شريط الأخبار

طريق للانتحار السياسي..علي جرادات

12:52 - 04 حزيران / أغسطس 2010

طريق للانتحار السياسي..علي جرادات  

بعد بلوغ الصلف الإسرائيلي زباه، وبعد تجاوز سفور الانحياز الأميركي للصلف الإسرائيلي كل حد، كانت لجنة المتابعة العربية في اجتماع السابع والعشرين من شهر تموز الماضي، أمام خيارين لا ثالث لهما، إما مجاراة الضغوط، بل الإنذارات الأميركية، بصرف النظر عن أشكال التسويق، وإما الذهاب بالقضية إلى الهيئات الدولية رغم إنذار الإدارة الأميركية بأنها ستستخدم حقها بالنقض (الفيتو).

لم يكن لعارف بألف باء واقع النظام الرسمي العربي الغارق حتى أذنيه في عجزه وتآكله وانقساماته الداخلية....أن يتوقع اتخاذ لجنة المتابعة العربية قراراً بالتمرد الكامل على الضغوط والإنذارات الأميركية، لكن في نفس الوقت، فإنه يصعب على المرء استيعاب عدم إقدام مركز القرار الرسمي العربي على استخدام ولو الحد الأدنى من أوراقه في مواجهة الإنذارات الأميركية، وكأن العرب أصبحوا بلا حول ولا قوة، وهو الأمر الذي لا يمكن تصديقه فعلاً.

والأنكى، أنه فيما يحرص الإسرائيليون بدعم أميركي على التعامل مع ملفات المنطقة ضمن خطة محكمة، تلحظ ما بين هذه الملفات من تشابك واقعي، يمعن النظام الرسمي العربي في تجزئة قضاياه، إذ هل يخفى على عاقل الترابط بين الدفع الأميركي الإسرائيلي بلبنان إلى هاوية الفتنة الداخلية، وبين دفع الفلسطينيين مرة أخرى إلى جحيم مفاوضات ثنائية مباشرة، جرى تجريبها على مدار عشرين عاماً، ولم تسفر عن نتيجة، اللهم عن تكريس المزيد من وقائع الرؤية الإسرائيلية على الأرض، وعن المزيد من عناوين التآكل في الموقفين العربي والفلسطيني؟؟!!!

لو كان هذا الترابط القائم في الواقع وفي الخطة الأميركية الإسرائيلية قائماً في عقل مركز القرار الرسمي العربي، لكان العرب تداعوا إلى عقد قمة عربية طارئة، أو في أقله، لكانت عقدت قمة للنافذ من الدول العربية، ولكان انصب البحث على إجراء مراجعة شاملة لمسيرة عشرين عاماً من التفاوض العبثي الثنائي المباشر، فضلاً عن بحث راهن الحالة العربية والمخاطر المحدقة بالعديد من بلدانها، خاصة في ظل موقف إسرائيلي تجاوز كل حد في صلفه، وتقوده حكومة من أكثر الحكومات الإسرائيلية تشدداً وعنجهية وعدوانية. الحكومة التي يقودها نتنياهو صاحب نظرية: إن الضغط هو أفضل طريقة للتعامل مع العرب، لأنهم يرضخون. وللتذكير، فقد كان نتنياهو قد أفصح عن هذه النظرة العنصرية المقرفة علنا في كتابه "تحت الشمس"، فما بالكم حين يلتئم شمل هكذا نظرية مع موقف ثاني أحزاب حكومة نتنياهو نفوذا، أي حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة ليبرمان، الذي يطرح رؤيته حول التبادل الجغرافي والسكاني صراحة وعلنا.

بلى، إن بلوغ القضية الفلسطينية أخطر مراحلها، بعد عشرين عاما من المفاوضات العبثية، وثبوت انسداد أفق إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي يلبي ولو الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، كان يتطلب مستوى أعلى وأعمق من البحث الذي قامت به، (على عجل)، لجنة المتابعة العربية، التي (للأسف) سلكت أسهل الطرق، أي دفع الفلسطينيين إلى الجحيم مرة أخرى، جحيم طريق تجديد الرهان على الرعاية الأميركية، بل وحتى دون محاولة الحصول على ضمانات، ولو شفوية، وذلك انطلاقاً من المقولة التضليلية القائلة: يقبل الأخوة العرب ما يقبل به الأخوة الفلسطينيون.

