شريط الأخبار

المفاوضات المباشرة ويوم القدس... وصراع الهويات والحقوق ..د. سعيد الشهابي

12:35 - 08 كانون أول / سبتمبر 2010


المفاوضات المباشرة ويوم القدس... وصراع الهويات والحقوق ..د. سعيد الشهابي

جاءت باكورة 'المفاوضات المباشرة' بين محمود عباس وبنيامين نتنياهو في واشنطن، عشية اليوم العالمي للقدس، الذي احتفى به الملايين من المسلمين وعشاق الحرية في العالم، لتضيف رقما آخر لما يسمى 'مفاوضات التسوية النهائية'.

وقد تباينت المواقف من هذه الجولة التي تضاف الى عشرات اللقاءات السابقة والتي لم تؤد حتى الآن الى حالة السلام التي يحلم بها اي من الفرقاء.

اللقاء المذكور الذي دعا اليه الرئيس الامريكي، باراك اوباما، حضره ايضا الزعيمان العربيان اللذان وقعا اتفاقات 'صلح' مع الكيان الاسرائيلي: الرئيس المصري حسني مبارك والملك الاردني، عبد الله الثاني. وليس معروفا بوضوح مغزى حضور الرجلين: أهو لشد أزر الرئيس الفلسطيني ام لحثه على تقديم المزيد من التنازلات، بالتخلي عن مقولة 'القانون الدولي' التي لن يقبلها الطرف الاسرائيلي لانها ضد مصالحه. المشهد الاحتفالي الذي شهده البيت الابيض ليس جديدا، فقد سبقته مشاهد اخرى، ظهر في اولها جيمي كارتر ومناحيم بيغن وأنور السادات (1979) وفي الثاني: بيل كلينتون واسحاق رابين وياسر عرفات (1993) لتوقيع اتفاقات اوسلو، والثالث: بيل كلينتون ونتنياهو وعرفات (1996) لتسلم معظم مدينة الخليل الذي تعطل كثيرا، بعد ذلك أصيبت عملية السلام بالجمود. وفي عام 1998 وقع عرفات ونتنياهو على اتفاقية واي ريفر لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الضفة الغربية، ولكن نتنياهو جمدها بعد شهرين زاعما ان عرفات لم ينفذ شروطا أمنية. في 5 أيلول/سبتمبر 1999 وقع عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في شرم الشيخ في مصر اتفاقا يفتح الطريق امام مفاوضات حول تسوية سلمية 'نهائية' بين اسرائيل والفلسطينيين. وحدد الاتفاق شهر أيلول/ سبتمبر عام 2000 موعدا لتوقيع معاهدة سلام 'دائمة'.

هذه الاتفاقات جميعا لم تحقق حلم اي من الاطراف المعنية. فلا الامريكيون استطاعوا الادعاء بحل ما اصطلح على تسميته 'قضية الشرق الاوسط' بشكل نهائي، ولا الاسرائيليون حققوا ما يتطلعون اليه من أمن قائم ناجم عن استسلام الطرف الفلسطيني بجملته، ولا الفلسطينيون حققوا تحرر ارضهم من الاحتلال او اقاموا دولتهم ذات السيادة الحقيقية. ولذلك ثلاثة اسباب رئيسية: اولها التقاعس الدولي عن النهوض بمسؤولياته ضد الاحتلال (على غرار ما فعل عندما استنفرت قوى العالم ضد الجيش العراقي في إثر اجتياح الكويت قبل عشرين عاما)، وعجز الامم المتحدة عن تفعيل قراراتها الكثيرة التي صدرت منذ 1948. ثانيها فشل الولايات المتحدة في القيام بدور الوسيط المحايد، بسبب التزامها بمبدأ الحماية الاستراتيجية للكيان الاسرائيلي من جهة، وهيمنة اللوبي الصهيوني على السياسة الخارجية الامريكية خصوصا في ما يتعلق بالشرق الاوسط. ثالثها: العجز العربي القاتل، الذي دفع الحكومات العربية للتخلي عن مشروع التحرير كخيار استراتيجي. وقد سجل التاريخ ان مصر، الدولة العربية الكبرى، كانت الحلقة الاضعف في الموقف العربي، لانها سبقت الجميع لتوقيع اتفاقات كامب ديفيد قبل اكثر من ثلاثين عاما.

