شريط الأخبار

هضبة الجولان طريق السلام طريق الحرب ..علي بدوان

01:05 - 05 تموز / أغسطس 2010

هضبة الجولان طريق السلام طريق الحرب ..علي بدوان

 

عضو اتحاد الكتاب العرب

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تمثل المادة التالية، نص المحاضرة التي القيت من قبل الكاتب الفلسطيني علي بدوان من على مدرج قاعة قصر الأسد للثقافة في مدينة اللاذقية السورية ظهر يوم الأربعاء الواقع في الرابع من آب/اغسطس 2010، بحضور القيادات السياسية والحزبية في محافظة اللاذقية، وأعضاء فرع اتحاد الكتاب العرب اضافة الى جمهور المشاركين في فعاليات مهرجان المحبة الثقافي الحادي والعشرين.

حيث قدم الكاتب علي بدوان معلومات عامة عن الجولان السوري المحتل، تناول فيها طبيعة وجغرافيا أراضي الجولان وتجاورها مع فلسطين، واهميتها الاستراتيجية من الجوانب المختلفة، وانتقل الى تقديم المادة السياسية، التي استتبعت بحوار مفتوح مع الحضور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

لم يكن عدوان حزيران/يونيو1967 الذي استهدف دول الطوق العربية المحيطة بفلسطين عملاً عسكرياً بحتاً من أجل استهدافات محدودة، بعيداً عن الرؤية الاستراتيجية التي وضعتها الحركة الصهيونية في مسار صراعها مع البلدان العربية المحيطة بفلسطين. بل جاء في مسار فعل استعماري، فشكل عدوان حزيران/يونيو المحطة المفصلية الثالثة بعد نكبة عام 1948 في سياق إعادة رسم خرائط المنطقة في مرحلة أفول الاستعمار التقليدي، وصعود (النيوـ إمبريالية) ـ الامبريالية الجديدة ـ ، ومحاولات عملقة الدولة العبرية الصهيونية "التي تم إنشاؤها بطفرة جانحة غير طبيعية" وفرضها بالقوة كدولة إقليمية مقررة في شؤون ومستقبل المنطقة.

 وعلى هذا الأساس، شكل المشروع الاستعماري والغزو التوسعي الكولونيالي الصهيوني لفلسطين والمشرق والمنطقة العربية عموماً خلال عقود القرن الماضي والى الآن عنوان الصراع الرئيس مع المشروع الوطني/ القومي التحرري العربي، وعكس نفسه على الجوانب الموازية في السعي العربي من أجل الوحدة والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والاستقلال القومي بجوانبه المختلفة: السياسية والاقتصادية والأمنية و العسكرية، وفي العمل من أجل التطور والتنمية الاجتماعية، واستثمار الموارد والخامات العربية وتحقيق الرفاهية لأبناء أمتنا العربية.

لقد حفرت التطورات السياسية، وحدّة التناقضات بين المشروع الاستقلالي التنموي العربي مع الغزو الصهيوني آثارها بشكل كبير على مستقبل المنطقة، بل وعموم العلاقات الدولية بين الأطراف المؤثرة على مجرى عملية الصراع. ودفعت البلاد العربية الثمن الباهظ من تكاليف الثبات أمام تصاعد وعنف المشروع العدائي المضاد، من حروب عام 1948 واغتصاب فلسطين، الى حروب العدوان الاسرائيلي الصهيوني على امتداد الأعوام التي تلت نكبة فلسطين، واحتلال أجزاء واسعة من الأرض العربية في الجولان وسيناء وجنوب لبنان وغور الأردن، وما يجري الآن من عمليات سياسية مترافقة مع فعل عدواني دموي فوق الأرض العربية الفلسطينية لتطويق الانتفاضة والفتك بها، وشطب الحقوق الوطنية والقومية العربية في فلسطين والجولان وباقي الأراضي العربية المحتلة، خصوصاً منها حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني المنجز.