عليه، وعلى ضوء موافقة لجنة المتابعة العربية على مبدأ ذهاب الفلسطينيين إلى المفاوضات الثنائية المباشرة، وبصرف النظر عن "تقليعة" ترك التوقيت للفلسطينيين، يكون مركز القرار الرسمي العربي قد انصاع مرة أخرى للصلف الإسرائيلي، ومن خلفه الضغط الأميركي. وبالتالي فإن بدء هذه المفاوضات تغدو مسألة وقت لا أكثر ولا أقل. ولعل هذا ما يفسر تركيز الجدل الرسمي الفلسطيني الداخلي على الخيارات الثلاثة التالية:

أولاً: خيار المطالبة بضمانة أميركية تكفل تعهدا إسرائيليا بتحديد حدود الرابع من حزيران كمرجعية للمفاوضات ووقف شامل للأنشطة الاستيطانية.

ثانياً: خيار المطالبة بضمانة من اللجنة الرباعية تكفل ذات التعهد الإسرائيلي الوارد في البند الأول.

ثالثا: خيار الذهاب إلى المفاوضات المباشرة شريطة أن يسبقها لقاء ثلاثي أميركي فلسطيني إسرائيلي، يحدد أسس ومرجعيات عملية المفاوضات.

لكن ما دامت لجنة المتابعة العربية قد وافقت على ذهاب الفلسطينيين إلى المفاوضات المباشرة دون تحديد أية شروط، فإن المطالبة الفلسطينية بالخيارين الأول والثاني لن تكون أكثر من مقدمات للذهاب إلى الخيار الثالث الذي يعني الاندراج عملياً في المفاوضات المباشرة، بل أكثر من ذلك، فإن نتنياهو يصر على أن تقتصر أجندة اللقاء التمهيدي الثلاثي، (في حال حصوله)، على الأمور الإجرائية، وليس على تحديد المرجعيات والأسس، ما يعني السير في الطريق التي رسمتها حكومة نتنياهو-ليبرمان، ودفعت باتجاهها إدارة أوباما، أي طريق التغطية على إجراءات الاستيطان والتهويد والحصار.... الجارية على الأرض على قدم وساق، بعملية مفاوضات عبثية عقيمة. وبكلمات إنها طريق الانتحار السياسي للفلسطينيين، ناهيك عن أنها طريق من الموسيقى التصويرية للتغطية على ما يجري الإعداد له في أروقة البنتاغون ووزارة الدفاع الإسرائيلية من مخططات حربية، يرجح المحللون والمراقبون اشتعال شراراتها، ذلك بصرف النظر عن سؤال متى وأين تقع؟؟؟

خلاصة القول: برغم ما وشى به قرار لجنة المتابعة العربية من تآكل ووهنٍ في الموقف الرسمي العربي، ومع كل الإدراك للانعكاسات السلبية لمثل هذا الموقف على الصعيد الفلسطيني، إلا أن إقدام الفلسطينيين على السير فيما يدفعهم إليه الأشقاء العرب، سيكون ذا نتائج كارثية، هي أعلى بكثير من المردودات السلبية لطريق رفض الانصياع للصلف الإسرائيلي المسنود أميركيا، ومغطى (مع الأسف) بموقف رسمي عربي عاجز، كما جرى التعبير عنه في موقف لجنة المتابعة العربية. فالعودة إلى جحيم المفاوضات الثنائية المباشرة هذه المرة لا يعني مجرد المزيد من التآكل في الموقف الفلسطيني فقط، بل يعني أيضا التغطية على ما يخطط للقضية الفلسطينية من حلول تصفوية، لعل أبرز عناوينها الدفع العملي باتجاه تثبيت رؤية الدولة ذات الحدود المؤقتة، بل وربما أكثر من ذلك، أعني فرضَ العودة بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى ما كانت عليه قبل احتلالها مع احتفاظ الإسرائيليين بما كرسوه عليها من وقائع.

بلى، إن طريق العودة لجحيم المفاوضات الثنائية المباشرة، هي طريق للانتحار السياسي للفلسطينيين وقضيتهم وحقوقهم.

-عن الأيام المحلية

انشر عبر