شريط الأخبار

المفاوض الفلسطيني يعود إلى نقطة الصفر!.. بلال الحسن

10:29 - 29 حزيران / أغسطس 2010

المفاوض الفلسطيني يعود إلى نقطة الصفر!.. بلال الحسن

 

القبول الفلسطيني بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ومن دون شروط مسبقة، هو عودة إلى نقطة الصفر في مسيرة التسوية السياسية بين الطرفين. نقطة الصفر هي بالتأكيد اتفاق أوسلو الموقع عام 1993. سبعة عشر عاما من المفاوضات انطلاقا من اتفاق أوسلو، أعادت الأمور إلى نقطة الصفر. الأمر الجديد الوحيد هذه المرة أن المفاوضات علنية وليست سرية، والأميركي الذي كان يراقب مفاوضات أوسلو بعيون من بعيد، يراقب مفاوضات واشنطن هذه المرة بالعدسات المكبرة.

 

ولا يقف التشابه بين «المفاوضتين» بالعودة إلى نقطة الصفر فقط. هناك أمور متشابهة أخرى من المهم الوقوف عندها.

 

أول هذه الأمور المتشابهة، وجود «عصبة» غير معلنة من الأشخاص، تدير المفاوضات من وراء الستار. في مفاوضات أوسلو كان محمود عباس يدير هذه العصبة، وكان أحمد قريع (أبو علاء) هو الذي يسافر سرا ويعود سرا حاملا تقريره عن جلسة المفاوضات الأخيرة. ومع محمود عباس كان يوجد أشخاص آخرون من نوعية ياسر عبد ربه، تتم استشارتهم على طريقة لزوم ما لا يلزم.

 

والأمر نفسه يتكرر الآن، إذ يشرف على المفاوضات محمود عباس نفسه، ويجلس إلى جانبه ياسر عبد ربه نفسه. الفرق الوحيد في هذه اللوحة أن الرجلين لا يسألان نفسيهما: ماذا فعلنا؟ ماذا أنجزنا خلال سبعة عشر عاما؟ ولماذا عدنا إلى نقطة البداية؟ إن الجواب طبعا معروف، ولكن العاجز والمستسلم لا يملك جوابا!

 

عنصر التشابه الثاني، أن المفاوضات تتم باسم منظمة التحرير الفلسطينية. وفي ذلك العهد قبل سبعة عشر عاما، جرى استخدام منظمة التحرير كـ«يافطة»، وكحجاب، وكبرقع حسب لغة هذه الأيام، حتى إن ياسر عرفات خرج من اجتماع للجنة التنفيذية كان منعقدا لمناقشة اتفاق أوسلو (ولم تبت به)، وذهب إلى الاجتماع سرا مع وزير خارجية النرويج، ووقع معه على «وثيقة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود - أي ما سمي برسائل الاعتراف المتبادل»، وعاد إلى الاجتماع من دون أن يعرف أحد ماذا حدث.

 

واليوم يتكرر الأمر نفسه، ويجري التغطي بمنظمة التحرير الفلسطينية لنيل شرعية الذهاب إلى المفاوضات الجديدة، ولكن ما يحصل عليه المفاوض الفلسطيني هو شرعية مزورة، فقد تمت الدعوة إلى اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي لجنة مكونة من 18 شخصا، حضر منهم إلى الاجتماع تسعة أشخاص فقط، ولم يكتمل بذلك النصاب القانوني للانعقاد، مما يعني أن الاجتماع غير شرعي، ورغم ذلك باشر الاجتماع العمل، وجرت المناقشة، وتبين في المناقشة أن الموافقين على المفاوضات هم خمسة أشخاص فقط، وأن المعارضين أربعة هم ممثلو أربع منظمات متحالفة مع فتح ومع محمود عباس.

 

وعلى الرغم من كل هذا صدر بيان يقول إن اللجنة التنفيذية للمنظمة اجتمعت وناقشت ووافقت على الذهاب إلى المفاوضات المباشرة من دون شروط مسبقة. وهكذا يتشابه التزوير، مع اختلاف بسيط، وهو أنه كان تزويرا سريا في المرة السابقة، وهو الآن تزوير علني!