إن المطامع الإسرائيلية في الجولان السورية على أهميتها الكبرى عند الجانب الإسرائيلي، إلا أنها تتعدى إلى ماهو أبعد من الجانب المادي البحت المتعلق بالأرض والمياه والثروات المختلفة والموقع الجيوستراتيجي، تجاه المضمون الذي تريده إسرائيل في الرؤية الأوسع لمجمل مسار عملية التسوية في الشرق الأوسط. فتعقيدات ملف المسار التفاوضي السوري / الإسرائيلي تلخص إلى حد كبير المرامي والأهداف الإسرائيلية البعيدة، والهادفة إلى تغيير الخارطة الجغرافية من الناحية الاستراتيجية، وابتلاع دول المنطقة اقتصادياً وتهميشها، وسلخ روابطها القومية والتاريخية المشتركة، خصوصاً بلاد الشام، والاحتفاظ بأجزاء هامة من الأراضي السورية وضمها إلى الدولة العبرية الصهيونية أولاً، وتحجيم الدور الإقليمي السوري من خلال فصل المسارين الفلسطيني واللبناني وتفتيتهما وعزلهما نهائياً عن بعدهما القومي العربي، والسوري منه على وجه الخصوص ثانياً.

 وعلى هذا الأساس يخطىء من يعتقد بأن فشل الجولات الماراتونية من المفاوضات السورية/الإسرائيلية في شبيردزتاون ووصولها إلى الطريق المسدود، تم نتيجة التباين على مساحة بضعة أمتار مربعة من الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا فقط. فأساس الفشل يعود إلى الأهداف المضمرة الأبعد التي أرادتها إسرائيل في المفاوضات من خلال تقزيم الدور الإقليمي لسوريا وتحييدها عن الملفين الفلسطيني واللبناني، وفرض الاشتراطات الأمنية الثقيلة عليها تحت عنوان "ترتيبات مابعد السلام"، وبما يحد من سيادتها الوطنية، وينتقص منها.

وبالرغم من وقوع تحولات لاحقة، ودخول تركيا على خط المفاوضات غير المباشرة بين سورية ودولة الاحتلال، الا ان الأمور انتهت كما هو معروف الى الجدار المسدود مرة ثانية، وللأسباب ذاتها، وبذا تعطلت الجهود التركية وانتهت عمل القناة الخلفية برعاية أنقرة.

إن الصمت المطبق/ومناخ التسوية المكفهر الذي يخيم فوق مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وعلى مجمل المسار التفاوضي السوري/الإسرائيلي منذ سنوات، في ظل عملية سلام مختلة، ومتعثرة، لا أفقاً مرئياً لها، يشي بأن الأمور مازالت على سكة البداية بالنسبة لمصير عملية التسوية والسلام الشامل المنشود في الشرق الأوسط، بالرغم من انقضاء مايقارب من عقدين من الزمن على انطلاقها عشية مؤتمر مدريد في 30/10/1991. ويشير أيضاً إلى الكم الهائل من التعارضات والتناقضات بين الطرفين المعنيين السوري والإسرائيلي، بين سلام "قوة الحق" وسلام "حق القوة"، تماماً كما يجري الآن فوق الأرض الفلسطينية، حيث اصطدم منطق القوة الإسرائيلي الصهيوني مع إرادة الشعب الفلسطيني في كفاحه انتفاضته التي دقت أبواب التاريخ المعاصر للبشرية بأسرها، كأكبر حركة فعل ديمقراطي تحرري في الزمن الراهن. 

تفاصيل

إن من يتابع ملف المفاوضات على المسار السوري/الإسرائيلي منذ البدايت الأولى لعملية التفاوض التي استلدها مؤتمر مدريد، يدرك حجم التعقيدات الهائلة التي تكتنف هذا المسار، وتعترض وتقف أمام إمكانية إحداث اختراقات جوهرية في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بالرغم عن ما تردد أكثر من مرة عن تفاهم واتفاق "سوري/إسرائيلي" على أكثر من (80%) من عناصر القضايا المطروحة أثناء فترة اسحق رابين في رئاسته للحكومة الإسرائيلية قبيل مقتله نهاية العام 1995، مع استعصاء واضح دار ومازال حول مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضي المرتفعات السورية المحتلة طبقاً لمرجعية الشرعية الدولية، نتيجة خلافات جوهرية في تحديد خط الرابع من حزيران / يونيو لعام 1967. فضلاً عن أن المشاكل التي تكتنف هذا المسار التفاوضي لا تقتصر على تلك المتعلقة بالطرفين حصراً، بل إنها تتداخل مع قضايا الحلول والمفاوضات على باقي المسارات، والدور الإقليمي اللاحق لسوريا واسرائيل على حد سواء، بل وتتجاوز ذلك لتشمل تركيبة صياغة المنطقة بأكملها.

