شريط الأخبار

عودة فلسطينية إلى وهم «اتفاق المبادئ» ..بلال الحسن

09:29 - 05 تشرين أول / سبتمبر 2010

عودة فلسطينية إلى وهم «اتفاق المبادئ» ..بلال الحسن

لا نبالغ إذا قلنا إن المفاوضات المباشرة التي بدأت في واشنطن (2/9/2010) بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبرعاية أميركية، ومشاركة عربية (مصر والأردن)، هي أفشل مفاوضات تجري في مطلع القرن الحادي والعشرين. فكل من ذهب إلى واشنطن يعرف أن للمفاوضات أصولها، وأول الأصول أن يكون لهذه المفاوضات مرجعية وهدف، يتم الاستناد إليهما. في هذه المفاوضات لا توجد أية مرجعية، ولا يوجد هدف محدد متفق عليه، بل إن مبدأها الأساسي هو أنها مفاوضات من دون أية شروط مسبقة.

 

في هذه المفاوضات التي لا مرجعية لها ولا يوجد لها هدف محدد متفق عليه، يستطيع كل طرف أن يقول ما يريد، ويستطيع كل طرف أن يتحدث عن المرجعيات التي يريد، ويستطيع كل طرف أن يحدد المطالب التي يريد، ولكن كل هذا لا يعدو أن يكون كلاماً في كلام. نتنياهو يعلن أنه يريد البحث في الأمن أولاً، وعلى ضوء مدى الاتفاق في الأمن يحدد موقفه من موضوع الحدود. ويستطيع الرئيس محمود عباس أن يرفض هذا الموقف الإسرائيلي، وأن يطلب انسحاباً إسرائيلياً إلى حدود 1967، ثم يستمع إلى رفض نتنياهو لهذا المطلب. وبهذا يستطيع كل موقف أن يناقض موقف الطرف الآخر لأنه لا توجد مرجعية تحدد ما إذا كان هذا الطلب منسجماً مع المرجعية المعتمدة أم مخالفاً لها. وبسبب هذا يسود جو من التشاؤم، ويرجح كثيرون أن المفاوضات ستفشل.

 

ولكن المفاوضات قد لا تفشل، لأنه حين تغيب المرجعية، وحين يكون هدف المفاوضات ليس محدداً، فإن توازن القوى بين الأطراف يصبح هو المرجعية التي تفرض نفسها كأمر واقع، وتوازن القوى يتحدد هنا بأمرين: قوة الاحتلال الإسرائيلي، وقوة الوزن الأميركي. الاحتلال الإسرائيلي هو المسيطر، وهو الذي يستطيع بالتالي أن يقول لا ونعم. والوزن الأميركي ينحاز إلى جانب "إسرائيل" بالكامل، ويعطي للحلول التي تقترحها "إسرائيل" قوة الدولة العظمى، التي يتعامل الرئيس عباس معها على أنها قدر لا يمكن رده، ولا بد له من أن يتعامل معه، وإلا سيصبح خارج اللعبة السياسية كلها. ومع أن الرئيس عباس يحاول حتى الآن، وبطريقة يائسة، أن يجعل من القرارات الدولية، ومن خارطة الطريق، ومن بعض الجمل في بيانات اللجنة الدولية الرباعية، مرجعية سياسية له، فإن محاولته هذه لا تلقى قبولاً من الأطراف الأخرى، وهي بالتالي مجرد رأي شخصي، يستطيع أن يعلنه وأن يكرره، ولكنه رأي لا وجود «رسمياً» له على طاولة المفاوضات، حتى إن الاتحاد الأوروبي، وقد أدرك أن كل وزنه الدولي والسياسي والاقتصادي لم يتم الاعتراف به، ففضل أن يقاطع مفاوضات واشنطن، وألا يكون حاضراً مع الحاضرين في حفل الافتتاح. فالاتحاد الأوروبي يريد دوراً سياسياً، بينما ترفض واشنطن وتل أبيب ذلك، ويؤيدانه ممولاً فقط لخطط سياسية يحددها الآخرون. وإذا كان هذا هو حال الاتحاد الأوروبي، فإن وضع من يستند إلى مرجعيته (لحفظ ماء الوجه فقط) هو بالضرورة أسوأ من وضعه.

