شريط الأخبار

مفاوضات تقريبية... مفاوضات مباشرة... وأنواع أخرى ..د. بشير موسى نافع

02:12 - 19 تموز / أغسطس 2010

مفاوضات تقريبية... مفاوضات مباشرة... وأنواع أخرى ..د. بشير موسى نافع

منذ مباحثات مدريد في مطلع التسعينات، واختيار قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية القاطع سلوك نهج التفاوض، لم يتبق صنف من المفاوضات لم يجربه المفاوضون الفلسطينيون. مفاوضات عربية جماعية في مؤتمر مدريد، مفاوضات مسارات ثنائية تحت مظلة أردنية في واشنطن، ومفاوضات سرية في عدد من العواصم الأوروبية، أثبتت أوسلو في النهاية أنها الأكثر مناسبة للتوصل إلى اتفاق سلام، أو بالأحرى إطار فضفاض لاتفاقية سلام.

وبالرغم من التفاؤل الذي صاحب التوقيع على أوسلو، فسرعان ما أدرك الفلسطينيون أن الأمور لم تكن بالسهولة التي ظنوها؛ وبدأت بالتالي مفاوضات من نوع آخر. مرة في القاهرة أو شرم الشيخ برعاية عربية، ومرة في واشنطن أو واي ريفر أو كامب ديفيد، برعاية أمريكية، ومرات عديدة في ضيافة الإسرائيليين المباشرة. ولكن مسار السلام منذ أوسلو لم يزد الإ صعوبة وتعقيداً. وإن كان ثمة وصف يمكن إطلاقه على عهد بوش الابن، على اعتبار أن المفتاح كان دائماً في واشنطن وليس في مقر الحكومة الإسرائيلية، فلا بد أن يكون زمن الانتقال من المفاوضات الشائكة والبطيئة إلى الانقلاب الكلي في مسار التسوية، بعد أن نزع عن السلطة الفلسطينية غلالة شريك عملية السلام والتفاوض، لتصبح مجرد أداة أمنية في يد الدولة الإسرائيلية.

خلال زهاء العقدين من السلام التفاوضي، لم تستطع الحركة الوطنية الفلسطينية تحقيق ولو الحد الأدنى من الأهداف التي افترضت أن من الممكن تحقيقها عبر عملية السلام والتفاوض. اتسع نطاق سلطة الحكم الذاتي لبعض الوقت خارج نطاق البداية المضحكة في غزة وأريحا، ولكن اتساع حدود خارطة السلطة لا يعني أنها أصبحت أكثر سيادة واستقلالاً، أو أن شعبها أصبح أكثر أمناً واستقراراً. الحقيقة، أن مرور الزمن على وجود السلطة لم يجعلها إلا أقل سلطة، وشعبها أكثر عرضة لمخاطر القتل والاعتقال والمطاردة. ولكن ثمة شيئاً آخر لا يقل أثراً في تقويض المنطق الأساسي الذي استند إليه قرار الذهاب الحاسم إلى خيار التفاوض في مطلع التسعينات. فلمن لا يذكر الآن الجدل الذي ساد أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية بعد حرب الخليج الأولى وانهيار الاتحاد السوفياتي، أسس قرار التسوية التفاوضية على فرضية أن انهيار الكتلة الشرقية والاتحاد السوفياتي قد جرد الفلسطينيين من حليف دولي كبير، وأن عليهم منذ الآن، كما اختارت مصر السادات، منافسة الإسرائيليين على التقرب إلى واشنطن، سيما أن حاجة الغرب للدولة العبرية خلال سنوات الحرب الباردة تراجعت إلى حد كبير؛ وعلى فرضية أن الهجرة اليهودية من روسيا، ودول أوروبا الشرقية الأخرى، باتت تهدد بقاء الأرض الفلسطينية في الضفة والقطاع. ما حدث، بالطبع، أن الفلسطينيين والعرب أصبحوا خلال العقدين الماضيين أقل تأثيراً في واشنطن عما كانوا عليه قبلها، وأن معدلات السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية قد تسارعت في ظل عملية السلام بأضعاف ما كانت عليه قبلها.

الآن يعود الفلسطينيون إلى جدل التفاوض من جديد، بعد سنوات إدارة بوش القاحلة، التي خلت في معظمها من دفء المفاوضات.

