شريط الأخبار

تلفزيون فلسطين: اللاجئون كمادة ترفيهية../رامي منصور

11:36 - 15 حزيران / أغسطس 2010

تلفزيون فلسطين: اللاجئون كمادة ترفيهيةرامي منصور

في الحلقة الأولى من البرنامج طلب المقدّم من إحدى السيدات ذكر أسماء خمس مدن فلسطينية لتربح مئتي دولار. بعد تفكير استغرق ثواني ليست بقليلة، أوفت السيدة الجواب وفازت بالجائزة.

 

في الحلقة الثانية هوّن المقدم السؤال: أذكر ثلاث مدن فلسطينية واربح مئة دولار. التهوين في السؤال لم يكن بهدف خفض قيمة الجائزة بل للتسهيل على المشارك.

 

الحلقة الثالثة: توقفت عن مشاهدة البرنامج المغمس بالفقر والبؤس واللجوء والدولارات.

 

البرنامج المذكور لم يصوّر في مدينة فلسطينية في الضفة الغربية، بل في مخيّمات اللجوء (المؤقتة!) في لبنان الشقيق!. البرنامج هو "أرزة وزيتونة" من تقديم ماهر الشلبي وتبثه فضائية فلسطين في شهر رمضان.

 

للوهلة الأولى يظن المشاهد أن البرنامج يهدف لتعريفه بمأساة اللاجئين الفلسطينيين عبر شاشة فلسطينية. لكنه يرتطم سريعاً بواقع الحالة الفلسطينية (التعيسة، المأساوية...) ويكتشف بالأساس أزمتين أخلاقيتين وسياسيتين تعاني منها. لا أشك في نوايا أصحاب فكرة البرنامج، لكن أشك في هدف ممّول القناة التي تبث البرنامج، وهي السلطة الفلسطينية. فقد جاء في خبر تناقلته المواقع الالكترونية (يبدو أنه علاقات عامة): "في خطوة غير مسبوقة تجاه المخيمات الفلسطينية وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك وضمن حملة توعية للتعريف عن المدن والقرى الفلسطينية وإنعاش الذاكرة الفلسطينية، قام تلفزيون فضائية فلسطين بتصوير برنامج مسابقات في مخيمات لبنان... كما شمل البرنامج لقاءات مع بعض الطلبة والطالبات الفلسطينيين الذين اجتازوا بنجاح الامتحانات الرسمية لشهادة البكالوريا القسم الثاني، أو ما يعادل «شهادة التوجيهية» لهذا العام، وقد زف لهم شلبي خبراً ساراً أن جمعيهم سيحصلون على منح دراسية سواءً في لبنان أو خارجه على نفقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والإجراءات ستتم من خلال ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان".

 

الأزمة الأخلاقية الأولى أن يقوم تلفزيون فلسطين بإعداد برنامج "فكر واربح" في مخيمات اللجوء محوره وهدفه الأساسي فتّ الدولارات على اللاجئين، الذين ربما لم يلامسوا في حياتهم ورقة دولار واحدة، أو غالبيتهم الساحقة لم يحصل لها هذا "الشرف"، وذلك تحت ذريعة إحياء الذاكرة الوطنية. فالدولارات التي توزع ليست من مؤسسة خيرية بل من "صندوق الاستثمار الفلسطيني"، التي يكرر مقدّم البرنامج ذكرها كلما سلم لاجئا جائزته الأميركية.

 

في البرنامج يزور المقدّم أحد مخيمات اللجوء (الحلقة الأولى) ويلتقي بسيدة متقدمة من العمر، لبنانية، تزوجت من فلسطيني لاجئ وانتقلت للسكن معه في مخيم شاتيلا. زوجها فارق الحياة منذ زمن. لاجئ من حيفا. تروي مأساتها وهي تحمل بروازاً فيه صوراً للشهيد ياسر عرفات ولإبنها وابنتها. لم يتضح مصيرهما خلال اللقاء.

 

ظنت السيدة أن اللحظة التي انتظرتها طويلاً قد تحققت. ها هو صحافي وخلفه كاميرا يريد توثيق معاناتها. تحتضن المقدّم بحميمة أم، فهو قادم من هناك، من فلسطين. تقبّلُ خده، يبادلها القبلة بقبلة على جبينها. تروي كيف أن أبو عمار أنقذها من التشرد وعمّر لها بيتاً في المخيم. "بعد الله في السماء أبو عمار إلي في الأرض"، تقول وهي تبكي وتستمر في شرح معاناتها.

 

أكاد أجزم أن كل من شاهد البرنامج تلك اللحظة شارفت دمعته على التسلل من عينيه إلى خده. لكنها لم تتسلل، بل تراجعت وتجمدت. كل غرفة في المخيم تستأهل برنامجاً أو فيلماً وثائقياً، خصوصاً المخيم الأول الذي زاره البرنامج – مخيم شاتيلا. لكن المقدّم لم ينس مهمته وهدف البرنامج. "عدي لنا أسماء خمس مدن فلسطينية" يداهمها بالسؤال. تعدها السيدة. فزتي بمتين دولار مقدمة من "صندوق الاستثمار الفلسطيني" (لا اذكر حقيقة إن كانت قد فازت بمئتي دولار أو ثلاث مئة دولار، لأن قيمة الجائزة حسب الحالة أو درجة بؤس المشارك/ة)، يقول المقدّم.

