شريط الأخبار

الحياة مفاوضات ..د. محمد إبراهيم المدهون

12:32 - 08 تموز / سبتمبر 2010

الحياة مفاوضات ..د. محمد إبراهيم المدهون

الفلسطينيون غادرهم بوش خالي الوِفاض بعد أن وعد بإقامة دولة فلسطينية قبل نهاية ولايته وذلك ليتسنى له تدمير العراق كما اعترف بلير مؤخراً.

اليوم تكاد خِطابات وتصريحات إدارة أوباما، ومعهم المجموعة الدولية بأسرها، لا تخلو من مُـصطلح "حل الدولتين"، بل إن التعبير السياسي هذا، أصبح لازمة يُـفترض بها أن تسعد حال الفلسطينيين البائسة. وفي هذا السياق, لم يتردد بايدن من الوُقوف أمام لجنة شؤون العلاقات الأمريكية الإسرائيلية (ايباك)، والقول "على إسرائيل العمل باتِّـجاه تحقيق الحلّ القائم على أساس حل الدولتين". بينما كان لسيغمان وجهة نظر أخرى حين قال "قد نُظر على نطاق واسع إلى استسلام الرئيس أوباما لنتنياهو في مسألة تجميد الاستيطان على أنه انهيار الأمل الأخير للحل القائم على أساس حل الدولتين". ولعل إعلان الرئيس عباس – منظر الاعتدال الفلسطيني – أنه لن يخوض الانتخابات القادمة نذير بوأد خيار التفاوض اللانهائي, يؤكد ذلك عريقات مؤخراً من إمكانية اعتماد خيار "دولة ثنائية القومية" بديلاً عن "حل الدولتين" في إعلان صارخ لسقوط وهم "الحياة مفاوضات وعملية سلام". المظلة العربية الأخيرة لتفاوض غير مباشر ومن ثم مباشر مع الاحتلال شبكة أمان لعباس ونفخ مؤقت للروح في جسد ميت (مسيرة التسوية) من أجل تمرير صفقات من العيار الثقيل ومنحاً لعباس فرصة إضافية لمواصلة خياره المندثر.

لم يكن دقيقا أن إدارة أوباما الجديدة "تتحدث الآن بلغة جديدة وخطاب جديد"، فلغتها هي نفسها لغة "رؤية حل الدولتين"، وخطابها هو خطاب "خارطة طريق بوش"، وخطة أوباما المرتقبة هي ذاتها خطة سلفه بوش، لا بل إن مسئولي هذه الإدارة الجديدة يؤكدون أن خطة أوباما ما هي إلا "مسار جديد" (عربي جماعي) يحاول الوفاء بوعود الخطة القديمة بدل المسار الثنائي الفلسطيني الإسرائيلي القديم الذي فشل في تحقيقها. اعتقد بوش بان الطريق الفلسطيني (حل الدولتين المشوه) كان قد أصبح ممهدا بعد جريمة تسميم عرفات لتصفية القضية قبل أن يكتشف مطلع عام 2006 ب"عقبة" فلسطينية جديدة تحول دونها تتمثل في المقاومة المنتصرة في الانتخابات التي تقودها حركة حماس والتي بدأ بوش شراكة أميركية –إسرائيلية جديدة ل"إزالتها" فنجح في محاصرتها داخل قطاع غزة لكنه لم يفرح ب"تتويج" نهاية ولايته الثانية بنهاية عسكرية لها تمهد الطريق لخلفه لكي يواصل مسيرة أقواله وأفعاله نفسها.

تقاطع المصالح الإسرائيلية الأميركية لم يعد يخف حقيقة أن الإدارات الأميركية المتعاقبة إنما تتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي وفق رؤية أميركية إقليمية خالصة تتعاطى مع هذا الصراع سلبا أو إيجابا بقدر ما يخدم ذلك إستراتيجيتها الإقليمية، وفي الوقت الراهن يخدم حروبها في العراق وأفغانستان وباكستان واليمن. ويأتي قرار إعادة التفاوض بمظلة عربية من أجل عيون أمريكية وحتى تستثمر الإدارة الأمريكية ذلك في التغطية والاستعداد لملفات من العيار الثقيل في سيناريو مكرر كما أعترف بذلك بلير.

للتذكير والإحاطة يمكن القول أن "الخطط" الأميركية لحل هذا الصراع تستند إلى المرتكزات التالية:

1. ترتيب الأوضاع في الوطن العربي ومحيطه الشرق أوسطي لخدمة الإستراتيجية الأميركية الإقليمية.

2. انتزاع اعتراف عربي وفلسطيني بدولة المشروع الصهيوني في فلسطين.

3. فرض دولة المشروع الصهيوني في فلسطين كجزء لا يتجزأ من أي نظام إقليمي.

4. المقاربة الأمنية عمادها ضمان أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي.

