شريط الأخبار

أطفال محرومون: «نصيبنا أننا ولدنا كباراً ورجالاً»

05:08 - 22 حزيران / أغسطس 2010

أطفال محرومون: «نصيبنا أننا ولدنا كباراً ورجالاً»

فلسطين اليوم: خاص

بينما انا جالسٌ وأسرتي بالقرب من شاطئ بحر غزة ونستعدُ لتناول طعام الافطار بعد صيام يومٍ شاق من شدة ارتفاع درجة الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي المستمر، وشأني في ذلك شأن العشرات من العائلات التي تتناول طعام الافطار على شاطئ البحر. ولفت انتباهي وأسرتي والمصطافين حالُ طفلين شقيقين علامات التعب والجهد مرسومة على وجهيهما البريئين يبيعان العصائر والمكسرات قبيل موعد الافطار بدقائق، في الوقت الذي من المفترض أن يجلس الطفلان بين والديهما وأشقائهما لتناول الافطار مع بعضهم البعض.

«محمد 10 أعوام وشقيقه محمود 9 أعوام»، لم يجلسا مع أهلهما ولو ليوم واحد منذ بداية شهر رمضان على مائدة الافطار، لأنهما يبيعان العصائر والمكسرات مع موعد الافطار على شاطئ البحر، ليتمكنا من اطعام بقية أشقائهم العشرة، بسبب وضعهم الاقتصادي الصعب، واجبارهما على العمل في هذه المهنة من قبل والدهما، بحسب ما قاله الطفل «محمد».

وعلى الرغم من أن المصطافين يوجد معهم الأمتعة والشراب والطعام بكافة أنواعه الا أنهم لا يَردون الطفلين حينما يعرضان عليهم شراء العصائر والمكسرات، لا لحاجتهم للعصائر وانما شفقة عليهما، ومع موعد الآذان يجلس الطفلان محمد ومحمود بجوار خيمة يشربان العصير ويأكلان، وما لفت انتباهي رفضهما لأخذ أي شيء من المصطافين للافطار.

حال الطفلين «محمد ومحمود» حال مئات الأطفال في قطاع غزة والذين يتركون مدارسهم ويهدرون حقوقهم في التمتع بالطفولة من أجل «العمل» لمساعدة أسرهم في العيش بكرامة.

وقال محمد:» لقد أجبرني والدي على ترك المدرسة من الصف الثالث الأساسي وأجبر أخي محمود أيضاً من الصف الثاني، لنبيع على مفترقات الطرقات وشاطئ البحر لكي نصرف على الأسرة المكونة من 10 أفراد جميعهم أطفال. وأَضاف أن شقيقي الأكبر البالغ من العمر 18 عاماً مريض لا يقدر على الحركة ويرقد في الفراش منذ سنوات، فيما والدي لا يعمل ويجلس في البيت على مدار الساعة.

ورداً على سؤال عن مدى رضاه عن وضعه وشقيقه، قال:»في البداية كانت الأمور صعبة ولكن تعودنا عليها، ونصيبنا أننا ولدنا كبارا ورجالا»..

وعن تركه للمدرسة قال:» ان شاء الله رب العالمين اللي ما قدرت أعمله لنفسي بأعمله لأولادي في المستقبل، فيما بدأ شقيقه محمود بالبكاء في بداية حديثه من التعب والارهاق وقال:» أنا بكره البيع لكن مش قادر أتركه، لاني لو روحت على الدار أبوي بضربني».. وتمنى محمود أن يأتي اليوم التالي ولا يحمل كرتونة العصير والمكسرات.

وتابع قائلاً:» ما بنشوف حد ولا بنلعب ولا بنروح على أقاربنا، كل حياتنا صارت بيع على البحر وفي الشوارع.

ويرى المحامي عدنان ابراهيم أن عمالة الأطفال هي اهدار لحقوق الطفل وكرامته، كونها مخالفة لاتفاقية حقوق الطفل، التي تحث على أن يعيش الطفل طفولته كاملة بعيداً عن أي ضغوط وألا تسلب منه بالقهر.

وأكد على أن اتفاقية حقوق الطفل كفلت للطفل «تعليم وسكن وعلاج وملبس... الخ من الحقوق التي أكدت عليها الاتفاقية.

وأوضح أنه وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب في قطاع غزة والذي يدفع بالأهالي لاجبار أبنائهم على العمل في وقت مبكر من العمر واهدار فرصتهم وحقهم في التعليم، الا أنه غير مبرر وهناك فرص أخرى للأهالي لتحصيل رزقهم بعيداً عن استخدام أبنائهم وسيلة رابحة لذلك. ودعا الحكومة الى محاربة «عمالة الأطفال» للحفاظ على مجتمع نقي وخال من المجرمين، معتبراً ان عمالة الأطفال مصدرة للاجرام في المستقبل.

فيما أكد الأخصائي النفسي بشير محمد، أن الأطفال الذين يمرون بظروف قهرية من قبل الأسرة بحاجة الى رعاية اجتماعية ونفسية، لتخليصهم من الآثار السلبية التي لحقت بهم من الظروف التي مروا بها كحال الطفلين «محمد ومحمود»، وان لم يتم ذلك فالأطفال ستكون نهايتهم صعبة في الكبر، اما منحرفين أو مرضى نفسيين «غير أسوياء».

وأضاف أن التوعية والتثقيف من قبل المؤسسات المعنية بالطفل عبر الوسائل المختلفة من ورشات عمل وبرامج تلفزيونية واذاعية وغيرها، هي طوق النجاة لحماية الأطفال من العمالة المبكرة التي تؤثر عليهم سلباً وتفقدهم حقوقهم.

وأوضح أن الناس يتعاملون مع الأطفال الذين يبيعون في الشوارع على أنهم متسولون بطريقة غير مباشرة، وكثير من الناس لا تكون بحاجة للشراء من الطفل، الا أنها تدفع قيمة السلعة للطفل دون أن تأخذها، وهذا يؤثر على شخصية الطفل شيئا فشيئاً بحيث يصبح «متسولاً» من جهة ولصاً من جهة أخرى ومجرماً.

وأمام هذا يبقى السؤال المطروح، هل ستبقى «عمالة الأطفال في قطاع غزة مستمرة بحجة الوضع الاقتصادي الصعب؟، أم أن الوضع الاقتصادي والحصار أصبح شماعة نعلق عليها فشلنا وأخطاؤنا؟.

انشر عبر