شريط الأخبار

سفر امتحان..يديعوت

01:04 - 27 آب / أغسطس 2010

بقلم: سيما كدمون

- لا تكن شكاكا

لا يتحدثون حتى حول نتنياهو عن التفاؤل. فليست هذه هي الكلمة التي تصف مزاج رئيس الحكومة عشية شخوصه الى واشنطن. فالكلمة التي هي اكثر تعبيرا هي: الاستعداد.

        عنده استعداد للتوصل الى تسوية – وشك في ان يكون الجانب الثاني مستعدا وقادرا على التوجه نحو تلك التسوية، كما يصف ذلك أحد مقربيه. ومن المؤكد انه لا يؤمن بان يحدث هذا في غضون سنة، حتى الثاني من ايلول 2011، كما تطلب الادارة الامريكية. فهذا هدف طموح جدا، قال في ذلك نتنياهو هذا الاسبوع في جلسة وزرائنا.

        ومع ذلك كله، يريد حتى الشكاكون حوله، ممن كانوا شكاكين في اوسلو ايضا، يريدون الايمان بان مجرد دخول التفاوض قد يحدث حراكا. واذا كان الفلسطينيون جديين في نواياهم فان كل واحد في النهاية سيهادن في مواقفه. لانهم يرون البيت الابيض في النهاية. والاعشاب الخضراء. والبساط الاحمر. والمراسم. ويريد الجميع في النهاية ان يكونوا جزءا من صاغة التاريخ. ومن اكثر من ابن البروفيسور بن – تسيون نتنياهو اصغاءا لحفيف اجنحة التاريخ. لكن التاريخ في جانب ونتنياهو في جانب آخر. وفي حالته، يبرهن التاريخ خاصة على ان ابن المؤرخ لا يملك ذلك. فلا توجد الشجاعة التي كانت عند بيغن ورابين وشارون، بل ولا اولمرت، للمضي الى اجراءات كبيرة، مع تعريض المكانة السياسية والائتلافية والجماهيرية للخطر. سيأتي نتنياهو في الاسبوع القادم واشنطن معرقلا: فعن يساره باراك وعن يمينه المستوطنون ووزراء اليمين، ومن أمامه وخلفه العالم كله. يجب ان يكون هرقل كي يخرق هذا، وليس نتنياهو هرقل.

        إن اولئك الذين يحثون نتنياهو منذ زمن طويل على بدء تفاوض سياسي يعترفون بأن احتمالات التوصل الى توقيع الاتفاق ليست كبيرة. وهم يرون أن ابو مازن سيبحث عن علة لتفجير المحادثات. لماذا؟ لان الحديث عن حسم تاريخي على قدر يُشك في ان يكون قادرا على قبوله. لم يكن لعرفات أي سبب كي لا يوقع على اقتراح براك، ورفض في اللحظة الاخيرة. واجرى اولمرت ولفني تفاوضا لم ينجم عنه شيء – لا بسبب ان مقترحاتهما لم تكن بعيدة المدى. ان احتمال ان يكون ابو مازن في ضعفه، هو الذي يعلن انهاء الصراع ويوقع على وثيقة انه لم تعد له مطالب من اسرائيل، يكاد يكون صفرا.

        تذكر فؤاد بن اليعيزر هذا الاسبوع كيف ارسله اسحق رابين في تشرين الثاني 1993 للقاء عرفات في تونس. قال فؤاد: أتذكر كيف قال لي عرفات منذ الليلة الاولى: لنا ولكم عدو مشترك لا مصير مشترك فقط. فالعالم العربي كله ضد لنا ولكم.

