شريط الأخبار

كتب أيمن خالد :كوارث فلسطينية بين أصحاب الثورة والدولة

11:45 - 26 حزيران / أغسطس 2010

كتب أيمن خالد :كوارث فلسطينية بين أصحاب الثورة والدولة

القدس العربي

الجانب المرّ والمؤلم في حياة شعبنا الفلسطيني، أن القضية الفلسطينية انتقلت من قضية يمارس الشعب الفلسطيني دوره فيها بشكل مباشر في مختلف شرائحه، إلى قضية تديرها الفصائل على اختلافها، بمعزل عن أماني وأحلام شعب فلسطين.

الصورة التي نعيشها اليوم أن هناك حكومتين، وهناك شتات فلسطيني في أرض الله الواسعة، ولا فرق بين الفلسطيني العالق في الداخل وبين الحدود العربية، أو العالق بين الحواجز والجدران في الضفة، أو العالق بين بوابة مصر وسجن غزة الصغير. تماما كما هي الدولة، التي ستتقلص تباعا حتى تصبح بحجم حبة الأسبرين، وعند ذلك أيضا لن تكون مشكلتنا مع إسرائيل، بل ستكون مشكلتنا في البحث عن طريقة نستطيع من خلالها أن ننصب العلم فوق حبة الأسبرين هذه، لان منطق الدولة مختلف عن منطق الثورة، فالثوار يُظلهم الكون ويتصافحون ولا حدود لهم، أما منطق الدولة، فقد جربناه في عالمنا العربي في تاريخنا القديم، عندما كانت الدولة بحدود مدينة فقط محاطة بسور، واليوم أيضا نجربه، عندما تصبح الدولة مجرد رجل محاط بمجموعة من الحراس، فالدولة تصبح متحركة، بحسب حركة الزعيم، ويمكن أن تكون في المنفى، أو في أوتيل، فأنت عندما تريد الدولة، فانك ستفعل ما فعله السابقون، فكل الذين أرادوا الدولة في بلاد العرب أوطاني، لم يشاركوا الشعب هذه الدولة، وكل الذين يريدون دولة بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، لن يشاركوا شعبهم هذه الدولة، وأيضا هم لا يعلمون أن شعبهم في الضفة وغزّة والشتات هو عالق بين السماء والطارق، ولن يخطر على بالهم اكتشاف ذلك.

منطق الثوار مختلف عن منطق رجال الدولة فالثوار كانوا يطرقون على ابواب البيوت ويطلبون من الناس رغيف الخبز، ثم في أفضل أحوالهم وبعد المال العربي أصبحوا يطرقون على ابواب البيوت ويطلبون المقاتلين ثم المجاهدين ثم الاستشهاديين بحسب التسلسل الزمني للجغرافيا والتاريخ وبكل الأحوال ظل الشعب يقدم لهم المزيد ولا حدود يمكن أن يحصيها أي فصيل فلسطيني لحدود العطاء الذي قدمه أهل فلسطين في مختلف مواقع الجغرافيا التي هم فيها. وأما منطق الدولة فهو منطق المخابرات والدوائر الحكومية وحفظ النظام وبقية تفاصيل السيناريو المعروف في عالمنا العربي الذي يئن تحت وطأة الفساد - الثابت الوحيد - أكثر من ثبوت هلال رمضان الذي يمكن أن نختلف عليه بالسياسة والجغرافيا معا لكننا لن نختلف على ثبوت الفساد.