هذا الفشل في التوصل لسلام شامل وعادل لقضية فلسطين، ادى، مع مرور الوقت، لحالة استقطاب غير مسبوقة في الصراعات الدولية المتمحورة حول قضايا الاحتلال والتحرر والاستقلال وبناء الدولة الحديثة. هذا الاستقطاب يتمثل بوجود تيارين يزدادان تباعدا في اهدافهما الاستراتيجية وايديولوجيتهما النضالية. وهكذا بدا المشهد العربي الاسلامي نهاية الاسبوع الماضي: ففي الوقت الذي كان فيه الزعماء الخمسة يتبادلون التحية ويتصافحون، كانت جماهير واسعة تطوف شوارع عشرات العواصم والمدن في دول العالم من نيوزيلاندا وماليزيا في الشرق الى واشنطن ونيويورك في الغرب، مطالبة بتحرير القدس.

هذا برغم الغاء بعض المسيرات بسبب المنع الحكومي، كما حدث في البحرين. هذا التباين بين الموقفين الرسمي والشعبي، يعكس حالة اضطراب سياسي وايديولوجي في العالم الاسلامي، ادى الى ما يشهده العالم من توترات امنية واستقطابات سياسية وايديولوجية بأبعاد دولية. ويمكن القول ان قضية فلسطين تمثل الثقل الاكبر في ذلك الاستقطاب. والتحليل المنطقي للعلاقات بين العالمين الاسلامي والغربي، يكشف بوضوح ان الموقف الغربي من الاحتلال الاسرائيلي يمثل نقطة الاختلاف الجوهرية بينهما. وحيث ان الولايات المتحدة تمثل الداعم الاكبر للكيان الاسرائيلي، بشكل معلن فقد اصبحت تمثل في اللاوعي العربي والاسلامي، واحدا من اهم اسباب المشكلة واستمرار الاحتلال. فالتزام الادارات الامريكية المتعاقبة بالدفاع الاستراتيجي عن كيان محتل لن يؤدي الى سلام دائم مهما كانت محاولات واشنطن. ويعبر عن تلك الشراكة الامنية الاستراتيجية تصريحات الرؤساء الامريكيين بدون استثناء، ومن بينهم الرئيس الحالي. ففي لقائه مع نتنياهو في شهر تموز/ يوليو الماضي قال اوباما: 'ينبغي أن تستطيع إسرائيل الرد على التهديدات المتكاملة المنبعثة من المنطقة. ولهذا السبب دأبنا على صوْن التزاماتنا بحماية أمن إسرائيل. إن الولايات المتحدة لن تطالب إسرائيل أبداً باتخاذ إجراءات من شأنها المساس بمصالحها الأمنية.' وحيث ان وجود كيان فلسطيني كامل السيادة يعتبره الاسرائيليون مصدر تهديد لامنهم، فلن تقوم للفلسطينيين دولة حقيقية في ظل الاحتلال، وقد يسمح لهم باقامة كيان شكلي بلا سيادة، وقد تتحول السلطة الفلسطينية الى حكومة لدولة محاصرة من جميع الجهات بعدو لا يرحم.

