شريط الأخبار

جيش لبنان يحرج الأنظمة العربية... عبد الباري عطوان

08:16 - 04 حزيران / أغسطس 2010

جيش لبنان يحرج الأنظمة العربية!!

 

عبد الباري عطوان

 

من لبنان تأتي دائما المفاجآت السارة للأمة العربية، فهذا البلد الصغير في حجمه الكبير في انجازاته وانتصاراته لا يتورع مطلقا عن تقديم سوابق في الصمود والمقاومة والذود عن كرامته وأرضه، وما حدث بالأمس على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، من مواجهة عسكرية مسلحة هو الدليل الدامغ في هذا الصدد.

دورية عسكرية إسرائيلية أقدمت على عمل استفزازي باختراقها الحدود اللبنانية لقلع أشجار بهدف تركيب كاميرات مراقبة، فتصدى لها الجيش اللبناني، الذي يوصف بأنه اضعف الجيوش العربية على الإطلاق، وأوقع في صفوفها قتلى وجرحى بينهم ضابط كبير برتبة مقدم.

منذ ثلاثين عاما أو أكثر لم نسمع أن جيشا عربيا تصدى لأي انتهاك إسرائيلي لأرض عربية، فقد تعودت الطائرات والدبابات الإسرائيلية ان تقصف مواقع في العمق العربي، او تجتاز الحدود، وتقتل وتدمر كيفما تشاء دون إن تطلق عليها طلقة واحدة.

' ' '

الجيش اللبناني غير هذه المعادلة، واثبت انه، رغم فقر تسليحه وتواضعه، لا يقبل اي انتهاك لسيادة بلده، أو أي تعد على حرمة ترابه الوطني وتصدى بشجاعة وبطولة لهذا العدوان المتغطرس.

والاهم من ذلك أن قيادة هذا الجيش لم تتردد مطلقا في إصدار بيان يؤكد أن قواتها هي التي بادرت بإطلاق النار، دفاعا عن النفس والكرامة الوطنية، أي أنها لم تحاول أن تتهرب من المسؤولية، من خلال صياغة غامضة لبيانها. وهذه لغة غير مسبوقة، أو بالأحرى منقرضة لم نسمع مثلها منذ حرب العاشر من اكتوبر رمضان عام 1973، أي مرحلة ما قبل 'سلام الشجعان'.

وكان من الطبيعي أن يعبر المتحدث الرسمي الإسرائيلي عن دهشته من مواجهة الجيش اللبناني للدورية الإسرائيلية المذكورة، فقد تعود الإسرائيليون على انتهاك الحدود والأجواء العربية ليل نهار وهم مطمئنون على ان انتهاكاتهم هذه ستمر دون اي رد، حيث ينظر قادة الجيوش العربية المزدحمة صدورهم بالأوسمة والنياشين إلى الناحية الأخرى، وتحت شعارات التحلي بضبط النفس، وتفويت الفرصة على العدو لجرهم إلى معركة او حرب هم غير مستعدين لها.

الجيش اللبناني لم يهاجم "إسرائيل"، ولم يطلق الصواريخ على مستعمراتها، ولكنه مارس حقه المشروع في كل القوانين الدولية، في الدفاع عن النفس، والتصدي لعدوان استهدف أرضه، وهذا من صميم واجباته، وأسباب وجوده. فما فائدة الجيوش إذن، وما فائدة اقتطاع الملايين أو المليارات من قوت الشعب لتأسيسها وتسليحها إذا لا تقوم بمهامها في الدفاع عن كرامة شعبها وأمتها.

ومن المفارقة أن "إسرائيل" هرعت إلى مجلس الأمن الدولي طالبة عقد جلسة طارئة لبحث هذا الاعتداء اللبناني، في خطوة تعكس بجلاء حجم الوقاحة الإسرائيلية في أبشع صورها وأشكالها، مثلما تعكس أيضا عملية التغيير الكبرى في المعادلات التي تحكم موازين القوى والفعل في المنطقة، منذ تراجع مكانة الأنظمة، وتقدم مكانة المقاومات الشعبية، في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان.