 

عنصر التشابه الثالث، أن اتفاق أوسلو قسم الشعب الفلسطيني في حينه قسمين: مؤيدون لاتفاق أوسلو ومعارضون له. وكانت هذه القسمة خطيرة في حينها، لأن منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد نجحت في توحيد الموقف السياسي الشعبي الفلسطيني (على قاعدة النضال المسلح والميثاق الوطني الفلسطيني)، ولكن.. مع اتفاق أوسلو انهار الموقف الشعبي الموحد، وانقسم الشارع الفلسطيني فريقين، قبل أن يعودا ويتوحدا عندما تبين أن المفاوضات قضية «عبثية».

 

واليوم، ينقسم الشعب الفلسطيني حول مفاوضات واشنطن. مؤيدون هنا ومعارضون هناك، إنما النكهة مختلفة، إذ تقف أقلية إلى جانب المؤيدين، وتقف أغلبية إلى جانب المعارضين. وإذا كان محمود عباس قد نجح في إيجاد غطاء لنفسه، يتمثل في فصائل اليسار الفلسطيني مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية، فقد خسر الآن هذا الغطاء، منذ أن أعلنت الشعبية، ومثلها الديمقراطية، أنها تعارض الذهاب إلى المفاوضات.

 

وأصبح محمود عباس بذلك وحيدا في المواجهة مع حركة فتح الخاصة به في رام الله. وإذا كانت منظمة التحرير قد عرفت بأنها منظمة وحدة الفصائل حول منهج سياسي واحد، فإنها الآن وأمام أنظار الجميع، منظمة مجموعة فتح الخاصة في رام الله!

 

عنصر التشابه الرابع بين مفاوضات أوسلو ومفاوضات واشنطن، أن اتفاق أوسلو كان اتفاقا من نوع غريب. اتفاق على اللاشيء. اتفاق على أن تدخل القيادة الفلسطينية إلى «غزة وأريحا أولا» لتبدأ التفاوض على الذاتي. ولذلك فإن الرئيس حافظ الأسد - رحمه الله - أصاب كبد الحقيقة حين قال: «ما هذا الاتفاق؟!.. إن كل نقطة فيه تحتاج إلى اتفاق جديد!». ولذلك استمر التفاوض والجدل حول اتفاق مبرم إلى سبعة عشر عاما، حتى وصل إلى نقطة الصفر، وإلى البدء بمفاوضات جديدة، وكأن شيئا لم يحدث خلال تلك السنوات الطويلة!

 

كان رجال تلك المرحلة، ومن بينهم الدكتور نبيل شعث، مسؤول التفاوض آنذاك، يقولون إن اتفاق الحكم الذاتي الذي يشكل أساس اتفاق أوسلو يقوم على 90 في المائة من الأرض، وإن المفاوضات مع إسرائيل ستدور حول الـ10 في المائة الباقية، التي تشمل أراضي المستوطنات وأراضي معسكرات الجيش الإسرائيلي، ثم ظهرت الحقيقة المرة، بأن الحكم الذاتي قام على 22 في المائة فقط من أرض الضفة الغربية، وبقيت السيطرة في كل ما تبقى في يد إسرائيل، التي عادت وسيطرت على الضفة الغربية كلها عام 2002 بقيادة شارون!

 

الآن تتكرر القصة نفسها. يقول المفاوض الفلسطيني إنه ذاهب إلى المفاوضات من أجل البحث في إنشاء الدولة الفلسطينية، وخلال عام واحد فقط. ولكن الإسرائيليين يقولون كلاما آخر، يتحدثون عن دولة فلسطينية مؤقتة. والأميركيون أيضا يقولون شيئا آخر، ويبحثون مع إسرائيل صيغة لمواصلة الاستيطان الإسرائيلي (داخل المستوطنات) ترضي الفلسطينيين في الوقت نفسه!.. وأرسلوا خبيرهم دينيس روس «إياه» ليعالج هذه المسألة.

 

وهذه معادلة كيميائية صعبة، ولا يجيد تركيب معادلتها سوى ثلاثة أشخاص: المسؤول الإسرائيلي الذي يفرض شروطه. والمسؤول الأميركي الذي يبادر لدعم تلك الشروط. والمسؤول الفلسطيني المغلوب على أمره، والمدعو دائما للموافقة على ما يتم تخطيطه، فيقف في مكتبه مع مستشاره ياسر عبد ربه، يضرب كفا بكف، ويسأل من دون أن يكون السؤال موجها إلى أحد: ماذا أفعل؟! ماذا بيدي؟! هل أستطيع مواجهة أميركا؟! ثم يأتي الجواب بالرضوخ، وبتزكية من «شرعية» اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حتى لو كانت بنسبة 5 أعضاء من أصل 18 عضوا!

"الشرق الأوسط" 

انشر عبر