شريط الأخبار

حين نسي العرب ولم يتعلموا ..فهمي هويدي

12:03 - 18 تشرين أول / أغسطس 2010

حين نسي العرب ولم يتعلموا  ..فهمي هويدي

 

السياسيون أيضاً لهم إسهامهم في مسلسلات اللهو والعبث التي يحفل بها شهر رمضان. الدليل

 

على ذلك أننا مقبلون على جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين".

 

(1)

 

مسلسل المفاوضات أسوأ، أنه عابر للأشهر ومفتوح بغير نهاية، والأحداث فيه مكررة ومملة. ناهيك عن أن الفكرة الأساسية فيها معروفة سلفاً وشاهدناها مرات، محورها هو التفنن في تخدير الفلسطينيين لمواصلة سرقة فلسطين، بحيث يأكل الفلسطينيون الهواء ويأكل "الإسرائيليون" الأرض.

 

منذ عام 1978، الذي طرح فيه الرئيس السادات فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين في اتفاقية "كامب ديفيد" الأولى "وجزرة" التسوية النهائية تلوح في الأفق، من دون أن تطولها يد الفلسطينيين، إذ بمقتضى تلك الاتفاقية كان يفترض أن تتم التسوية بعد خمس سنوات، أي في عام 1983، وهو ما تكرر في اتفاقية أوسلو عام 1993 التي علقت بمقتضاها جزرة التسوية على جدران عام 1999، لكن الأعوام الستة مرت من دون أن يحصل الفلسطينيون على الجزرة الموعودة. ولم يتوقف "الحاوي" عن ألاعيبه، فاستخرج من كيسه خارطة الطريق في عام 2003 التي لوحت بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية في عام 2005، وحين لم يتحقق الوعد، وجد العرب أنفسهم مدعوين إلى مائدة "أنابولس" في خريف عام 2007، وقيل لهم إن موعدهم المرتقب مع "الجزرة" سيكون في آخر عام 2008، مع نهاية ولاية الرئيس بوش

 

انتهت الولاية وتبدد الوعد، إلى أن جاء الرئيس أوباما حاملاً معه الجزرة، ومبشراً العرب بكلام دغدغ مشاعرهم عن وقف الاستيطان وحل الدولتين. لكنه لم يلبث أن نكث بعهده، وغطى موقفه بلعبة المفاوضات، التي أرادها غير مباشرة لأربعة أشهر، ثم قرر أن يقطعها ويحولها إلى مباشرة قبل الموعد الذي حدد لها، وفي هذه المرة الأخيرة فإنه أظهر العصا ولم يلوح بالجزرة، حيث وجه 12 تهديداً إلى الرئيس الفلسطيني في رسالته الشهيرة التي بعث بها في 17 يوليو/ تموز الماضي، وتسرب مضمونها مؤخراً. وقد أنذره فيها بالعزلة وقطع الموارد المالية إذا لم يذهب صاغراً إلى المفاوضات المباشرة. صحيح أن الجزرة لم تظهر في هذه الدعوة الأخيرة، لكنه طمأن الفلسطينيين والعرب إلى أنها موجودة، وأن الجلوس حول مائدة المفاوضات هو خطوة على طريق الفوز بها يوماً ما.

 

لم يكف الفلسطينيون والعرب معهم عن الركض وراء جزرة الدولة الموعودة طيلة الأعوام الثلاثين الماضية. لم يملوا خلالها من الدخول إلى قاعات المؤتمرات والجلوس حول موائد المفاوضات ثم الخروج بوعود "إسرائيلية" لا تنفذ، ولم يترددوا في تكرار التجربة ذاتها عدة مرات بعد عدة سنوات، والخلوص إلى النتيجة ذاتها لم يقنعوا طوال تلك المدة بأن الطريق الذي يسلكونه لا يوصلهم إلى مرادهم. ولم ينتبهوا إلى أنهم رغم الركض الذي لم يتوقفوا عنه طيلة تلك السنوات، لم يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام. من ثم لم يكتشفوا أنهم في حقيقة الأمر لم يكونوا يدعون إلى مفاوضات أو مباحثات، ولكنهم كانوا يستدرجون إلى جلسات للثرثرة لابتزازهم وإلهائهم عما يجري على الأرض، ولإيهام العالم بأنهم يسعون إلى الحل.

 

(2)

 

طوال الأعوام الثلاثين التي مضت ظلت الدول العربية والقيادات الفلسطينية قابعة في مستنقع الانتظار. حتى حينما صدرت مبادرة القمة العربية في عام 2002، فإنها أطلقت في الفضاء، وبقيت الحكومات العربية مستسلمة لحالة الانتظار، رغم أن "إسرائيل" تجاهلتها وتعاملت معها بازدراء حتى هذه اللحظة.

