شريط الأخبار

وهم على الطرقات- هآرتس

01:09 - 23 تموز / أغسطس 2010

وهم على الطرقات- هآرتس

بقلم: عميره هاس

(المضمون: تعالوا على الاقل نعترف بأن الطرق الجديدة والمتجددة التي تبنيها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لا تتحدى الخطة الاسرائيلية، بل تنخرط فيها بالذات وتعزز منطقها الداخلي - المصدر).

        في السفر على المرتفع أتذكر دائما تقريبا ابو مازن بالذات. أو للدقة، جملتين في خطابه قبل سنة في المؤتمر السادس لفتح. فهو لم يعرف بأن خطابه ينقل بالبث الحي والمباشر على التلفزيون – والى أن عرف ذلك تحدث بطبيعية صريحة، كما يتحدث المرء في اجتماع حزبي مغلق.

        رئيس فتح، السلطة الفلسطينية وم.ت.ف أثنى على انجازات السلطة، فقد تحدث بفخار رئيس مجلس محلي عن فرض قانون السير الذي يلزم السواقين بالتحزم بحزام الامان، وقال، اذا لم تخني ذاكرتي، لم يعد السواقون يبصقون من النافذة. عندها مال عليه أحد ما وهمس في اذنه بأنه على البث المباشر (وقال أبو مازن لمكبر الصوت إن هذا ما همس في أذنه). كل الاحترام لاحزمة الامان، فكرت في حينه لنفسي – ولكن ماذا عن اعطاء حق الاولوية للسيارة الصاعدة على طريق ضيق وساحق، وماذا عن التجاوز عن اليمين بسرعة 98 كم في الساعة في طريق بلدي؟ يبدو انه سيتعين علينا ان ننتظر المؤتمر السابع لفتح، حبذا ان لم يكن بعد 18 سنة، كي يتعلم السواقون الفلسطينيون كيف يقدرون قوانين حركة السير الرامية الى تقليص المخاطر على الطرقات.

        وعليه فاني اول من سيرحب بهذه الاحصاءات: 16 طريق جديد شقته السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية في اثناء السنة الماضية، واكملت 40 مشروعا لتحسين مستوى طرق قائمة. على الاقل، عندما اتوقف في صعود ساحق، كي يتمكن صاحب جلالته السائق مقابلي ان ينزل بهناء، لن تعلق عجلات سيارتي في حفرة ما احدثتها الامطار الاخيرة في الاسفلت المتفتت.

        هذان المعطيان يوجدان في بيان للصحافة، نشرها الاسبوع الماضي منسق الاعلام في حكومة الضفة الغربية، بحلول سنة على نشر خطة سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية في غضون سنتين. البيان للصحافة ضم ايجازا لتقرير عن انجازات السنة الاولى، بينها الطرق آنفة الذكر: 34 مدرسة جديدة، توسيع 23 اخرى، 11 عيادة جديدة، توسيع 30 اخرى وغرس 370 الف شجرة في الخطة لاخضرار فلسطين.

        ويناقش التقرير عن طريق غير مباشر منتقدي سياسة فياض والمثنين عليها. للمثنين عليها من الاجانب يذكر الكُتاب بأن كل التحسينات تمت رغم استمرار الاحتلال الاسرائيلي: الجيش والمستوطنون يقتلعون الاغراس، ونحن نغرس الاشجار، اسرائيل تهدم المنازل في القدس وفي المنطقة ج، ونحن نبني ونساعد السكان. وجاء في التقرير انه "دون رفع القيود الاسرائيلية عن الحركة والوصول لن تتاح انجازات اخرى. التنمية الاقتصادية ذات المغزى، تحت الاحتلال، متعذرة".