        يقول فؤاد كان على حق. يوجد الكثير جدا من المشترك بحيث كان من الممكن التوصل الى اتفاقات وتسويات وحدود واضحة مفتوحة. لكن فؤاد ايضا يخاف جولة اخرى للتاريخ: ان يكون عند ابو مازن شجاعة اتخاذ حسم، يعني التسليم لوجود الدولة اليهودية على انها نسيج شرعي في الشرق الاوسط

        2- توجد / لا توجد شروط

        لكن ابو مازن ليس هو السؤال وحده. فنتنياهو هو السؤال. ما مبلغ ارادته في الحقيقة. كان يبدو الى الان انه يلعب لعبة بوكر – خداع: فهو يريد تفاوضا عن أمل ان يقول الجانب الثاني لا. وانتهى هذا الان. يجب على نتنياهو ان يبرهن على ان نياته جدية وصادقة.

        إن حضور الرئيس مبارك والملك عبد الله مع اوباما في الاسبوع القادم لا يُحدث الجو الاحتفالي فقط بل ينشيء التزاما ايضا. إن نتنياهو بمنزلة الحصان الذي لم يؤت به الى البئر فقط بل سيُرغم على الشرب منها ايضا.

        في يوم الاحد في جلسة وزرائنا صعّب سلفان شالوم على رئيس الحكومة قائلا: نحن نعتمد على التصريح الامريكي، عن اقامة تفاوض بلا شروط مسبقة، أما الفلسطينيون فيعتمدون على تصريح الرباعية الذي يقول انه يجب دخول التفاوض على حسب شروط محددة سلفا.

        لا يمكن تجاهل تصريح الرباعية، زعم شالوم. وتحدث كيف وُعدت اسرائيل عشية زيارته الاولى لواشنطن اذ كان وزير الخارجية بأن يجري على مسودة خريطة الطريق 14 تعديلا، بطلب من الامريكيين كي لا يستطيع الفلسطينيون الرفض. فهم شالوم في اللقاء مع الرئيس بوش انه لن يحدث أي تغيير في خريطة الطريق وأن صيغتها النهائية ستكون مشابهة للمسودة.

        بعد بضعة ايام، قال شالوم، قال له طوني بلير الشيء نفسه: لن يكون أي تعديل. هاج شالوم. عندما عاد الى البلاد، سكّن دوف فايسغلاس الوزراء بزعم ان بلير لا يعلم ببساطة، لانه ليس في لب العالمين بالسر. وقال سلفان: لكن النهاية كانت انه لم يُعدل حتى حرف واحد في مسودة خريطة الطريق الاولى، برغم طلبنا.

        قصد شالوم بكلامه تناول نتنياهو تصريح الرباعية على انه شيء غير ملزم وزعم انه لا يمكن تجاهل الرباعية. وطلب ايضا ان يعرف ما هو موقف نتنياهو من السادس والعشرين من ايلول وهو الأجل الذي سينتهي عنده تجميد البناء في يهودا والسامرة.

        صمت سائر وزراء الليكود جميعا. أجاب نتنياهو بأن موقف الحكومة لم يتغير. وسأل سلفان متى ستعقد في ذلك جلسة حكومة، وجلسة مجلس وزاري مصغر، وجلسة الكتلة البرلمانية. وعد نتنياهو بعقد نقاش كهذا لكن ليس من المؤكد ان يكون ذلك قبل الثاني من ايلول. ولن يُبحث هذا الشأن مع بدء المحادثات في واشنطن، قال رئيس الحكومة، سيكون ذلك حفلا مراسميا.

        بيد انه في الثاني من ايلول، كما اعلن متحدث وزارة الخارجية الامريكية، سيثار موضوع تجميد البناء. وتوجد انباء عن ضغوط من قبل الامريكيين غير المعنيين بأن يعرقل الموضوع على المحادثات. وهم من جهة يستعملون الضغط على الفلسطينيين الذين لن يتركوا المحادثات على اية حال، ويضغطون من جهة ثانية على نتنياهو للتوصل الى صيغة لاستمرار التجميد بعد السادس والعشرين من ايلول ايضا.