الالتزام الامريكي بحماية امن الكيان الاسرائيلي سياسة لن تتغير الا اذا وعى الامريكيون بشكل عملي ما يمثله ذلك الالتزام من خطر استراتيجي على مصالحهم في العالم. هذا الوعي ما يزال غائبا، او مغيبا بفعل القوى الصهيونية الضاغطة في واشنطن. فكيف يمكن للفلسطيني او العربي او المسلم ان يقرأ التأكيدات الامريكية بحماية أمن كيان غاصب، الا انه عدوان على الامتين العربية والاسلامية؟ وهذا ما كررته وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون عشية الاحتفالات بالذكرى الـ 62 لإعلان قيام الكيان الاسرائيلي في شهر نيسان/ ابريل الماضي حين قالت ان دعم الولايات المتحدة للدولة العبرية 'لن يضعف'. فقد اطلقت تصريحها الذي اثار الملايين من البشر قائلة: 'لدي التزام شخصي عميق تجاه إسرائيل. وكذلك الرئيس أوباما. امتنا لن تضعف ابدا في عزمها على حماية امن إسرائيل وتعزيز مستقبل إسرائيل'. واعتبرت كلينتون ان ذكرى قيام الدولة العبرية تمثل 'فرصة للاحتفال بكل ما حققته إسرائيل ولاعادة التأكيد على الروابط التي توحد امتينا، الا وهي شراكتنا الاستراتيجية والقيم التي نتشاطرها وتطلعاتنا المشتركة'. هذه الاستراتيجية هي مصدر الكراهية في العالمين العربي والاسلامي للولايات المتحدة، وهي التي شجعت نزعة التطرف والارهاب الموجه ضد مصالحها. ويمكن القول ان بامكان امريكا حماية مصالحها في المنطقة بتغيير تلك السياسة التي تعبر عن اصرار واشنطن على قمع الحقوق الفلسطينية وكسر ارادة العرب والمسلمين وهدر كرامتهم. فـ 'اسرائيل' كانت وما تزال نظاما عنصريا محتلا، هذه حقائق لا يستطيع احد القفز عليها، وليس من الواقعية في شيء محاولة تجاوزها بجرة قلم، خصوصا مع استمرار السياسات الاسرائيلية التي تؤكدها بشكل يومي. ان 'اسرائيل' هي التي تعتدي على الآخرين، بالاغتيالات التي لم تتوقف منذ تفجير فندق الملك داود في القدس في 1946 على ايدي ارهابيي مجموعة الهاغانا بزعامة مناحيم بيغن، حتى اغتيال محمود المبحوح في دبي قبل بضعة شهور. وهي التي تشن الحروب، الواحدة بعد الاخرى، ضد الدول المجاورة وضد حزب الله وحماس. وهي التي اعتدت على المفاعل النووي العراقي في 1981، وتهدد بشكل متواصل بقصف ايران واستهداف منشآتها النووية. هذا الكيان الغاصب يتحدى الارادة الدولية ويواصل بناء المستوطنات برغم طلب واشنطن تجميدها.

من هنا اصبحت الدعوات المناوئة للسياسات الاسرائيلية تحظى باهتمام وقبول على الصعيد الدولي، خصوصا ما هو واضح من توجهاتها العنصرية. وبرغم الضغط الامريكي والاسرائيلي على الامم المتحدة الذي ادى الى التخلي عن مساواة الصهيونية بالعنصرية فان سياسات تل ابيب الحالية تؤكد هذه العنصرية. ولذلك تحظى خطابات الرئيس الايراني، احمدي نجاد، بقبول في اوساط واسعة بسبب صراحتها وقوة طرحها، برغم جنوح الكثيرين للتخلي عن اللغة التي تثير الصهاينة وحلفاءهم. فمثلا عندما يصر نتنياهو على مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بـ 'اسرائيل' وطنا قوميا لليهود، في مقابل اعترافه بدولة فلسطينية محاصرة من جميع الجهات وناقصة السيادة، فانه يؤكد البعد العنصري لهذا الكيان الذي تحميه واشنطن. وقد ادرك الرئيس الايراني البعد السياسي والايديولوجي للاطروحة الاسرائيلية، وقال في خطابه الاسبوع الماضي امام آلاف المحتشدين لاداء صلاة الجمعة الاخيرة من رمضان الذي أسماه الامام الخميني 'اليوم العالمي للقدس': 'ان الكيان الصهيوني رمز للعنصرية وان اوسع تدمير ثقافي وفساد اخلاقي كان على يد الصهاينة'. ولذلك ايضا اعتبر بعض الكتاب العرب ان المفاوضات المباشرة في واشنطن ليست سوى محاولة اخرى لتصفية القضية الفلسطينية. وكتب طلال سلمان، رئيس تحرير جريدة 'السفير' اللبنانية مقالا بعنوان: 'تشييع فلسطين في حديقة الورود.. على ماذا يشهد الضيفان العربيان' ويقصد بهما الرئيس مبارك والملك عبد الله الثاني. هذه المفاوضات التي رفضتها قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني لن تختلف عما سبقها من مفاوضات، طالما بقي الجانب الاسرائيلي مصرا على سياساته في التوسع وتحدي الارادة الدولية وتهديد المنطقة بالحروب والاغتيالات، وطالما بقي الجانب الامريكي منحازا بالكامل للمحتلين، ورافضا ممارسة اي ضغط لتنفيذ القرارات الدولية.