ومنذ البداية رواحت الأمور مكانها، الا أن الانطلاقة الفعلية التفاوضية على المسارالسوري/الاسرائيلي، تمت مع حكومة اسحق رابين/شيمون بيريس ومن بعدها حكومة بنيامين نتنياهو الأولى التي بنت تكتيكها التفاوضي على عدة دعائم وتوجهات، وقدمتها بصيغة اقتراحات ثلاث تتناقض مع المرجعية الدولية وقراراتها ذات الصلة، وتقفز عن متطلبات واستحقاقات السلام الشامل، وتنقلت في فحواها من تكتيك : "طبيعة السلام وعمقه يحدد عمق الانسحاب ومداه" الذي يعني هنا بلغة فاقعة، صريحة، وواضحة : معاهدة سلام ثنائية سورية ولبنانية / إسرائيلية، والتطبيع الكامل للعلاقات المشتركة، وافتتاح السفارات وتبادل الاعتراف الدبلوماسي، إضافة إلى سريان مفعول الحدود الاقتصادية المفتوحة، وحرية تنقل رأس المال والأفراد، والسياحة المشتركة، فضلاًعن التطبيع والعلاقات الدبلوماسية مع باقي البلاد العربية.

كما تنقلت في جولات أخرى من تكتيك "انسحاب من الجولان" وليس "الانسحاب من الجولان" إلى "انسحاب في الجولان ". حيث كان اسحق رابين يريد إبقاء ملف عمق الانسحاب معلقاً إذا ارتبط بحدود (4 حزيران / يونيو 1967) والاندفاع بالسرعة الممكنة للانتهاء من الملفات الأخرى : الترتيبات الأمنية المتبادلة، الجداول الزمنية للانسحاب الإسرائيلي من أراض في الهضبة، عمق السلام ومضمونه، حدود مفتوحة وعلاقات دبلوماسية وتجارية كاملة.

وبوضوح تام، يمكن القول بأن استراتيجية وتكتيك حكومة رابين التفاوضي قام على قاعدة التفاوض على كل شيء من الترتيبات الأمنية المتبادلة إلى عمق السلام بشرط ترك مسألة عمق الانسحاب الإسرائيلي من الهضبة، معلقة، غامضة، حماّلة اوجه. وكرر سلفه من حزب العمل أيهود باراك ذات التكتيك بالرغم من الوديعة التي كانت قد قدمت من قبل رابين للإدارة الأمريكية بشأن الانسحاب الكامل حتى حدود 4 حزيران/ يونيو1967.

وكررت حكومة أيهود باراك الائتلافية التي جاءت بعد حكومة بنيامين نتنياهو الأولى ذات التوجهات العمالية ـ نسبة لحزب العمل الإسرائيلي ـ كما اتضح في جولتي مفاوضات شبردزتاون التي راوحت بصدد المسار السوري/الإسرائيلي مكانها وخيبت آمال المراهنين على تنازلات "مؤلمة" من قبل سورية تمس سيادتها وأمنها الوطني. فالمفاوضات السورية / الإسرائيلية بجولاتها الماراتونية التي قطعت أزماناً متباعدة راوحت في محصلتها النهائية عند حدود الخيارات الثلاث التالية التي قدمها الطرف الإسرائيلي وقوبلت بالرفض السوري بالرغم من تدخل وضغوط الطرف الأمريكي :

