شريط الأخبار

5 دقائق من واشنطن..هآرتس

10:58 - 03 حزيران / سبتمبر 2010

بقلم: ألوف بن

المستوطنات في الضفة الغربية عادت هذا الاسبوع وبقوة الى رأس جدول الاعمال العام، الامني والسياسي. بدأ هذا بمقاطعة الممثلين اليساريين للقصر الثقافي الجديد في ارئيل، والذي اعاد الخط الاخضر الى الجدال السياسي؛ وتواصل في عمليات اطلاق النار الموجهة ضد المستوطنين واعادت الارهاب الى الوعي الاسرائيلي؛ وبلغ حتى قمة واشنطن التي انعقدت في ظل تاريخ نفاد تجميد البناء، في عيد العرش، واطلقت المحادثات المباشرة التي يفترض أن تحسم مصير الاستيطان الاسرائيلي في المناطق.

 بنيامين نتنياهو سافر الى واشنطن في توقع لتخفيف حدة الانشغال العملي بالمستوطنات وابراز رسائل السلام، المصالحة والحل الوسط بدلا منها. وقد أمل في أن يجري النقاش في تجميد البناء، والذي يعرضه الفلسطينيون كشرط للمحادثات، في الغرف المغلقة وليس في المناكفات امام الكاميرات. وقد سعى الى الحفاظ على التراص الداخلي والامتناع عن الخلاف العلني مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. خلاف كهذا، كان سيعرض قمة واشنطن كفشل ويحرج المضيف، الرئيس براك اوباما.

 مقاطعة الممثلين خدمت نتنياهو، الذي ندد بها في بداية جلسة الحكومة يوم الاحد وهدد بسحب الميزانيات من المسارح التي ترفض العرض في ارئيل. رئيس الوزراء اراد الدخول في نزاع مع اليسار كي يثبت مكانه في الوسط والا يبدو فقط كعدو للمستوطنين، جمد البناء والان يسافر الى "حسين" اوباما كي ينبطح امامه ويتنازل عن بلاد اسرائيل الكاملة. في قراره شجب المقاطعة وابرازها اعلاميا، سعى نتنياهو الى أن يري بانه ليس متنازلا لا يكل ولا يمل، نوعا من يوسي بيلين الجديد، بل مفاوض عنيد سيصر على الحفاظ على "الكتل الاستيطانية" كجزء لا يتجزأ من اسرائيل.

نتنياهو اقلع يوم الثلاثاء صباحا، وفي حديث مع المراسلين في الطائرة حاول الاقناع بانه جدي ويمكنه أن يحقق اتفاقا مع الفلسطينيين. وانه جاء الى واشنطن لعقد الصفقات مع عباس وليس لمسابقة جدال ضده. وانه يجدر ترك المستوطنات والبؤر الاستيطانية الان والبحث في مصيرها كجزء من التسوية الدائمة وليس كشرط للمفاوضات. وعندها، وبينما كان لا يزال في الطائرة وقعت العملية في كريات أربع والتي قتل فيها اربعة اسرائيليين – فتغير جدول الاعمال فورا. فقد تبين مرة اخرى بان عملية ارهابية مركزة ومتزامنة يمكنها أن تشوش الخطط الجميلة للزعماء وان تحطم مبادرات دبلوماسية متزامنة بعدة طلقات من بندقية.

العملية وضعت حدا لفترة الهدوء، التي تمتعت بها اسرائيل منذ انتهاء حملة "رصاص مصبوب" في غزة. وبينت ان الارهاب الفلسطيني لم ينتهِ ولم يباد، بل فقط خرج في مهلة، وان حماس يمكنها أن تخرق السور الواقي للجيش الاسرائيلي، المخابرات واجهزة امن السلطة الفلسطينية في الضفة. اوباما، الذي حتى الان تمتع بدبلوماسية عديمة العنف، علق في ذات الضائقة التي اثقلت على مسيرات السلام في عهود اسلافه. وبدا واضحا حرجه في الشجب السريع للعملية، والذي تحدد لساعة بث نشرات الاخبار في اسرائيل. التحدي الذي يقف امامه اكثر تعقيبا من التحدي الذي وقف امامه بيل كلينتون وجورج بوش اللذين كانا حبيبين الاسرائيليين. الجمهور الاسرائيلي يرى في اوباما رئيسا يتزلف للعرب. ويتعين عليه الان أن يقنع بان امريكا بقيادته يمكنها أن تزود اسرائيل بالامن والا تتركها لمصيرها امام الارهابيين من حماس.

الارهاب ضرب مرة اخرى مساء يوم الاربعاء، في مفترق ريمونيم. العملية المزدوجة ذكرت بسفريات ارئيل شارون الى خارج البلاد في عهد الانتفاضة الثانية، والتي تعرقلت غير مرة وقطعت بسبب كثرة العمليات في الداخل. نتنياهو علق في مشكلة. في خطابه في البيت الابيض، قبل وليمة الافطار التي عقدها اوباما على شرف ضيوفه من الشرق الاوسط، اعلن نتنياهو: "لن اسمح للارهابيين بسد طريقنا للسلام".

يا لها  من  مفارقة تاريخية: نتنياهو تحدث مثل اسحق رابين الذي اراد ان يواصل المسيرة السلمية وكأنه لا يوجد ارهاب وان يقاتل الارهاب وكأنه لا توجد مسيرة سلمية. يمكن فقط أن نتخيل كيف كان نتنياهو، كرئيس للمعارضة، يمزق إربا كل رئيس وزراء آخر كان سيعلن من البيت الابيض عن نيته مواصلة المحادثات السياسية رغم العمليات.