        نشأ انطباع ان الامريكيين باعوا كل واحد من الجانبين ما يريد سماعه: فلاسرائيل التفاوض بلا شروط، وللفلسطينيين التفاوض على حسب تصريح الرباعية. ادرك الفلسطينيون ان ما ينتظرهم في واشنطن هو صورة مشتركة، وربما يأملون ألا يوسع في السادس والعشرين من ايلول أمر اللواء على تجميد البناء، وفي الليلة نفسها ستنشأ على الارض عشرات وحدات السكن وهم، أي الفلسطينيون، لن يظهروا بعد ذلك في المحادثات. هاكم علة.

        قالت جهة سياسية هذا الاسبوع: لا يوجد فيلم فحواه ان يستمر بيبي على التجميد. حتى تشرين الثاني سيجالس الامريكيون نتنياهو ويباحثونه في أدب في أنه كيف يقيدون البناء في المستوطنات. وبعد انتخابات منتصف الولاية في امريكا فورا سينقضي الصبر ويضعون على المائدة  اقتراحا امريكيا.

        3- لماذا القرار؟

        برغم ذلك كله لا يمكن الاستخفاف في ان هذه اول مرة يمضي فيها ائتلاف الليكود الى تفاوض مع الفلسطينيين. فشارون لم يُجر قط تفاوضا معهم، وفعل اولمرت ذلك اذ لم يكن من الليكود. ان نتنياهو الذي كانت له في ولايته الاولى اتصالات بالفلسطينيين هنا وهناك، كانت بمثابة مضاءلة للاضرار اكثر من كونها محادثات، يخطو خطوة ذات شأن كبير لبدء تفاوض مباشر على اساس دولتين للشعبين – وكل ذلك دون ان يخسر اليمين. ولا يرى حزب "اسرائيل بيتنا" ولا شاس ولا البيت اليهودي ولا حتى بيني بيغن هذا الامر علة للازمة الآن.

        لكن كل شيء مشروط بأمر واحد هو صورة جواز نتنياهو لقضية تجميد البناء. ليس يجب ان تكون عبقريا كي تدرك ان التجميد المطلق لا يمكن ان يستمر، بغير ثمن سياسي باهظ.

        إن حالة باراك ضوء ساطع يهدي نتنياهو: باراك الذي مضى الى كامب ديفيد مع اقتراح على الفلسطينيين لم يسبق له مثيل لكن مع ائتلاف من ثلاثين نائبا. وقد دفع عن العجرفة وعدم الفهم السياسي الثمن كاملا، دون أن يحصل على شيء عوض ذلك.

        يدرك كل واحد انه اذا كانت حكومة نتنياهو تريد البقاء، فانه يُحتاج هنا الى صراط قويم، والى صيغة يستطيع نتنياهو بها ان يفي بوعده بألا يستمر التجميد، وان يبقى مع ائتلافه اليميني ويستطيع الامريكيون ايضا معايشة الامر. يُحتاج في الخلاصة الى صيغة تبقي في الحكومة باراك وبيغن ويشاي ايضا. وتسكّن المستوطنين لكنها لا تثير عليه الجبهة العالمية.

        من العجب الشديد ان مجرد بدء التفاوض لا يثير الفوران. قد يكون مبدأ العنز عاملا هنا ايضا: فما دام يوجد تجميد للبناء، تنحصر المعارضة فيه. انظروا الى مجلس "يشع" الذي بدأ أمس حملة "نبني على كلمتكم قبيل خروج رئيس الحكومة الى واشنطن" – تلك الحملة التي تقتبس فيها وعود الوزراء بوقف تجميد البناء. انهم مشغولون جدا هناك في إماعة التجميد بحيث لا يقاومون الشيء الحقيقي وهو بدء التفاوض مع الفلسطينيين.

        زُعم في هذه الصفحات قبل اشهر ان الحكومة لن تتخذ أي قرار في شأن تجديد البناء. عندما يتلاشى فعل التجميد، لن يتخذ اي قرار آخر. فالامور ستحدث ببساطة: فقد حظيت البلدات القروية والمجالس الاقليمية حيث يستعدون مع أسس البناء، حظيت بالبناء في فترة التجميد ايضا واصبح هناك نحو من 2500 شقة. في مدن ومجالس محلية مثل اريئيل، والفيه منشه، ومعاليه ادوميم واورانيت نحو من 2500 وحدة مع رخص بناء، وفي اللحظة التي يزول فيها أمر التجميد سيسمح لهم بالبناء. أما فيما بقي، في كل سنتيمتر من اراضي يهودا والسامرة التي لا توجد فيها رخص بناء، فانهم يحتاجون اصلا الى موافقة وزير الدفاع، بغير ما صلة بقرار الحكومة.

