شريط الأخبار

تصفية سياسية هنا، وشن حرب هناك!../ علي جرادات

02:26 - 25 كانون أول / أغسطس 2010


تصفية سياسية هنا، وشن حرب هناك! علي جرادات

لم يعد خافيا أن إدارة أوباما قد "لحست" الاعتدال الظاهري الذي ساد خطابها عشية وغداة فوزها على خط المحافظين الجدد في السياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة تجاه الشرق الأوسط، وبالتحديد تجاه ملف الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، والملف الإيراني، على ما بين الملفين من تشابكات واقعية، نعتقد أنها باتت واضحة، على الأقل في سوريا ولبنان وفلسطين.

 

فعلى صعيد القضية الفلسطينية، أصبح جلياً أن إدارة أوباما انحازت بالكامل إلى شروط مقاربة حكومة نتنياهو- ليبرمان في معالجة الصراع، هذا علماً أن هذه المقاربة هي من أكثر تعبيرات الرؤية الإسرائيلية تطرفاً وفاشية، إلى درجة أن تضطر زعيمة المعارضة الإسرائيلية إلى وصفها بالقول: لا يوجد لدى حكومة نتنياهو أي أفق سياسي. أما على صعيد الملف الإيراني وتشابكاته الإقليمية، سيما في لبنان، فقد عادت إدارة أوباما إلى سياسة قرع طبول الحرب والتلويح بها، ما شكل استدارة كاملة عن ما جاءت به توصيات (انتقادات) لجنة بيكر-هاملتون ضد جنون إدارة المحافظين الجدد وحماقاتها في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، وهي التوصيات (الانتقادات) التي ركب أوباما موجتها، وكانت عاملاً أساسيا من بين عوامل أخرى في فوزه، وواصل غداة تسلمه للسلطة التبشير بها.

 

إذاً، وبصرف النظر عن التمنيات الساذجة، أو الأوهام النابعة من العجز، فإن الوقائع العملية لسياسة إدارة أوباما الشرق أوسطية تبرهن بما لا يقبل مجالاً للشك أن منطقة الشرق الأوسط، وملفاتها الأساسية تقف وجها لوجه أمام ذات المخطط الأمريكي الذي رسمته إدارة المحافظين الجدد بزعامة بوش الإبن، وهو المخطط المرتكز إلى ركيزتين أساسيتين:

 

1: ضمان الهيمنة الأمريكية المطلقة في الشرق الأوسط، ليس فقط عبر تحالفات البيت الأبيض مع دول وقوى إقليمية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، بل أيضا عبر زيادة التواجد العسكري والأمني الأمريكي المباشر، ومن خلال شن الحروب، فضلاً عن زعزعة الاستقرار الداخلي من خلال انتهاج سياسة بدعة "الفوضى الخلاقة" لكل أشكال الفتن والصراعات السياسية والطائفية والمذهبية.

 

2: عدم المساس بصيغة التحالف الإستراتيجي الاستثنائي مع إسرائيل، وإعلاء هذا التحالف على غيره من تحالفات البيت الأبيض في المنطقة، وذلك بهدف ضمان وتعزيز تفوق إسرائيل على ما عداها من دول وقوى المنطقة، وذلك من دون أخْذِ مصالح باقي دول المنطقة بعين الاعتبار، أو مراعاة ولو الحد الأدنى من مستجدات لوحة ميزان القوى الإقليمية.

هاتان هما الركيزتان المحركتان لراهن سياسة إدارة أوباما تجاه ملفات الشرق الأوسط وصراعاته الأساسية، فكيف سيكون الحال إذا ما أضيف لهاتين الركيزتين الأمريكيتين ركائز السياسة الإسرائيلية عموما، والراهنة خصوصاً، الرافضة لأية تسويات سياسية لا تفرض شروطها؟؟!!

 

على ذلك، ومعه، يغدو منطقياً الاستخلاص:

 

1: صحيح أن إدارة أوباما معنية بمعالجة القضية الفلسطينية كجوهر للصراع العربي الإسرائيلي، وكمحور تتشابك معه باقي صراعات المنطقة، ولكنها معالجة متماثلة مع شروط الرؤية الإسرائيلية، بل مع شروط أشد تعبيرات هذه الرؤية تطرفاً وفاشية، أي شروط نتنياهو- ليبرمان، ما يعني أن المطروح أمريكيا هو ليس إيجاد حلٍ أو تسويةٍ للقضية الفلسطينية، بل هو محاولة فرض حل يُصَفيها ويُسْدل الستار عليها، ولو إلى حين، أي ولو عبر صيغة "الدولة ذات الحدود المؤقتة"، التي إن جرى الإقرار بها كصيغة انتقالية، ستكون عملياً وواقعياً الصيغة النهائية، هذا ناهيك عما يطالب به الإسرائيليون مقابلها، (على تصفويتها)، من اشتراطات ومطالب تعجيزية، على رأسها المطالبة بـ: اعتراف فلسطيني رسمي بإسرائيل كـ"دولة لليهود"، وإقرار الفلسطينيين بانتهاء الصراع ومطالبهم.