                         ·                   الانسحاب إلى الحدود الانتدابية بين فلسطين وسوريا الحالية ـ أي إلى خط تعديل "نيوكمبوليه" أو مايعرف بحدود آذار/مارس 1923 التي رسمها الاستعماران الفرنسي والبريطاني بين كل من سوريا الحالية ـ ليست سوريا الطبيعية ـ وفلسطين وفق خرائط سايكس/بيكو وتعديلاتها اللاحقة، كما هي الحال في اتفاقات كامب ديفيد الأولى يين مصر والدولة العبرية، ما يعني انسحاباً "في الجولان" وليس "من الجولان"، وبذا فان إسرائيل سعت في هذه الصيغة إلى تقديم نفسها باعتبارها "الوريث الشرعي الوحيد لفلسطين الانتدابية" الأمر الذي يوفر لها إمكانية ضم أجزاء واسعة من هضبة الجولان، وتحديداً المناطق المسماة بـ "الجولان الفلسطيني" بما فيها مدينة الحمة وكامل الشاطىء الشرقي لبحيرة طبريا، وهي المناطق الغنية والنافعة من أرض الجولان. وتستند إسرائيل في دعواها السابقة إلى اتفاقيات كامب ديفيد الأولى الموقعة مع مصر كمثال حي، عندما انسحبت القوات الإسرائيلية إلى الخط الدولي بين فلسطين الانتدابية والدولة العبرية تاركة قطاع غزة تحت سيطرتها، وأكثر من ذلك كانت الدولة العبرية قد احتفظت بشريط طويل من الأراضي المصرية من رفح حتى مثلث أم الرشراش/ايلات، كانت قد سيطرت عليه اثرعملية عوبدا عام 1949 بمساحة تساوي 1,5 من مساحة هضبة الجولان السورية المحتلة.

                         ·                   مبادلة أرض بأرض ، وتأجير أجزاء من الأرض، بما في ذلك ضمان تدفق مياه الجولان إلى الدولة العبرية، وفي هذا تقدم إسرائيل نموذج اتفاق وادي عربة مع الأردن في 1/11/1994، حيث تم تأجير أراض وضم بعضها وإلحاقها بمستوطنة كيبوتس أشدود يعقوب بمساحة تمتد على 120 كيلو متراً مربعاً في الغور الشمالي، منها 7,5 كيلومتراً مربعاً في منطقة الباقورة عند ملتقى نهري الأردن واليرموك ذات المخزون الجوفي الكبير من الماء العذب، حيث نصت المادة الثالثة من البندين الثامن والتاسع من نصوص معاهدة وادي عربة على استبعاد تطبيق التشريعات الأردنية بشأن المتصرفين بالأرض المستأجرة أو مستخدميها، كما في السماح بدخول قوات الاحتلال إليها بشكل دائم. وعليه فان الطرف الإسرائيلي اقترح على سوريا ترسيم حدود جديدة ليست هي حدود 4 حزيران / يونيو 1967 وليست أيضاً هي حدود آذار /مارس 1923، بل حدود جديدة تضمن لإسرائيل المياه والأمن والسيطرة على الجولان الفلسطيني والمناطق الحيوية من الهضبة السورية المحتلة، وبحيث تمنع الوصول السوري إلى أي من أجزاء شريط بحيرة طبريا، وبالتالي تفقد سوريا حقها الطبيعي في التشاطؤ مع بحيرة طبريا والاستفادة من ثرواته المائية والسمكية، وتبعد السيادة السورية عن السيطرة على منابع المياه عند أقدام جبل حرمون / الشيخ الجنوبية الغربية أقصى شمالي الهضبة.

                         ·                   الاقتراح الثالث وهو الأسوأ، حيث ينطلق من اعتبار أن أرض الجولان "أرضاً متنازع عليها" يجرى التفاوض بشأنها مع سوريا. تحت شعار الضرورات الأمنية والمائية والاستراتيجية للدولة العبرية. كما جاء في اتفاق أوسلو في 13/9/1993 حيث اعتبرت أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أراضٍ متنازع عليها ـ مع ملاحظة أن ما جرى في اوسلو ما زال اتفاقا ولم يصل إلى معاهدة ـ . واستتبعت حكومة بنيامين نتنياهو هذا الموقف بقرار اتخذ في الكنيست الإسرائيلي يجعل الانسحاب من الجولان منوطاً بموافقة أكثر من ثمانين عضواً من أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضواً.