كانت المؤشرات التي أعطتها إدارة أوباما لتحقيق تسوية ما في الشرق الأوسط مغرية بدون شك، ولكن أحداً لا يريد أن يرى أن المشكلة ليست في واشنطن. ولأن السقف الذي حددته إدارة أوباما كان مرتفعاً في البداية، فقد اضطرت القيادة الفلسطينية إلى رفع سقفها هي الأخرى. ولذا، بدأت المفاوضات في إطار تقريبي، كان يفترض أن يستطيع الوسيط الامريكي من خلاله تحقيق تقدم كاف لإطلاق المفاوضات المباشرة. ولكن إدارة أوباما سرعان ما تعلمت الدرس؛ فالطرف الإسرائيلي أكثر عناداً مما حسبت واشنطن الجديدة، والطرف الفلسطيني أكثر هشاشة مما بدا. وخلف ذلك كله ثمة حرب خاسرة في أفغانستان، ومتطلبات انسحاب من العراق، وملف نووي مستعص في إيران، وبوادر أزمة في لبنان. كما هو دائماً، أثبت 'الشرق الأوسط' أنه أكثر استعصاء مما اعتقد الرئيس الامريكي، الذي كان يطمح في بداية جديدة يعيد بها تأمين المصالح الامريكية في المنطقة. الضغط على الجانب الفلسطيني، باختصار، أيسر منالاً من الضغط على الإسرائيليين، وخلف ذلك كله هناك ما يكفي من الأصدقاء و'الحلفاء' العرب، الكفيلين بتوفير الغطاء. لم يكن أبو مازن بحاجة لرسالة تهديد أمريكية ليذهب إلى المفاوضات المباشرة، فالقيادة الوطنية الفلسطينية، وباختيارها المحض قبل عقدين من الزمان، تركت كل أوراق القوة سوى نهج التفاوض، والتفاوض في أكثر الأوقات حتى لمجرد التفاوض.

خلال أسابيع قليلة ستبدأ المفاوضات المباشرة، وحتى إن استأنفت حكومة نتنياهو حركة الاستيطان، المستمرة بلا هوادة منذ ولادة سلطة الحكم الذاتي، فلن تجد القيادة التي يقف الرئيس عباس على رأسها من الشجاعة ما يكفي لإيقاف المفاوضات. ولكن المفاوضات مع نتنياهو لن تكون أفضل من سابقتها مع أولمرت، ومع من سبقوا أولمرت، منذ ألقى إسحق شامير خطاب اليقينات التوراتية في مؤتمر مدريد. هذه ليست أزمة، ولا حتى مجرد انعكاس لميزان قوى مختل، وميزان القوى مختل بالفعل، هذا وضع أكثر سوءاً وانهياراً.

لنتذكر أن اتفاق أوسلو عكس في جوهره تصوراَ إسرائيلياً لمستقبل العلاقة بين الشعبين، ولم يكن اتفاقاً تفاوضياً بالمعنى المعروف، كاتفاق المؤتمر القومي الإفريقي مع حكومة جنوب إفريقيا البيضاء، مثلاً. أراد الإسرائيليون من اتفاق أوسلو: 1- أن يلقوا بأعباء الشعب المحتل، وليس الأرض التي لم تكن محل تفاوض في أوسلو، سواء من ناحية شؤونهم اليومية أو الملف الأمني، على كاهل إدارة فلسطينية؛ 2- أن تفتح حالة السلام مع الفلسطينيين أبواب المجال العربي والإسلامي، سياسياً واقتصادياً وأمنياً؛ أي أن تعيد الدولة العبرية رسم دورها من حليف للغرب يركن إليه أثناء الحرب الباردة، إلى مركز قرار رئيس للمشرق كله. في السنوات العشر الأولى لما بعد أوسلو، حاولت القيادة الفلسطينية تعظيم ما اعتقدته إيجابياً في الاتفاق وتقليل ما رأته ضاراً. ولكن النتائج، كما أصبح واضحاً بمرور السنوات، كانت بالغة البؤس، بينما نجحت الدولة العبرية في تحقيق اختراقات جوهرية في صفوف الحركة الوطنية. عندما انفجرت الانتفاضة الأولى، لم يستطع عرفات حتى المحافظة على وحدة قيادته، وعندما حوصر في مقر قيادته ، حوصر وحيداً ورفاقه الاخرون ينتظرون ما ستنجم عنه معركة كسر الإرادات التي كانوا على يقين كامل من نهايتها. نجح الاسرائيليون، بالتحكم الكامل في مصير السلطة، من جهة، وبوسائل الترغيب والقوة والقهر، من جهة أخرى، في ترويض القطاع الأكبر من قيادة الحركة الوطنية، وإعادة فرض إطار أوسلو الإسرائيلي. وهذه الشرائح الفلسطينية المروضة هي التي تولت القيادة منفردة بعد إطاحة عرفات، وتكفلت في مرحلة ما بعد عرفات بترويض القلة القليلة التي ظنت كما عرفات أن شيئاً ما إيجابياً يمكن أن يحصل من عملية السلام التفاوضي.