5. الحلول تتم خارج إطار الأمم المتحدة وشرعيتها وقراراتها الخاصة بالصراع.

6. اعتماد عام 1967 لا عام النكبة في سنة 1948 كسنة الأساس لبدء الصراع.

7. حصر أي وساطة دولية لحل الصراع بالوساطة الأميركية.

8. التوصل إلى حلول عبر مفاوضات "ثنائية" فقط.

9. إبقاء الأراضي العربية المحتلة عام 1967 رهينة لدى دولة الاحتلال لمبادلتها بمعاهدات صلح ثنائية

وبذلك تحولت الأراضي الفلسطينية المحتلة التي يتم التفاوض عليها رويداً رويداً إلى أداة ضغط تفاوضية بيد الاحتلال أو إلى حقائق مادية على الأرض عبر التهويد المتواصل للقدس والخليل وبيت لحم وسواها ويطلب حاليا من المفاوض الفلسطيني الاعتراف بالأمر الواقع تمهيدا لضمها إلى دولة الاحتلال أو وفي أحسن الأحوال مبادلة الاستراتيجي منها بأرض تساويها في المساحة لا توجد أي قيمة إستراتيجية لها، وما زال هذا الطريق الأميركي مفتوحا إلى ما لا نهاية.

أمريكا تسير في اتجاه لا يحقق قيام دولة فلسطينية حقيقية, فهي تعزز عدم اللقاء بين سلطة رام الله وحماس في حين تضغط لفتح باب التفاوض مع الاحتلال من خلال مظلة عربية. آن الأوان لوقف الدوران العربي في هذه الحلقة الأميركية المفرغة، لكن للأسف من اختارت الإدارة الأميركية بصورة انتقائية أن "تعترف" بشرعيتهم كمفاوض يمثل الشعب الفلسطيني ما زالوا يوفرون قميص عثمان فلسطيني للعجز العربي عن الخروج من هذه الدوامة، وما زال المفاوض الفلسطيني يقيد نفسه طوعا وخلافا لكل منطق وحكمة بالمزيد من السلاسل التي تجعل انفكاكه عن القطار الأميركي الذي بالكاد يجرجر عجلاته على سكة هذا الطريق الذي لا محطة نهائية له، ليسوغ تراجعاته المتكررة بعجزه عن مقاومة الضغوط الدولية التي تحاصره بحيث لا تترك له أي خيار آخر غير التراجع وبالعجز العربي الذي يطيل أمده بتوفير الغطاء الفلسطيني له، غير أن المفاوض الفلسطيني لا يريد أن يعترف بأن "عجزه" عن مقاومة هذه الضغوط جميعها ناجم أصلا عن عامل ذاتي لا خارجي، لأنه عندما اختار أن يرتهن نفسه لخيار "التفاوض فقط" واختار أن يرتهن نفسه لل"الوسيط الأميركي فقط"، ثم اختار أن يعفي الدول العربية الشقيقة من أي مسؤوليات قومية تجاه القضية الفلسطينية بفرض خياراته و"اتفاقياته الموقعة" عليها كأمر واقع لا بديل أمامها غير التعاطي معها سوى الدخول في مواجهة مع أصحابها من الفلسطينيين، لتسوغ بدورها عجزها ب"قميص عثمان" الفلسطيني هذا فتكرر القول إنها لا يمكن أن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟! إن المفاوض الفلسطيني عندما "اختار" ذلك إنما كان يحكم على نفسه بالعجز ويتخلى طوعا عن أوراق قوة له، وهنا مكمن السر في تحول التراجع إلى نمط سلوك سياسي لأنه لم يترك للمفاوض أي خيارات أخرى يتراجع إليها سوى التراجع نفسه، وهو نمط جعل هذا المفاوض يفقد صدقيته لدى شعبه ولدى دولة الاحتلال وحليفها الأميركي على حد سواء.

من الواضح أنه لا نتانياهو ولا أيّ من "السلاميّين" الصهاينة يمكنه دعم دولة فلسطينية مستقلة حقاً إلى جانب إسرائيل. معنى ذلك أنه حتى من وجهة نظر صهيونية معتدلة لا يمكن للدولة الفلسطينية المقترحة أن تكون إلاّ محمية أو بانتوستان يرعاها "الجيل الفلسطيني الجديد" الذي يُوهم دايتون نفسه أنه يرعى تنشئته في الضفة الغربية من أجل استمراء التنسيق الأمني إلى مستوى ملاحقة "المبحوح" واغتياله في براءة اغتيال موسادية متجددة, وإلى مستوى الوعد من عباس بمنع إنتفاضة ثالثة قادمة في الطريق سيكون عباس نفسه أول ضحاياها خاصة بعد انكشاف بعض المستور على يد شبانة. وفي هذه الأثناء، تقول الرؤية غير المعلنة للنخبة الإسرائيلية الحالية (ليس فقط نتنياهو) بطرد الفلسطينيين؛ وربما "جولة" أخرى تقوم بها إسرائيل في غزة أكثر وحشية من سابقتها، ليست سوى مسألة وقت. مثل هذه الجريمة قد يوفرها ذريعة إسرائيلية "هجوم إرهابي ضخم", أو تكون جزء من ملف كبير لضرب منظومة الممانعة في المنطقة. لذلك ومنذ عام 2000 قال أنتوني كوردسمان، خبير أميركي مقرّب من المؤسسة الإسرائيلية، أنه بالرغم من لاأخلاقية الأمر فعلى القيادة الفلسطينية قبول الحد الأدنى الذي تعرضه إسرائيل، وإلاّ... وليفني التي لم يعرف عنهما الأصولية الدينية تقول: "أنا أؤمن بحق اليهود في كامل الأرض، ولا أزال أحمل نفس الشعور منذ كنت طفلة، وبإمكاني أفهم المستوطنين انطلاقًا من فهمي لشعورهم".

قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت اتفاقات أوسلو كانت على علم بهذا الموقف الإسرائيلي، وفي أفضل الأحوال يمكن القول إنها حاولت خداع نفسها ومؤيديها. للأسف المنظمة وضعت كل بيضها السياسي في السلة الأميركية لترتهن لواشنطن كوسيط وحيد أوحد في عملية سلام ممتدة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بينما تشير كل الدلائل إلى أن الإدارة الأمريكية تسير على نهج الإدارات السابقة المتعاقبة من الناحية الإستراتيجية ولا تختلف عنها إلا في مقاربتها المخملية سعيا وراء الأهداف نفسها. ومنذ اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية سياسة العمل التفاوضي دون أن يعززه عمل مسلح حقيقي من أجل فرض وقائع جديدة في الصراع تجبر العدو الصهيوني على إعادة التقييم الفعلي لمشروعه على الأرض الفلسطينية، فلم تحقق تلك السياسة إلا نكسات متعددة ومتتالية استثمرها المشروع الصهيوني لخدمة برامجه الاحتلالية سواء من تكريس وجوده وتمدده السرطاني على أرض فلسطين التاريخية. فخيار المرحلية والذي لخص بإقامة دولة فلسطينية على أي جزء محرر من أراضي فلسطين، هذا الخيار الذي قاد إلى التلاعب في مضمون وتفسير “الجزء المحرر من الأرض الفلسطينية“، والمفهوم الطبيعي لجزء محرر هو الجزء الذي يتركه العدو ضمن اتفاقية إجبارية وبدون شروط وليس نهاية للصراع تماماً كما حدث في غزة المحررة، إلا أن قيادة منظمة التحرير ومن تهافتها على قضية الاعتراف أولا ً بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني جعل منها لقمة سائغة لمضغها وتشكيلها وتشكيل سياستها كما يريد المنظور الدولي مع الافتقار لأي ميكانزم مؤثر يمكن أن يسجل ايجابيات حقيقية في مسيرة حركة التحرر الوطني الفلسطينية.

إن خيار حل الدولتين الذي تعتمد عليه مسيرة التصفية خيارٌ وُلد ميتًا، فإن نظرة متفحصة لواقع الضفة الغربية تكفي للوصول إلى هذا الاعتقاد، ولكن يبقى أن نضيف أن المشروع الصهيوني يعاني من عدد من التحديات والأزمات - بشهادة الباحثين الصهاينة - التي توفر لمن يقف في مواجهته مجموعة من الفرص يمكن أن تؤثر في معادلة الصراع، إن جرى توظيفها بشكل منهجي ومدروس، غير أن مجموعة الأزمات وحالات الضعف والتفكك والتخلف والصراع الداخلي الذي تشهده الساحات الفلسطينية والعربية والإسلامية، تجعل من ذلك أمرًا في غاية الصعوبة

ولذا فالأولوية هو الدفع باتجاه أن يعيد الفلسطينيون ترتيب بيتهم الداخلي وأولويات مشروعهم الوطني، قبل "الاستمتاع أو الاستماع" إلى أي حديث عن مشاريع لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.ومشروع تحرير فلسطين مرتبط بمشروع نهضوي للأمة يعيد لها الثقة بنفسها، ويستنهض فيها عوامل القوة والعزة والكرامة، ويجيد الاستفادة من إمكاناتها البشرية والمادية الهائلة.

قد يتوهم الاحتلال أن المراهنة على عامل الزمن قد يكون أمرًا مغريًّا على المدى القريب، بسبب الخلل الهائل في موازين القوى، ولكنها مراهنة تحمل مخاطر كبيرة على المدى البعيد. وهو ما حمل عددًا من الباحثين الإسرائيليين على الحديث عن انعدام آفاق استمرار الكيان الصهيوني.

كاتب فلسطيني

 

انشر عبر