وبالمحصلة يمكن القول : بالاقتراحات التفاوضية السابقة أعلاه ونتائجها قادت حكومات رابين – بيريس – نتنياهو – ومن بعدها حكومة أيهود باراك المفاوضات مع سوريا وتنقلت من تكتيك إلى تكتيك يمثل بمضمونه فحوى نماذج تفاوضية سابقة وقعت مع كل من مصر، الطرف الفلسطيني، الأردن : كامب ديفيد – أوسلو - وادي عربة على الترتيب.

بينما تمحور الموقف السوري على المضامين التي تؤسس لسلام الشرعية الدولية، بالإصرار على الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خطوط الرابع من حزيران لعام 1967عملاً بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبورقة الدعوة إلى مؤتمر مدريد، وتفكيك المستعمرات التهويدية ورحيل المستوطنين. ورفض الصيغ التي تواتر الحديث الإعلامي بشأنها، من نمط الانسحاب إلى خط 4 حزيران / يونيو لعام 1967 مقابل اخضاع بحيرة طبريا لتحكيم دولي على غرار مسألة طابا المصرية ـ التي حلت على يد لجنة تحكيم دولية عملت على امتداد أكثر من عشر سنوات ـ أو خيار الانسحاب إلى الخط ذاته على أساس الاستفادة والسيطرة الإسرائيلية على مياه الجولان مقابل تعويض سوريا بزيادة منسوب المياه التي تصلها من تركيا عبر نهري الفرات ودجلة.

كما في رفض المقاربة مع النماذج التفاوضية السابقة بين بعض البلدان العربية واسرائيل في : كامب ديفيد – أوسلو – وادي عربة، ما يعني رفض صيغة الحدود الدولية الانتدابية باعتبار أن هذه الصيغة منافية للقانون الدولي وتكرس الدولة العبرية كوريث شرعي لفلسطين الانتدابية نقيضا للواقع التاريخي من جانب، وللقرار الدولي الرقم 181 الذي حدد مساحة وحدود الدولة العبرية بسكانها اليهود والعرب / دولة مختلطة، ودولة عربية فلسطينية على الجزء الآخر من فلسطين التاريخية من جانب أخر. وفي هذا السياق يمكن القول بأن تقديم رابين وديعة للإدارة الأمريكية بالانسحاب إلى خطوط 4 حزيران / يونيو 1967 جاء نتيجة الموقف المتماسك للنهج التفاوضي لسوريا، وانسجاماً مع الموقف السوري الداعي لمفاوضات الشرعية الدولية، إلا أن الوقائع أثبتت بأن هذه الوديعة لم تكن كذلك بل خديعة جاءت في سياق التكتيك الإسرائيلي.

وفي هذا السياق أيضاً يمكن التعرض قليلاً لمقدمات ماعرف باسم "مفاوضات شبردزتاون" التي عقدت قرب ولاية وست فرجينيا في الولايات المتحدة، وما نتج عنها باعتبارها محطة مفصلية حدثت في اطار المفاوضات على المسار السوري/الإسرائيلي.

فمع مجيء بنيامين نتنياهو إلى سدة السلطة ورئاسة الوزارة في إسرائيل في أيار/مايو1996 بدأت من جديد الاستعصاءات تظهر على المسار السوري – الإسرائيلي. فنتنياهو رفض منذ البداية العودة إلى المفاوضات عند النقطة التي توقفت أثناء مفاوضات المسار السوري – الإسرائيلي زمن حزب العمل. واستتبع نتنياهو هذا الرفض بإصراره على رفض الحديث حول حدود الرابع من حزيران / يونيو لعام 1967، ومازال موقف أرييل شارون الذي صعد إلى رئاسة الحكومة في انتخابات شباط / فبراير 2001 يراوح عند هذه المواقف، حيث كان قد كرر القول مراراً منذ العام 1977 أثناء المخاضات التي أوصلت الى اتفاقية كامب ديفيد الأولى، بأن " الجولان جزء لايتجزأ من إسرائيل، ولاتوجد أية توصية بإعادته كلياً أو جزئياً إلى سوريا.