        أما المناقشة للمنتقدين فهي مبطنة وتظهر في بند الطرق. وهكذا كتب في خلاصة التقرير: "للتصدي للسيطرة الاسرائيلية في المناطق ج، دعمت السلطة الفلسطينية عدة مبادرات لزيادة قدرة الوصول في ارجاء الارض الفلسطينية المحتلة، 16 طريق جديد شق بكلفة 45 مليون دولار، 40 طريق رمم بكلفة 12.9 مليون دولار. هذه مشاريع، اضافة الى اهميتها بسبب زيادة قدرة الوصول، تساعد النمو الاقتصادي، خلق اماكن وفرص عمل، كما تواصل تحدي المحاولة الاسرائيلية لتحويل الضفة الغربية الى كانتونات منعزلة".

        هل بالفعل يدور الحديث عن تحدي للنوايا الاسرائيلية؟ الطرقات المحسنة والموسعة في المناطق أ وب بالفعل تقصر زمن السفر بين المدن المختلفة وقرى كل محافظة، وهكذا يخلقون وهم قرب جغرافي. ولكن بالتدريج ينسى الناس بأن الكثير من الطرق المحسنة ترمي لان تكون فقط طرقا بين القرى، اسفلتها لا يرمي الى ان يحمل كل عبء المواصلات بين المدن الفلسطينية. ودون ان يرغبوا في ذلك، فانهم ينسون ما هو خلف هذه الطرق والذي هو خارج النطاق بالنسبة لهم.

        ليس فقط 443. الطرق الواسعة الاخرى ايضا – تلك التي وسعتها أو شقتها اسرائيل كطرق سريعة مسبقا في ظل المصادرة المكثفة للاراضي الفلسطينية – تخدم اساسا أو حصرا الاحتياجات الاستيطانية – المواصلاتية للمسافرين الاسرائيليين (يهود، في اغلبيتهم الساحقة، بفضل تعريف المستوطنات). في 2004 المجلس (الاسرائيلي) للامن الوطني كشف النقاب عن الخطة لاقامة بنيتين منفصلتين من الطرق في الضفة (استمرار منطقي مباشر لمنظومة الطرق الالتفافية في الثمانينيات والتسعينيات). ممثلو الدول المانحة والبنك الدولي ذهلوا من الطلب الاسرائيلي الوقح في ان تمول التبرعات جزءا من الخطة. فالاحاديث الناعمة عن "الرغبة في ضمان نسيج الحياة الفلسطينية من خلال تواصل مواصلاتي" لم تشوش عقولهم. فقد فهموا بأن هذا سبيل آخر لتثبيت حقائق ناجزة على الارض. وبالتشاور مع السلطة الفلسطينية – رفضوا. وعليه فقد مولت اسرائيل بنفسها شق عدة طرق التفافية وأنفاق للفلسطينيين وحدهم، ترمي الى تعويضهم عن حرفهم عن الطرق السريعة التي في المنطقة ج ومنطقة التواصل الهائلة التي تصبح بالتدريج "نظيفة من الفلسطينيين".

        الطرق التي يشقها ويحسنها الفلسطينيون اليوم (بالاساس بمساعدة التبرعات من (USAID) تدخل في تصنيف "التواصل المواصلاتي الفلسطيني" الذي يتعارض ومبدأ "التواصل الاقليمي الفلسطيني". فالطرق والانفاق تربط بين البلدات الفلسطينية المنقطعة وليس الارض. وهي تسمح بابقاء المنطقة ج (62 في المائة من اراضي الضفة) كمجال حصري لتنمية المستوطنات وربطها باسرائيل، وتعزز وهم السيادة الفلسطينية في كل ما تبقى.

        ينبغي الافتراض بأن فياض وآخرين في حكومته واعون جيدا بهذا التضارب. أنا اسمعهم يسألون، ردا على ذلك: هل الحل هو ابقاء الطرق متهالكة وخربة وخطيرة وعدم شق طرق جديدة؟ بالطبع لا.

        ولكن تعالوا على الاقل نعترف: الطرق الجديدة والمتجددة لا تتحدى الخطة الاسرائيلية، بل تنخرط فيها بالذات وتعزز منطقها الداخلي.

\
انشر عبر