نتنياهو حاول استغلال العمليتين لاقناع محادثيه في واشنطن بان يدعوا الان جانبا تجميد الاستيطان وانه يوجد مبرر للترتيبات الامنية المتشددة التي يطلب فرضها على الدولة الفلسطينية في المستقبل. ولكن المشكلة الصعبة، الفورية لنتنياهو توجد في الميدان وليس في أروقة الدبلوماسية. قيادة المستوطنين استخدمت العمليتين كمبرر "لاستئناف البناء" في اعمال رمزية سارع نتنياهو الى شجبها وكان هناك مستوطنون ردوا بعمليات "شارة ثمن" مثل احراق حقل فلسطيني.

العمليتان في الضفة تبشران باستراتيجية جديدة للفلسطينيين: صراع مركز ضد المستوطنين، بدل الهجوم على الجبهة الداخلية الاسرائيلية مثلما في جولات العنف السابقة. اذا ما واظبوا على ذلك فسيضعون اسرائيل في مشكلة. "العالم" سيرفض دعم خطوات رد اسرائيلية توجه ضد حماس في غزة – مثل استئناف التصفيات من الجو وتشديد الحصار الاقتصادي – بدعوى انها تستهدف تخليد المستوطنات الكريهة. اما نتنياهو فسيحصل على اسناد لحربه ضد الارهاب، فقط اذا ما لان في المفاوضات السياسية. وبالتدريج سينشأ في اسرائيل ايضا جدال داخلي حول مبرر وجود المستوطنات، مثلما في الايام التي سبقت الخروج من غزة. هذا بالضبط هو الوضع الذي درج شارون على تسميته بـ "الحشر"، مسار العجول في طريقها الى الذبح.

مصير المستوطنات يقف في قلب المسيرة السياسية التي يدفعها نتنياهو الى الامام. كل المسائل الاخرى، مع كل اهميتها الرمزية، ثانوية: فالمفاوضات ترمي الى ترسيم الحدود بين اسرائيل والفلسطينيين، والحدود تتأثر قبل كل شيء بانتشار المستوطنات في الضفة. نتنياهو يفهم ذلك ويتمزق بين المطالب اللازمة بين كل تسوية ممكنة وبين التخوف من أن اخلاء مائة الف مستوطن خلف جدار الفصل اكبر من قدرة الدولة.

لنتنياهو يوجد حل. فهو يقتر على اوباما ان يكون بوسع المستوطنين البقاء في الدولة الفلسطينية. وحسب نهجه، فان نماذج الماضي – الاخلاء التام للمستوطنات وتدميرها – لم تجلب الامن والحقت ظلما وألما بالمستوطنين. يجب التفكير باختراع آخر. جواب اوباما ليس معروفا ولكن من الصعب الافتراض بانه تحمس للفكرة وانه سيحاول الان تسويقها للفلسطينيين.

قبل أن يسافر الى واشنطن، وقف نتنياهو امام اعضاء الليكود وقال لهم انه يأمل بان يكون عباس "شريكا شجاعا مثلما كان السادات شريكا لبيغن". هذا قول بعيد الاثر. أنور السادات كان بالفعل سياسيا عظيما، ولكن زيارته التي شقت الطريق الى القدس لم تأتي لاحتساء القهوة مع مناحيم بيغن. مقابل شجاعته حصل السادات من بيغن على كل سيناء، حتى آخر ذرة رمال. هل هذا ما يقصده نتنياهو؟ ولعله يقصد الصفقة الجانبية التي انطوى عليها السلام مع مصر – وسمح لبيغن ببناء عشرات المستوطنات في الضفة وقصف المفاعل العراقي، في الوقت الذي انتظره فيه المصريون بصبر استعادة اراضيهم؟ وفي التطابق مع الوضع الحالي، يمكن لهذا ان يظهر كانسحاب من ظهر الجبل في الضفة، مقابل ميناء مكثف في الكتل الاستيطانية ومهاجمة ايران، في الوقت الذي ينتظر فيه العالم بتوق شديد اقامة فلسطين.

الاستعارة لا تنتهي هنا. الصفقة التي يعرضها نتنياهو على الفلسطينيين يجملها في صيغة "السيادة مقابل الامن". الفكرة ليست جديدة. فقد سبقت حتى زيارة السادات الى القدس. وقبعت في اساس اقتراح السلام الذي نقله السادات الى غولدا مائير بواسطة هنري كيسنجر عشية حرب يوم الغفران، واصطدم برفض اسرائيل (حسب "سجل خدمة" لرابين عرضت الصيغة في حينه بترتيب معاكس – "الامن مقابل السيادة).

بيغن صارع حتى اللحظة الاخيرة في سبيل بقاء المستوطنات في سيناء، ولم ينكسر الا في قمة كامب ديفيد. فهل نتنياهو يقترح ابقاء المستوطنين في اماكنهم كموقف افتتاحي للمفاوضات ويأمل في المتاجرة باخلاء المستوطنات مقابل الترتيبات الامنية المتشددة التي يطلبها من الفلسطينيين. هكذا سيحاول بالتأكيد تنويم احتجاج المستوطنين حتى اللحظة الاخيرة، والحفاظ على تماسك ائتلافه.

ولكن المشاكل السياسية الداخلية لرئيس الوزراء  لا تزال بعيدة. التخوف الاكبر وبالتأكيد مصدر القلق لنتنياهو، هو الحرب الاهلية التي ستنشأ في الضفة بين المستوطنين والفلسطينيين، فيما يكون الجيش الاسرائيلي والسلطة الفلسطينية عالقين بينهما ويجدان صعوبة في فرض الهدوء. المستوطنون سيطالبون بوقف المسيرة السياسية، الامريكيون سيطالبون بمواصلتها بينما يتذبذب نتنياهو بينهما فيما تتبدد صلاحيته أكثر فأكثر.

انشر عبر