ومع ذلك لم يكن ليتوقف مكوك المفاوضات عبر الرسل الأمريكية من خلال جولات وزير الخارجية الأمريكية وارن كريستوفر، ووزيرة الخارجية التي تلته في الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، والمنسق السياسي الأمريكي في الشرق الأوسط آنذاك دنيس روس، وفي كل مرحلة لاحت فيها فرص التفاوض الإيجابي والبناء مع سوريا كانت الأمور تعود من جديد إلى نقطة الصفر بالرغم من أن نتنياهو بعث برسائل شفوية تضمنت استعداده لتقديم تنازلات ملموسة في الجولان، لكنه بذات الوقت لم يعترف بأي التـزام توصلت إليه الحكومة العمالية مع سوريا.

وفي السابع من كانون أول / ديسمبر 1999 أعلنت سوريا وأبلغت الرئيس الأمريكي في حينها بيل كلينتون عن استعدادها لمعاودة مباحثات السلام مع إسرائيل حيث كانت وزيرة الخارجية الأمريكية زمن الرئيس كلينتون مادلين أولبرايت قد أتمت مباحثاتها في المنطقة، وتركزت على تحقيق هدف رئيس معلن لتحريك قطار التسوية على المسار السوري / الإسرائيلي المتوقف منذ فترة طويلة فوق مرتفعات الجولان. لكن قبل ذلك يلاحظ بان المفاوضات لم تستأنف إلا بعد نشر قصة ما اصبح يعرف "وديعة رابين".

الإدارة الأمريكية وباعتبارها في قلب الحدث قدمت من خلال الرئيس كلينتون وثيقة عمل أعدها الخبراء واللجان المختصة من الجانب الأمريكي وسلمت من قبل كلينتون إلى الطرفين السوري والاسرائيلي نهاية العام 1999. والوثيقة تلخص القضايا التي يجب أن تتخذ القرارات بشأنها، خصوصاً القضايا الخلافية. وتعتبر الوثيقة كأسلوب إجرائي اعتادت الإدارة الأمريكية على اتباعه عند تعاطيها مع مختلف قضايا وبؤر الصراع. كما تضمنت الوثيقة الأمريكية تقويما أمريكياً بما حصل بالمفاوضات الثنائية منذ مطلع عام 1996، ونتائج الاتصالات التي لم تتوقف عبر الإدارة الأمريكية.

الوثيقة الأمريكية لاقت ملاحظات سورية وإسرائيلية ليست باليسيرة، وعندما قامت حكومة باراك بنشر الوثيقة الأمريكية بتعديلاتها الإسرائيلية على صفحات بعض المطبوعات الإسرائيلية، اندلعت حرب الوثائق حيث قامت سوريا بنشر النص الحرفي للصيغة السورية وفق التعديلات التي أجريت على الوثيقة الأمريكية، واتضح بأن نشر الصيغة السورية كان ضرورة لا بد منها أمام الصيغة الإسرائيلية التي سربت إسرائيليا ونشرت عبر وسائل الإعلام العالمية، وقدمت الموقف وكأن الطرف السوري قد قبل بالتنازلات مقابل موافقة الدولة العبرية على العودة إلى طاولة المفاوضات.

تمحورت الخلافات والتباينات السورية/الإسرائيلية على ورقة/وثيقة العمل الأمريكية بالنقاط التالية :