 

المدهش في الأمر أن الدنيا تغيرت خلال تلك العقود الثلاثة. وجاءت بعض المتغيرات لمصلحة الطرف العربي والقضية الفلسطينية، ولكن الانتظار تحوّل في ما بعد إلى قعود وعجز عن الحركة. فرغم انهيار الاتحاد السوفييتي وتفرد الولايات المتحدة بصدارة النظام الدولي الجديد، إلا أن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت، إذ أصبحت أسيرة مشكلاتها سواء تمثلت بأزمتها الاقتصادية في الداخل أو ورطتها العسكرية في الخارج (في أفغانستان والعراق).

 

أما "إسرائيل" فقد فقدت هيبتها بعد هزيمتها أمام حزب الله في عام 2006، وبعد فشلها في العدوان على غزة عام 2008، واهتزت صورتها أمام العالم الخارجي بسبب جرائمها في غزة التي فضحها تقرير القاضي الدولي غولدستون، وهي تواجه الآن عزلة دولية بسبب استمرار حصارها للقطاع وجريمتها التي ارتكبتها في المياه الدولية بحق أسطول الحرية. ومن ثم أصبحت في موقف الدفاع وليس الهجوم.

 

وفي حين ازدادت الثقة في قدرة وثبات المقاومة العربية والإسلامية، واتسع نطاق التضامن الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني بفضل ثورة الاتصال التي فتحت أعين الجميع على الوجه الحقيقي ل"إسرائيل"، فإن ضعف الأنظمة العربية فوت فرصة استثمار تلك الأجواء للوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. وفي ظل ذلك الضعف فإن مسار القضية ومصيرها أصبحت تتحكم فيهما السياسة الأمريكية، التي يديرها "كونغرس" شديد الانحياز والتطرف لمصلحة "إسرائيل"، وقد أثار ذلك الانصياع دهشة أحد الكتاب "الإسرائيليين" (تسفي برئيل) فكتب ذات مرة قائلاً إنه لشدة حرص الدول العربية على استرضاء الولايات المتحدة، فإن كثرة استخدامها لكلمة نعم أسقطت من قاموس العرب كلمة "لا" ("هآرتس" 30/7/2010).

 

(3)

 

سواء نسينا تجارب المفاوضات السابقة ونتائجها المحبطة أو تناسيناها، فالثابت أننا لم نتعلم منها شيئاً. أو تعلمنا ولكننا لم نملك شجاعة الإعلان والجهر بالدرس الذي تعلمناه. الدليل على ذلك أننا بصدد الدخول في حلقة جديدة من المسلسل العبثي. ذلك بأنه منذ قرر الرئيس أوباما بالاتفاق مع نتنياهو أن الانتقال إلى المفاوضات المباشرة قد وجب، وكتب الرئيس الأمريكي بذلك إلى محمود عباس، فإن عجلة التحضير للمفاوضات دارت بسرعة، وتولت مصر بالاتفاق مع السعودية والأردن ترتيب أمر الغطاء العربي للجولة الجديدة، وبدأ بعض الكتّاب يتحدثون عن المستقبل، كأنه ليس هناك ماض، وكأننا نبدأ من نقطة الصفر.

 

في هذه الأجواء تحدثت الأنباء عن معالم الفخ الجديد الذي أعده نتنياهو للمفاوض الفلسطيني، وهو يتمثل في عرض يستهدف التوصل إلى إعلان مبادئ وليس اتفاق سلام نهائياً. شبيه باتفاق أوسلو عام 1993، بمقتضاه تنسحب "إسرائيل" من مساحة 90% من الضفة لا تدخل فيها القدس الشرقية، كما يتم إخلاء 50 ألف مستوطن من قلب الضفة إلى الكتل الاستيطانية. ونقلت الصحف عن مصادر نتنياهو قوله إن العرض "واسع ومغر" للفلسطينيين، لأنه يمنحهم مساحة واسعة من الضفة مع إخلاء عدد كبير من المستوطنات، من دون أن يلزمهم بالتوقيع على إنهاء الصراع، أو بوقف مطالبتهم بالجزء المتبقي من الضفة الغربية والقدس. وفي حالة القبول بذلك العرض، فإن "إسرائيل" سوف تقدم بعض التسهيلات المتعلقة بالإعمار والنهوض الاقتصادي للسلطة الفلسطينية في الضفة.

 

الفكرة الأساسية لمشروع نتنياهو تنطلق من ارتهان الضفة والمساومة عليها، بعد اقتطاع أجزاء منها بحجة الحفاظ على أمن "إسرائيل". وفي وقت سابق فعلها نتنياهو حين عرض إقامة دولة فلسطينية مؤقتة على مساحة 60% من الضفة. وكان أرييل شارون قد عرض على الفلسطينيين إقامة دولتهم على 42% من الضفة، وفعلها باراك حين كان رئيساً للوزراء ومن بعده إيهود أولمرت.

