتولد عن هذه العلاقات نتائج تؤدي إلى فرض حالة من العزلة على تركيا داخل التوازن التركي - العربـي - الإيراني، هو عنصر مهم في سياسات المنطقة. أما الأمر المهم الآخر في العلاقات التركية -العربية، فيتعلق بتجاوز العلاقة القائمة بين التوازنات الدولية المعايير الإقليمية، وتجنب ما قد يفضي إلى استقطاب متبادل. فقد تتعرض صورة تركيا الإقليمية وتأثيرها للضعف إذا نظر الرأي العام العربـي إليها باعتبارها دولة محورية في حسابات الدول الأخرى وتستند إلى التوازنات العالمية. وكما أن تركيا دولة لم تحقق التكامل مع دول المنطقة بعد، فهي أيضاً دولة تفتقد إلى السلوك المعياري المتميز. وينبغي على الحسابات التكتيكية ذات المدى  القصير ألا تؤدي إلى إفساد صورة تركيا الاستراتيجية الدائمة. فعمق تركيا التاريخي وموروثها داخل المنطقة يتناقضان مع وضع الامتداد الإقليمي لأي قوة أو معسكر عالمي. مثل هذا الوضع، الذي يمكن للوبـي المعادي لتركيا استغلاله في التأثير على الرأي العام العربـي، يحمل الكثير من المخاطر والمشكلات بالنسبة لتأثير تركيا الإقليمي، وليس فقط بالنسبة للعلاقات التركية - العربية.

 

إن القدرة على تجاوز هذه الأنماط من الصور السلبية مرهونة قبل أي شيء بالاستخدام الأمثل لشبكة من الاتصالات الأفقية (العربية)، ولآلية تعمل على تشكيل الرأي العام. وإذا ما كانت هناك رغبة في إحداث تأثير فعال في الشرق الأوسط بعامة، وفي العلاقات التركية - العربية على وجه الخصوص، يتعين على تركيا اتباع سياسة اتصال أفقي، فضلاً عن سياسة التفاعل العمودي في المباحثات الدبلوماسية الرفيعة المستوى.

 

انشر عبر