وقد أثبت الرئيس اوباما انه اضعف كثيرا من المسؤولية، وغير قادر على احداث تغيير جوهري في اهم السياسات الامريكية على الصعيد الخارجي. ما يزال اوباما غير مستوعب للحقيقة التي تربط بين السياسة الامريكية الداعمة بدون حدود للكيان الاسرائيلي، وانظمة القمع والاستبداد من جهة، وتصاعد النقمة والرفض للولايات المتحدة من جهة اخرى.

هذه الحقيقة تجلت في مسيرات يوم القدس العالمي الواسعة التي عبرت عن عمق مشاعر المسلمين تجاه مدينة القدس ورمزيتها في الوجدان الاسلامي والانساني. وتأتي تلك الجهود الشعبية بهدف ابقاء قضية المدينة المقدسة حاضرة في المشهد السياسي من جهة، وعنوانا لظلامة شعب فلسطين من جهة اخرى.

وبرغم مفاوضات واشنطن، ومهما كانت نتائجها ستظل مدينة القدس العنوان الآخر للقضية، نظرا لاصرار الجانب الاسرائيلي على ابقائها تحت الهيمنة الاسرائيلية واعتبارها عاصمة لكيان الاحتلال، ومطالبة الدول الاخرى بنقل سفاراتهم اليها. وقد عمدت قوات الاحتلال لتغيير هوية المدينة على اصعدة عديدة: أولها عمليات التنقيب تحت الحرم الشريف لاضعاف اساساته مقدمة لتدميره والغاء العلامة التاريخية التي تمثل هوية فلسطين. ثانيها: حفر اكثر من 30 نفقا تحت الحرم القدسي ما تزال السلطات الاسرائيلية تتكتم عليها. ثالثا: ترحيل العائلات الفلسطينية من المدينة بشكل منهجي، بلغ عددها 400 في العام الاخير، رابعها: السيطرة على المزيد من أراضي القدس الشرقية باستغلال ما يسمى ' قانون أملاك الغائب' الذي يعتبر من أخطر القوانين وأكثرها تهديداً لهوية القدس الفلسطينية. خامسها: منع العائلات الفلسطينية من توسيع منازلها داخل المدينة، لتحديد قدرتها على الانجاب والتكاثر، سادسها: محاصرة المدينة ببناء المستوطنات على اطرافها. هذه الاجراءات انما هي خطوات على طريق تهويد القدس الشرقية تمهيدا لضمها بشكل كامل للكيان. وتجدر الاشارة الى ان الصراع الحالي يتركز حول القدس الشرقية التي احتلت في 1967.

اما القدس الغربية التي احتلت في 1948 فهي خارجة عن النقاش، ولا يتطرق احد لمستقبلها، فكأن احتلالها اصبح بمثابة الحقيقة التي لا تتغير. كما تجدر الاشارة الى وجود 'لجنة القدس' التي انبثقت على المؤتمر السادس لوزراء خارجية الدول الاسلامية الذي عقد في جدة في 1975، والمفترض ان تعنى بشؤون القدس ومتابعة القرارات الدولية بشأنها، ولكنها لم تقم بعمل يذكر. من هنا جاء يوم القدس العالمي خطوة تهدف لابقاء قضية المدينة المقدسة رقما صعبا في الفضاء السياسي العربي والاسلامي، وللتذكير بضرورة حشد الجهود للدفاع عنها ومنع تدمير هويتها الثقافية والدينية والتاريخية. فهي مدينة مقدسة للاديان جميعا، ويجب ان لا يسمح بضمها للكيان الاسرائيلي. ولذلك فمن الصعب استشراف مستقبلها خصوصا مع استمرار المفاوضات غير المجدية بين الاسرائيليين والسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وهي مفاوضات غير مرشحة للنجاح في ظل الصلف الاسرائيلي وغياب الدور الامريكي المحايد، واصرار حكومة 'حماس' في غزة على رفض اية مفاوضات مباشرة مع قوات الاحتلال. أيا كان الامر فمدينة القدس تحظى باهمية خاصة في النفوس، ومستقبلها الغامض في ظل الاجراءات الاسرائيلية التدميرية يزيد الجرح ايلاما.

والامل ان تؤدي الفعاليات التي تجري باسم القدس الى وعي شعبي وسياسي واسع يردع المحتلين عن المساس بقداستها وهويتها، لانها عنوان للتقارب الانساني بعيدا عن الاطماع السياسية.

 

' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

 

انشر عبر