        يمكن أن نقسم اناس الليكود اليوم الى ثلاثة اقسام: اولئك المستعدين سلفا للمصالحة، واعلنوا في الاسابيع الاخيرة بذلك على رؤوس الاشهاد، مثل دان مريدور وميكي ايتان. تتحدث خطة مريدور عن تجديد البناء في الكتل الاستيطانية التي ستبقى مع اسرائيل في كل تسوية، وعن التجميد في تلك الاماكن.

        والمجموعة الثانية هي الوزراء المتطرفون مثل بوغي يعلون وبيني بيغن اللذين اعلنا معارضتهما الشديدة لاستمرار التجميد، لكنهما برغم بدء التفاوض على اساس الدولتين للشعبين لا يقلبان الطاولة. تحدث وزير كبير هذا الاسبوع عن ان بيغن كما يعلم ينوي ضبط نفسه في هذه المرحلة، واذا قرر اذا حان الوقت ان يغادر فسيفعل ذلك بهدوء. من غير ان يرفع راية التمرد.

        يوجد في هذه المجموعة سلفان شالوم الذي يزعمون في الليكود انه مهما قرر نتنياهو فسيعارضه شالوم في ذلك. زعم شالوم في لقائه طوني بلير هذا الاسبوع، ان طلب تجميد البناء لم يوجه سلفا لاي واحد من رؤساء الحكومة السابقين. بل لم يطلب أبو مازن ذلك من اولمرت، قال، ولم يطلبه عرفات من باراك. وزعم شالوم ان التجميد عائق غير ممكن. يجب قبل دخول التفاوض وان يعرض كل جانب مطالبه وشروطه. لكن لا يمكن الاتيان مع الخلاصة النهائية في البداية.

        ويوجد الوزراء البراغماتيون: اولئك الذين سيقومون وراء مخطط يمكن من بناء سليم في يهودا والسامرة. ينتمي الى هذه المجموعة اكثر وزراء الليكود، الذين تبين لهم انه يجب على الحكومة ان تجد صيغة تُمكن من اقامة التفاوض ومن الحفاظ  على الائتلاف ايضا.

        بل إن افيغدور ليبرمان قال اول أمس في مقابلة صحفية مع يارون ديكل، انه يجب الاستمرار على البناء في الكتل الاستيطانية وان يكون ما يقع خارج الكتل على حسب الزيادة الطبيعية فقط. وبرغم كلام ايلي يشاي الشديد اللهجة في مقاومة استمرار التجميد، نتنياهو على ثقة بأنه سيعلم ترتيب اموره معه ولن تعتزل شاس ما بقيت اسرائيل بيتنا على الاقل.

        وماذا عن حزب العمل؟ حصل وزراؤه على هواء للتنفس، ولا يوجد مثل هذا الهواء الذي يُمكنهم من البقاء في القمم بغير بحث عن التسويغات طوال الوقت. سيدفع العمل التفاوض السياسي لمصلحته فهو الذي جر نتنياهو من أذنه الى مائدة المباحثات وهذا افضل تسويغ لكونه في الحكومة. قال أحد وزراء العمل هذا الاسبوع: اذا تركنا الائتلاف الان فلن يكون لنا ايضا النواب الخمسة ممن لنا الآن. واذا بقينا فربما لا يعيد الامر بناء مكانة باراك لكنه قد يعيد بناء الحزب. يجب منح نتنياهو فرصة. يجب الوقوف من ورائه والاستمرار على دفعه قدما ما تقدم الامر.

انشر عبر