في منطق الثورة يأتي إليك الشعب راضياً مرضياً ويعطيك ما تريد، وفي منطق الدولة في كل الدنيا يأتي إليك الشعب ليأخذ منك، وهذه أصعب لحظة في حياة المقاومة، عندما تصبح تفكر بمنطق الدولة، وبأخلاق الدولة، وبسلوك الدولة، ولا تدري كيف ستكون الأمور عقب ذلك والى أين ستتجه. فنحن جردنا الشعب الفلسطيني من المشاركة المباشرة في الثورة خلال السنوات القليلة الماضية، ثم بدأنا بتحويل هذا الشعب إلى (رعايا الدولة) الذين عليهم السمع والطاعة لولي الأمر أو لجهاز المخابرات سيان.. وبمجرد أن أصبحنا نحن الفلسطينيين أصحاب الكلمة الفصل في قضيتنا، لم تبق مشكلتنا في حدود السياسة وأخطاء السياسة، بل فعلنا ما يمكن أن يُحدث تحولات خطيرة في حياة شعبنا الفلسطيني، وبكل بساطة، هذه العائلة التي أخذنا دماء أبنائها وصنعنا أسطورة المقاومة وصولا للاستشهاديين، فقد أصبحنا في نهاية الأمر، نمارس سلوك الأنظمة العربية على شعوبها، وبالتالي قد لا نعلم، أننا نعمل على كسر شوكة الشعب الفلسطيني وهيبته، تماما كما فعلت الأنظمة مع شعوبها، وربما السمة الأبرز، أن منطق الدولة يقوم على قاعدة الولاء للحكام وليس للشعب، فهذه هي ثقافة المنطقة منذ ألف عام، ولا نعرف بعد كيف تكون معادلة الشعب والأجهزة والدولة والحاكم وغيره، فهذه هي فلسطين أكثر القضايا قدسية، ورمز حرية شعوب الكون تتحول إلى قضية حكومة ووزارة ودولة ونشيد وطني، وأيضا حبة قطايف وسدر كنافة يدخل موسوعة غينيتس، وفي نفس اللحظة بالذات، هناك نساء وأطفال يدافعون بأسنانهم عن بقائهم في بيت لهم في القدس، التي هي عنوان مليار ونصف المليار إنسان يمثلون خمس الكون.

الفلسطيني في وطنه، كانت معركته في أي جزء من فلسطين، تعني كل فلسطين وعنوانها فلسطين، وكانت الانتفاضة أو الفصائل، عنوان اجتماع رأي الناس، بينما اليوم يخوض الناس معركتهم فرادى يدافعون عن بيوتهم بأيديهم، وتكبر المأساة، عندما كان الشارع الفلسطيني كله ينتفض ويخرج للدفاع عن بيت لكن دور الساسة مزق قلب فلسطين وأدخل على شعبنا أعباء كبيرة، وأصبح الفلسطيني سجين الواقع المر، الذي يملك مفاتيحه أصحاب الدولة وحفظ النظام وبقية تفاصيل متممات الدولة، ولعل البؤس يكون عنوان اللحظة، خصوصا ونحن نحتفل بحبة قطايف وسدر كنافة.

الفلسطيني في الشتات، اليوم وبعد عزله تماماً عن دوره في المشاركة، بات همه الأول جواز السفر، ففي زمن المقاومة، كانت المقاومة جواز السفر، وفي زمن الدولة، أصبح جواز السفر بمثابة وطن للفلسطيني في الشتات، لأن الفلسطيني في الشتات هو معتقل بلا عمل ولا وظيفة وهو مجرد رقم صغير في عالم الأرقام العربية، وآخر انجازات السلطة، أنها أضافت إلى قائمة الحرمان، آلاف الفلسطينيين من طلبة وغيرهم، محظور عليهم تجديد جوازات السفر التي أعطتهم السلطة ذات يوم، كنوع من العقاب والعذاب، وإعادة اختصار الشعب الفلسطيني، وتحويله إلى رقم، أو كما هو معروف في بعض الدول تحت اسم (البدون)

ولعل القادة من المقاومة على اختلافهم، لا يرون سوى بعض الأسطر في عالم السياسة، ولا يكترثون سوى لبعض الجمل، وبعض العناوين، بينما نحن نخسر وندمر هذا الشعب، ونعمل على تفكيك سر قوته، ولعلنا نتحدث عن المصالحة، وغير ذلك من الكلام، وكل هذا وذاك لا يجدي لأن كل العناوين من غزة إلى الضفة، إلى قادة الشتات، لم تستطع بعد أن تفهم سر قرية فلسطينية انتفضت ذات يوم، لأجل عنوان نجهل أين هو وأين يكون.

 

' كاتب فلسطيني

 

 

انشر عبر