 

ولنا في تجارب التفاوض العربي - الإسرائيلي خير دليل في توضيح هذا الموقف النقدي من مفاوضات واشنطن؛ ولنبدأ بالمفاوضات المصرية - الإسرائيلية التي أدت إلى اتفاق سلام بينهما، فحتى تلك المفاوضات التي رفضها كثيرون، وأدانها كثيرون، جرت حسب الأصول الدولية للمفاوضات، ف"إسرائيل" لم تكن تسلم بالانسحاب الكامل من سيناء، ورفض السادات أن يذهب إلى المفاوضات إلا بعد أن أعلنت "إسرائيل" موافقتها على مبدأ الانسحاب الكامل. والمثل الثاني نجده في المفاوضات الإسرائيلية - السورية، فسورية تطلب إقراراً إسرائيلياً بالاستعداد للانسحاب الكامل من الجولان المحتل كشرط لبدء المفاوضات، وحين ترفض "إسرائيل" تقديم هذا التعهد تتعطل المفاوضات، كما حدث في واشنطن (مفاوضات 1991 - 1993) بعد مؤتمر مدريد، وكما حدث في المفاوضات غير المباشرة التي أدارتها تركيا مؤخراً.

 

أما في المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية الراهنة، فقد رفض نتنياهو تحديد هدف (الانسحاب الكامل)، وقبل الجانب الفلسطيني أن يذهب حسب هذه الصيغة (من دون شروط مسبقة)، ولذلك نقول إن هذه المفاوضات لن تكون إلا مفاوضات عرجاء، لا تحكمها أية مرجعية، وليس معروفاً لها أي هدف، وهنا يسود الهدف الوحيد المتبقي؛ ألا وهو توازن القوى، والغلبة هنا في توازن القوى هي للمحتل، وهي للراعي الأميركي غير النزيه المنحاز ل"إسرائيل" وعدوانيتها بشكل أعمى.

 

ومرة أخرى نقول، إن المفاوضات على الرغم من كل هذا، قد لا تفشل، وإن الطرف الإسرائيلي سيعرض خطته التي تتناسب مع مصالحه ومع عدوانيته، وإن الطرف الأميركي سيضغط في اتجاه قبولها. وهنا سيتقدم الطرف الفلسطيني المفاوض ليضع بصمته.

 

ماذا يطرح نتنياهو؟

 

إنه يطرح البدء من نقطة الصفر. ونقطة الصفر تعني إنجاز «اتفاق مبادئ»، ثم يتفاوض الطرفان حول اتفاق المبادئ هذا لعشر سنوات قادمة، وقد أعلنت أميركا موافقتها على هذا التوجه (أعلن ذلك جورج ميتشل في مؤتمره الصحافي مساء يوم 2/9/2010)، وكذلك أعلن الرئيس عباس استعداده لقبول حل مؤقت يجري تطويره مع استمرار المفاوضات.

 

بهذا الموقف يتم إلغاء تجربة اتفاق أوسلو من أولها إلى آخرها، فاتفاق أوسلو (1993) كان اتفاق مبادئ، وتفاوض الطرفان حوله 17 عاماً، ثم وصلاً إلى ضرورة صياغة «اتفاق مبادئ» من جديد.

 

كتب الرئيس المصري حسني مبارك مقالاً في جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية («الشرق الأوسط» 1/9/2010)، ودعا إلى نشر قوات دولية في الضفة الغربية كجزء من صيغة الحل. وقد يتحمس البعض لمثل هذا الحل، ولكن السؤال القانوني، والسؤال الدولي، والسؤال العسكري، الذي سيبرز في وجه هذا الاقتراح هو: أين ستتمركز هذه القوات الدولية؟ القانون الدولي يقول إن تمركزها يجب أن يكون عند خط حدود 1967 ليضمن الهدوء بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، أما إذا لم تتمركز هناك فلا جدوى منها، ولكن نتنياهو يرفض هذا الاقتراح، ويرفض أكثر من ذلك؛ يرفض البحث في حدود 1967، ولذلك، فإن هذا «الأمل» العربي سيتلاشى أمام مخطط نتنياهو، وأمام الدعم الأميركي له، ولا يبقى سوى «اتفاق المبادئ»، والتفاوض حول اتفاق المبادئ لعشر سنوات قادمة.

 

يتظاهر كثير من الفلسطينيين ضد هذه المفاوضات التي بدأت في واشنطن، ويتظاهر، حتى، المؤيدون للسلطة الفلسطينية ضدها أيضاً. ويقوم فدائيون فلسطينيون بعمليات فدائية ضد الاحتلال، وفي توقيت واضح الهدف والدلالة. والغريب أن السلطة الفلسطينية تعتبر كل ذلك موجها ضدها وليس ضد الاحتلال، فتنشط أكثر من قوات أمن الاحتلال في مطاردة المقاتلين والبحث عنهم. وبهذا يلتقي الانصياع السياسي مع الانصياع الأمني.. فماذا يبقى لهم؟ ماذا يبقى لهم؟

 

صحيفة الشرق الأوسط

 

انشر عبر