 

تسحب السيدة يديها إلى الخلف. ترفض الجائزة بعزة رغم العوز. يصر المقدّم ويقبل جبينها. تصر وترفض. تُمحى من ذاكرة المشاهد التفاصيل التي روتها السيدة قبل لحظات. لحظة دراماتيكية بين المد والجز. هو يمد يده وهي تحبس يديها. يصر المقدّم وإلا البرنامج سيفشل. تحبس يديها أقوى. في النهاية تمسح السيدة دموعها عن خدها وتقبل بالجائزة وما زالت منفعلة مما روته.

 

يجلس المشاهد بتشوق بداية لمشاهدة البرنامج، عله يتعرف على أحد أقاربه في تلك المخيمات، أو ابن بلده، وليتعرف على أوضاع ذاك الجزء المنسي والمهمل من الشعب الفلسطيني. لكن سرعان ما يخيب أملك وتسب الساعة التي أصبح فيها الفلسطيني بحاجة للمشاركة بمثل هذه البرامج حتى يربح مئة دولار. "الإم بي سي" أرحم. لا تتاجر ولا تستغل مخيمات اللجوء لإعداد برنامج "ترفيهي" يحاول دغدعة المشاعر الوطنية وشراء ذمم اللاجئين. إذا كانت السلطة الفلسطينية بانية المؤسسات تريد أن تدعم مخيمات اللجوء وتنعش الذاكرة الوطنية، فليس من خلال فت الدولارات عبر برنامج لا هو ترفيهي (لأن المشهد يؤدي للإشمئزاز والتعاسة بسبب "اللوكيشينً") ولا هو برنامج صحافي جديّ ينقل معاناة اللاجئين ويوثقها.

 

وإن أرادت السلطة استمالة اللاجئين إلى مشروعها السياسي الذي لا مكان للاجئين فيه سوى خارج الوطن، فإن ذلك يقع في منطقة الحرام الأخلاقية والوطنية. وإذا أراد التلفزيون الفلسطيني استقطاب نسبة مشاهدة عالية أو تصوير نفسه على انه تلفزيون كل الفلسطينيين وفي كل مكان، فليس عبر استغلال معاناة أناس هم ضحايا إسرائيل أولاً، وضحايا المؤسسات الفلسطينية التي أهملتهم ورمت بهم إلى مصيرهم.

 

مشهد السيدة، والبرنامج بكامله، يكشف عن أزمة أخلاقية ثانية وقصور هائل وخطير جداً من المؤسسات والحركات الفلسطينية. فقد أضطر مقدّم البرنامج إلى تهوين الأسئلة مراراً على المشاركين من كل الأجيال. فبدلاً من ذكر أسماء خمس مدن فلسطينية طلب ذكر ثلاث، لأن المشاركين استصعبوا الإجابة. إن كان المشارك من صفد وطلب منه ذكر خمس قرى في قضاء صفد. تلعثم ولم يجب على السؤال بالكامل لكنه فاز. أحد المشاركين، شاب من ترشيحا، سئل أين تقع بلده – ترشيحا. أجاب: جنوب لبنان.

 

اللاجئون وحق العودة هم أساس وصلب القضية الفلسطينية، ويتوقع أي فلسطيني أو حتى عربي أن اللاجئ يحفظ عن ظهر قلب المدن الفلسطينية وموقعها الجغرافي وغيرها من التفاصيل التي تحفظ الذاكرة وتصون الحق. لكن الصورة بدت مغايرة تماماً. فأن يجهل اللاجئ الحيفاوي أن لحيفا شقيقات على طول الساحل فهذه مصيبة، ليس له، بل لنا فلسطينيين وعرباً، وتكشف أيضاً حجم الإهمال لهذا الجزء المنسي من الشعب الفلسطيني الغارق في بؤسه إلى اجل غير مسمى. وقد يكون الإهمال السياسي والإجتماعي والتعبوي ليس تقصيراً نتيجة اختلاف المرحلة، بل يعبر عما يضمره تيار سياسي، المسؤول عن هذه المخيمات أولاً، الذي لا يبحث عن إحقاق الحق والعدالة ولو نسبياً بل يبحث عن دولة عتيدة فيها شعب ينعم بالرفاهية والرخاء والأمان والاستقلال، ليس من المحتل، بل الاستقلال والتحرر والانفصال عن جزء كبير هو غالبية الشعب الفلسطيني بشقائه وبؤسه ولجوئه ومواطنته الوهمية (تذكرون مقال رئيس الموساد الأسبق حول "الفلسطيني الجديد"). هم وشقاء مزروع في كل مكان يتواجد فيه الفلسطيني.

 

ويكشف البرنامج أيضاً، أن عدداً كبيراً من المشاركين أجاب على سؤال الخمس مدن بذكر بيت حانون وغزة وخان يونس ورفح، ولم يذكر القدس أو يافا أو عكا أو حيفا. السبب واضح: فقد انحصرت القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة في القطاع المحاصر.

 

أما عن منح سيادة رئيس السلطة (على نفقته كما نشر)، فليست بحاجة إلى برنامج ترفيهي كي "يزف هذه البشرى". ولا يمكن تسمية ذلك إلا بالرشوة السياسية لمواجهة تيار سياسي خصم عزز شعبيته من خلال العمل الخيري و"إطعام المسكين"، من غزة إلى عين الحلوة.

 

أيها الفلسطيني، إنتظر، تلفزيون فلسطين ها هو قادم: خذوا دولارات واقعدوا أنتم وبؤسكم ولا تقاتلوا.

انشر عبر