يعرف الجميع ما هو المقصود من عملية المفاوضات المباشرة؛ فليست ثمة أسرار تخفى على أحد. حكومة نتنياهو تريد تحسين وضعها في لعبة الكراسي الموسيقية السياسية داخل الدولة العبرية، وعلى المستويين الإقليمي والدولي. وواشنطن تريد تحقيق إنجاز ما، بعد أن أصبحت أهدافها أكثر تواضعاً. وكلاهما معاً يرغب في توفير متطلبات الضربة العسكرية للملف النووي الإيراني، في حال أصبح الخيار العسكري ضرورياً. أما على مستوى سلطة الحكم الذاتي، فلن يتغير الكثير.

تدرك قيادة سلطة الحكم الذاتي حقيقة المسؤوليات التي فرضها اتفاق أوسلو؛ وفي الضفة الغربية على الأقل، أثبتت حكومة السلطة منذ الانقسام بين الضفة وقطاع غزة أنها تتعهد هذه المسؤوليات بأقصى ما تستطيع من كفاءة وحزم. ثمة إدارة جيدة لشؤون أهالي الضفة اليومية، بل أن هناك ما يكفي من المؤشرات على أن وضع الضفة الاقتصادي، بمعنى وضع الأهالي وليس الأرض، في تحسن. ومن وقت لآخر يستعرض رئيس حكومة السلطة إنجازات إدارته بتسجيل أرقام جديدة في كتاب أسبقية غينيس الشهير. وقد نجحت أجهزة السلطة الأمنية في الإمساك بالملف الأمني كما ينبغي، بإشراف وعون أمريكيين وتنسسيق دائم مع الإسرائيليين، بحيث لم يعد بإمكان أي من مجموعات المقاومة، ليس تنفيذ أو الإعداد لعمل ما، بل وحتى القيام بنشاطات خيرية أو اجتماعية محضة. الهدف الرئيسي من اتفاق أوسلو تحقق في الضفة الغربية بالفعل، وليس على الدولة العبرية وشركائها في السلطة سوى إحكام الحصار على قطاع غزة، حتى لا يتحول القطاع إلى مصدر تخريب وتهديد لأهداف أوسلو. صحيح أن عملية التطبيع والانتشار الإسرائيلي في المجالين العربي والإسلامي قد تعثرت، ولكن هذه ليست مسؤولية الشريك الفلسطيني على أية حال.

لقد استقر وضع السلطة هذا منذ ما بعد الصدام مع حماس؛ بل أن السعي للوصول إلى مثل هذا الوضع كان السبب الرئيسي في انفجار الصراع على قطاع غزة، ومن ثم خسارة السلطة سيطرتها على القطاع. لا المفاوضات التقريبية، ولا المباشرة المترقبة، ستغير شيئاً من هذا الوضع. تعرف قيادة السلطة مسؤولياتها وتعرف حدودها؛ ولأن طبقة السلطة الحاكمة لا تتصور خسارة الامتيازات البائسة التي يوفرها هذا الوضع الإلحاقي بالدولة العبرية، فلن تقول لا للمفاوضات من أجل المفاوضات، أو المفاوضات من أجل تحسين المناخ الاستراتيجي للسياستين الامريكية والإسرائيلية. وهي بالتأكيد لن تفكر ولو للحظة في خيار حل السلطة والتخلص من وضع الإلحاق المشين. في مرحلتها التي بدأت في منتصف الستينات، وصلت الحركة الوطنية الفلسطينية نهاية الطريق منذ زمن. كل ما في الأمر أن جهة يعتد بها لم تصدر شهادة الوفاة بعد.

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

انشر عبر