                         ·                   الحدود : فالتعديلات السورية تتحدث عن الانسحاب الكامل إلى خط الرابع من حزيران لعام 1967 استناداً إلى مبادىء الحق والقانون والشرعية الدولية، وإزالة الاحتلال بكافة مظاهره وما ينتقص من الانسحاب الشامل. كما اعتبرت سوريا في تعديلاتها بأن الانسحاب الكامل أمر غير خاضع للتفاوض مبدئياً في حين أبدت استعدادها لابداء المرونة في بعض المسائل، وربطت التقدم في مناقشة القضايا الباقية رهناً بتحقيق التقدم بمسألة الانسحاب الشامل، بينما الموقف الإسرائيلي في الورقة المعدلة يبدو غائماً حين يدعو إلى إنشاء لجنة حدود مشتركة منطلقاً من القول بأن خط الرابع من حزيران / يونيو 1967 لايمثل خط حدود بل خط قوات تمركزت على امتداده عشية الحرب، وضمان العيش بسلام ضمن حدود " آمنة ومعترف بها " وعلى أساس تعديلات على خطوط الانتداب البريطاني لعام 1923 التي تفصل بين سوريا الحالية وفلسطين. وبالنتيجة فان الموقف الإسرائيلي يقرر بأن "عمق الانسحاب يتحدد على انطلاقاً من عمق التطبيع"، وأن مدايات الانسحاب الإسرائيلي ستصل في أحسن حالاتها بإعادة 98% من الجولان إلى سوريا مع الاحتفاظ بشريط عرضه 500 متر بمحاذاة بحيرة طبريا، وشريط عرضه 800 متر بمحاذاة نهر الأردن.

                         ·                    إلغاء المقاطعة : أشارت التعديلات الإسرائيلية لضرورة إلغاء الطرفين للمقاطعة بكافة أشكالها خصوصاً الاقتصادية منها، بينما لم تشر سورية إلى هذا الموضوع باعتباره موضوعاً مبكراً وسابقاً لأوانه، ولايمكن الحديث بشأنه قبل إقرار وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الهضبة السورية المحتلة.

                         ·                   الإنذار المبكر في جبل الشيخ : أشارت التعديلات السورية إلى محطة إنذار مبكر مؤقته لمدة خمس سنوات، تشغل من قبل الأمريكيين والفرنسيين وجهات دولية مختلفة ودون أي تواجد إسرائيلي، بينما أشار الموقف الإسرائيلي في تعديلاته إلى نشر أجهزة ووسائط الإنذار المبكر، بما في ذلك محطة إنذار مبكر في جبل الشيخ وبوجود إسرائيلي فاعل إلى جانب الطرف الأمريكي فقط.

                         ·                   الإجراءات الأمنية : تحدثت سوريا عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لعدم انطلاق أي أعمال من سوريا، وربطت هذا الأمر بضرورة التوازي والتكافؤ ودون انتقاص من السيادة الوطنية لسوريا، وربطت وبشكل ملفت مجموع الإجراءات الأمنية بإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. بينما تحدثت التعديلات الإسرائيلية عن التعهد بالامتناع من التعاون مع أي طرف ثالث في عمل معاد ذي طبيعة عسكرية، ولم تشر هذه التعديلات إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين حيث أكثر من نصف مليون لاجىء فلسطيني فوق الأراضي السورية منذ العام 1948. وتحدثت الورقة الإسرائيلية عن الامتناع عن عمليات التنظيم وإثارة التحريض، وضرورة اتخاذ إجراءات فاعلة بمنعها ـ والمقصود في هذا اللاجئيين الفلسطينيين المقيمين في سوريا منذ عام النكبة ـ .

                         ·                   طبيعة العلاقات : تحدثت التعديلات السورية على الورقة الأمريكية عن علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية وعلاقات سياحية. بينما دعت التعديلات الإسرائيلية إلى علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية مع تعاون في مجالات : النقل، الطيران، المرافىء، سكك الحديد، الاتصالات السلكية واللاسلكية … الخ.

                         ·                   المياه : تحدثت التعديلات السورية عن حل المسالة المائية استناداً إلى مبادىء القانون الدولي، كما وتشكيل لجنة فنية مشتركة تحت إشراف الأمم المتحدة. بينما طلبت إسرائيل استمرار سيطرتها على كامل المياه في المناطق التي ستجلوعنها، مع منع تلويث بحيرة طبريا ونهر الأردن الأعلى. كما في تشكيل لجنة مياه مشتركة ومجلس إداري مشترك من الطرفين.