 

2: صحيح أن إدارة أوباما معنية بالحسم السياسي لملفات العراق وأفغانستان وإيران، إنما بما يخدم هيمنتها المطلقة، ومن دون أدنى مراعاة لمصالح الآخرين أو اعتبار لمستجدات ميزان القوى على الأرض، ما يشي بعدم استبعاد خيار شن المزيد من الحروب وحبك المزيد من الفتن الداخلية، ذلك حتى لا نقول: بما يشي بترجيح خيار الحرب والإعداد له، ذلك من دون نسيان دفْعِ الإسرائيليين للتعجيل في إخراج هذا الخيار من دائرة التلويح إلى دائرة التنفيذ، بصرف النظر عن سؤال متى وأين وكيف؟؟؟

 

إن البندين السابقين في راهن سياسة إدارة أوباما الشرق أوسطية، يشيران بجلاء إلى أن هذه الإدارة، تسعى، وبتخطيط مشترك مع حكومة نتنياهو- ليبرمان، إلى تصفية القضية الفلسطينية، وبما يخدم هذا المسعى ويحسم صراعات أخرى، إلى شن حرب أخرى في المنطقة.

 

قد تبدو هذه القراءة متشائمة أكثر مما يجب، لكن مؤشرات صوابيتها أكثر من أن تحصى، وللتدليل بالجوهري منها نسوق:

 

1: دراماتيكية وفجائية إنثناء إدارة أوباما على ما بشرت به غداة فوزها من اعتدال ظاهري تجاه القضية الفلسطينية، على الأقل تجاه سعار سياسة الاستيطان والحصار والتهويد الإسرائيلية، بل والتماثل الكامل مع المطلب الإسرائيلي باقتصار رعاية ما يسمى بعملية السلام على الطرف الأمريكي، وتحويل مشاركة باقي أطراف الرباعية إلى مشاركة شكلية، وتجويف دورهم كما لو كانوا مجرد شهود زور، هذا ناهيك عن القبول الأمريكي بمطلب نتنياهو في مفاوضات مباشرة من دون مرجعيات أو أسس، اللهم مرجعية طاولة المفاوضات وميزان القوى الجائر.

 

2: دراماتيكية وفجائية انتقال إدارة أوباما إلى عدم الاكتفاء بشرط السكوت عما يُرتكب بحق الفلسطينيين من جرائم وفظاعات، كشرط لدعم دول إقليمية حليفة نافذة، حتى لو كانت بوزن تركيا، بل وإضافة شرط سكوتها على أية جرائم إسرائيلية تُرتكب بحق هذه الدول نفسها. وفي هذا تطوير لغلواء صيغة المحافظين الجدد: مَن ليس معي فهو ضدي، ونقلها إلى صيغة: مَن ليس معي ومع حليفي الإسرائيلي الاستثنائي فهو ضدي.

 

3: دراماتيكية وفجائية تحويل الاتهام في قضية اغتيال الحريري من سوريا إلى حزب الله، حتى ولو بصيغة قرار ظني، بل وعدم الاعتراض على الدور السياسي السوري في لبنان، إنما عبر التنسيق مع الدور السعودي، ما يشي بمحاولة أمريكية جادة لفك علاقة سوريا بإيران، أو تحييدها على الأقل، وذلك عبر مساومة، ربما يكون فحواها: أن لا تكون جزءا من الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي فيما قد يقع من حرب في المنطقة، فضلا عن أخذ دورها بعين الاعتبار في العراق، وأيضا بالتنسيق مع السعودية، وذلك عبر اللعب على وتر التعارض القائم بين الموقفين الإيراني والسوري تجاه الملف العراقي، خاصة بعد انسحاب ما يسمى بالقوات الأمريكية المقاتلة من العراق، (وكَأنّ ما تبقى منها قليل وغير مقاتل)، وانفتاح باب التنافس الإقليمي على كيفية صياغة المشهد العراقي والنفوذ فيه.

 

خلاصة القول: إن راهن سياسة إدارة أوباما الشرق أوسطية، ناهيك عن سياسة حكومة نتنياهو- ليبرمان، تدفع صوب تصفية سياسية هنا في فلسطين، وصوب شن المزيد من الحروب في منطقة في الشرق الأوسط، على ما بين التصفية والحروب من ترابط، وأظن، وليس كل الظن إثم، أن ثالوث نتنياهو- ليبرمان- باراك، يسعى لحصر راهن مسرح حربهم على لبنان. 

انشر عبر