 

لا يشك أحد في أن عرض نتنياهو خال من البراءة، وأنه لجأ إلى الخداع والاحتيال في المشروع الذي قدمه. ذلك أنه يتلاعب فيه بالأرقام بحيث يضلل قارئها من دون أن يكون محيطاً بدلالاتها. فهو حين يتحدث عن 90% من الضفة فإنه يحذف منها القدس الكبرى ومنطقة اللطرون الواقعة بين خطي الهدنة والبحر الميت وغور الأردن. وهذه المساحات المحذوفة تشكل 40% من مساحة الضفة التي تبلغ 5800 كليو متر مربع. وحين يتحدث عن إخلاء 50 ألف مستوطن، فإنه يتحدث عن 13% فقط من المستوطنين، بما يعني أن 87% من أولئك المستوطنين سيبقون في أماكنهم، 40% منهم في القدس و47% في قلب الضفة. وحين رجعت إلى الدكتور سلمان أبوستة رئيس هيئة أرض فلسطين والدكتور خليل تفكجي مسؤول الإحصاء في الأرض المحتلة، فإنهما قالا لي إن المساحة الحقيقية التي يعرضها نتنياهو على الفلسطينيين لإقامة دولتهم الممزقة والمجردة من السلاح لا تتجاوز في حقيقة الأمر 12% من مساحة الضفة الغربية.

 

أخطر ما في هذا العرض أنه يعرض حلاً للاتفاق على مبادئ جديدة في علاقة الطرفين، في حين يرحل إلى المستقبل ملف القدس وبقية القضايا المختلف عليها، وهذا الحل يخفي في طياته سعياً لجعل الحل الانتقالي المقترح بمثابة حل طويل الأجل ونهائي، يقام بقوة الأمر الواقع في نهاية المطاف. وثمة تقارير صحافية تعتبر أن سعي نتنياهو إلى فكرة الحل الانتقالي يخفي شعوراً بالقلق في أوساط اليمين "الإسرائيلي" من عودة فكرة الدولة الواحدة على جدول الأعمال، بعد فشل الجهود الرامية للتوصل إلى حل الدولتين.

 

(4)

 

ثمة ثلاث مشكلات أساسية تواجه المفاوض الفلسطيني والأطراف العربية التي تسانده في تكرار تجربة المفاوضات المباشرة، هي:

 

الطرف الفلسطيني وقع في فخ تفكيك القضية، وتحويلها إلى مجموعة ملفات تتعلق بالحدود والمياه والمستوطنات وغير ذلك، وهي ورطة تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضاً متنازعاً عليها، فيما وصف بأنه صراع بين حقين، أحدهما للفلسطينيين والآخر ل"الإسرائيليين".

 

وذلك وضع مخالف تماماً للحقيقة ولقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ذلك بأن القضية في جوهرها لها ملف واحد وتختزلها كلمة واحدة هي "الاحتلال"، أما الدخول في متاهة التفاصيل والاستدراج إلى مناقشتها، فإنه يعد استسلاماً للفخ ووقوعاً في براثنه.

 

المشكلة الثانية أن الطرف الفلسطيني يخوض المفاوضات من دون أن تكون لديه خيارات أخرى، بمعنى أنه مضطر للاستمرار في المفاوضات حتى وإن لاحقها الفشل في كل مرة. ذلك أن من أهم مصادر قوة أي طرف مفاوض أن تتوافر له خيارات أخرى غير التفاوض، مثل حل السلطة أو إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد، أو قطع المفاوضات والانضمام إلى معسكر المقاومة، وأن يعي الطرف المقابل ذلك.

 

لأن معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة في عملية التفاوض تتأثر إيجاباً وسلباً بمدى توافر هذه الخيارات من عدمها، وإذا انحصرت الخيارات بمسار التفاوض فقط، وأصبح ذلك هو المسار الوحيد المتاح، فإن الطرف المفاوض يخسر جل وضعيته التفاوضية أمام الطرف المقابل، الذي سيوظف انعدام الخيارات هذا كأداة ضغط فعالة، للحصول على تنازلات قيمة. وهذا الكلام ليس من عندي، لكنني اقتبسته من ورقة حول المأزق الفلسطيني العربي في المفاوضات، قدمها قبل ثلاث سنوات إلى ندوة مركز الخليج للدراسات في الشارقة الدكتور علي الجرباوي، حين كان أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة بيرزيت، وقبل أن يصبح وزيراً في حكومة رام الله.

 

المشكلة الثالثة أن الطرف الفلسطيني يخوض المفاوضات بلا ظهير عربي يؤمنه ويشد من أزره، أعني بذلك حالة الوهن المخيمة على الأنظمة العربية، التي أفقدتها القدرة على تبني موقف مستقل يرعى المصالح العليا للأمة، وهي التي حولت العواصم العربية الكبرى (نسبياً) إلى وسيط يضع استرضاء الولايات المتحدة ضمن أولوياته، ومن ثم فإنها تحولت إلى عبء على القضية بدلاً من أن تكون داعمة ورافعة لها، وبالتالي أصبحت الحالة العربية الرسمية نقطة الضعف الأساسية التي تحسب على القضية وليس لمصلحتها.

انشر عبر