                         ·                   الملاحق : أرفقت التعديلات السورية ملاحق تضمنت : الحدود ، الخرائط ، المنطقة منـزوعة السلاح، صنوف الأسلحة، المراقبة الفضائية، المياه، ملحق اللجنة الفنية لإدارة المياه. بينما أرفقت إسرائيل تسعة ملاحق : خريطة الحدود المقترحة، اللجنة الحدودية، عدد القوات على جانبي الخط وعند الطرفين، التسلح، عمل محطة الإنذار، لجنة التنسيق الأمنية، لجنة المياه. 

وبذا فالوثيقة الأمريكية لمعاهدة السلام بين سورية وإسرائيل لم تكن أكثر من مشروع مطروح للمناقشة على طاولة المفاوضات، ولكن هذا لا يحول دون إبراز أهمية هذه الوثيقة بقدر ما ترسم الإطار العام للاتفاق اللاحق ، وبقدر ماتشير إلى نقاط الاتفاق والخلاف معاً.

إن صيغة التعديلات السورية لهذه الوثيقة الأمريكية، والإضافات التي تضمنتها تشكل الضمانات الأساسية التي تحاول سوريا من خلالها أن ترسي حقوقها دون أي تنازل، خاصة مع الدور الإسرائيلي الطموح لتهميش موقع سوريا الإقليمي بعد إنجاز التسوية وتقزيم دورها. فالاشتراطات الإسرائيلية الثقيلة على مسار التسوية مع سوريا يراد منها استيعاب الأخيرة استراتيجياً وتحجيم إن لم نقل تحطيم دورها الإقليمي، بينما يدرك صناع القرار والموقف في سوريا بأن لا فصل بين استعادة الأرض والدور الإقليمي، وعودة كيلومترات مربعة من الأرض تفصل بين خط 4 حزيران / يونيو 1967 وخط 1923 لا يقايض بها خسارة مئات الكيلومترات من مستقبل سوريا ودورها اللاحق على المستويين العربي والاقليمي.

 ويلحظ بأن الصيغة السورية حرصت على تظهير كلمة الانسحاب إلى خط 4/6/1967، واستخدام عبارة علاقات حسن الجوار بدلاً من علاقات التعاون أو الصداقة أو تطوير العلاقات. وأشارت الصيغة السورية إلى ضرورة اللجوء عند حل النـزاعات إلى التحكيم الدولي ومحكمة العدل الدولية. كما حرصت على أن تكون الترتيبات الأمنية متساوية ومتقابلة ومتبادلة ومتكافئة. وتجنبت الإشارة إلى التدفق الحر بين البضائع والخدمات، وأوردت فقرة أخرى لها مغزى آخر "اتخاذ التدابير التي تسهل حركة البضائع والأشخاص وفق القوانين والأنظمة النافذة".

ومع الموقف السوري الذي أعلن عن تأجيل الجولة الثالثة في حينها/وهو ما أفضى إلى كونه إعلاناً غير رسمي عن تجميد المفاوضات مرة أخرى إلى أن تقدم إسرائيل التعهد المطلوب والخطي تجاه مسالة الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط الرابع من حزيران / 1967. فان وقف و/ أو تجميد العملية التفاوضية يعتبر تفاوضاً بحد ذاته ويظهر السياسة السورية بموقفها الصريح الهادف إلى تنفيذ خيارها الاستراتيجي الكامل في المرحلة الراهنة لتحرير كل الأراضي السورية المحتلة عام 1967 حتى خط الرابع من حزيران وفق منطوق قرارت الشرعية الدولية التي تشكل في الراهن وبالأفق المرئي خطوط التسوية المتوازنة والحلول الوسط أمام معادلات القوة والتداخلات الإقليمية والدولية في صراع الشرق الأوسط بين شعوب ودول المنطقة والدولة العبرية الكولونيالية التوسعية.

أخيراً، ان ماحصل عبر القناة الخلفية التركية، لم يحمل معه الجديد، فقد كانت القناة التركية قناة اشغال وتقطيع للوقت، فعادت الأمور الى نقطة الصفر مرة ثانية.



انشر عبر