لقد انقلبت الآية، فقد تعودنا أن تهرع الأنظمة العربية إلى مجلس الأمن الدولي شاكية من الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، لتجد 'الفيتو' الأمريكي يقف لها بالمرصاد، ومشهرا في وجهها دفاعا عن هذا العدوان، الآن وبفعل انتفاضة الكرامة اللبنانية هذه أصبحت "إسرائيل" هي التي تشتكي، تشتكي من الجيش اللبناني، مثلما اشتكت من قبلها من صواريخ القسام التي انطلقت من قطاع غزة لتضرب مستوطنة سيدروت مرة أخرى.

هل نحن في حلم.. لا يمكن ان نصدق اعيننا، انها إحدى علامات الساعة، أو إحدى إرهاصات التغيير الزاحف الى المنطقة، وعنوانه تراجع هيمنة الأنظمة الفاسدة المستسلمة الديكتاتورية التي لا تستأسد إلا على شعوبها.

جميل آن يأتي هذا التصدي اللبناني البطولي من قبل الجيش اللبناني في يوم احتفال المقاومة اللبنانية (أيضا) بانتصارها على العدوان الإسرائيلي قبل أربع سنوات، وهو الانتصار الذي ألحق هزيمة غير مسبوقة بالجيش الإسرائيلي، وفضح زيف أسطورته، وهز نظرية الأمن الإسرائيلية من جذورها، عندما هطلت الصواريخ مثل المطر على المدن والمستوطنات الإسرائيلية (4000 صاروخ) للمرة الأولى منذ بدء الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

التوقيت مهم أيضا، لان هذه المنازلة غير المحسوبة، وغير المتوقعة إسرائيليا، بل وعربيا، جاءت في وقت يتعرض فيه لبنان وشعبه إلى إرهاب المحكمة الدولية وقرارها الذي سيصدر بعد أسابيع معدودة بشأن توجيه أصبع الاتهام إلى حزب الله اللبناني بتهمة التورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.

الرسالة جاءت واضحة، ومن الجيش اللبناني، الذي يمثل الوحدة الوطنية اللبنانية في انصع صورها، تقول كلماتها بان هذه المحكمة 'المسيسة' لن ترهبه، ولن تؤدي إلى تقسيمه على أسس طائفية او مذهبية، بل ربما توحده خلف هدف واحد وهو مواجهة العدو الحقيقي للبنان والأمة العربية أي "إسرائيل".

الجيش اللبناني يؤسس حاليا لمعادلة جديدة في لبنان وهي وقوف الجيش والشعب والمقاومة على ارضية وطنية واحدة مشتركة في مواجهة العدوان، وهي معادلة تعمدت بالدم فعلا لا قولا، وترتكز على أرقى مشاعر الإيمان بالكرامة والسيادة الوطنيتين في بلد يحاول الكثيرون داخله وخارجه ان يشككوا بوطنيته وسيادته.

الانتصارات العربية تأتي دائما من لبنان، والمقاومات العربية تنبثق دائما من أرضه، وتجد الحاضن الحنون لها في أوساط شعبه، الذي لم يبخل مطلقا في تقديم التضحيات والشهداء من اجل قضايا أمته.

"إسرائيل" ستعد للمليون قبل ان تفكر بغزو لبنان مرة أخرى، لأنها لن تجد المقاومة فقط تتصدى لها، وانما الجيش اللبناني الذي يضم كل الطوائف والمذاهب والأعراق في صفوفه، وهذا تطور جديد.

القادة العسكريون اللبنانيون يفاجئون الجميع بهبتهم الوطنية المشرفة هذه لانهم ينتمون الى مجتمع حي، ودولة ديمقراطية، وحكومة منتخبة مؤتلفة، على عكس معظم زملائهم الآخرين في الجيوش العربية التي باتت مهمتها الأساسية الدفاع عن أنظمة دكتاتورية قمعية فاسدة، وليس الدفاع عن الأوطان.

الجيش اللبناني يحرج جميع جيوشنا العربية الأخرى، خاصة تلك المتخمة بالأسلحة الحديثة والامتيازات، التي فشلت دائما في القيام بواجباتها، و"تكرشت" بطون قياداتها، وباتت للاستعراضات العسكرية فقط، فهناك دائما الجيوش الأمريكية جاهزة للقيام بالمهمة نيابة عنها وتلبية لاستغاثات حكامها.

للجيش اللبناني نقول شكرا، ولشهدائه الأبرار الذين ضحوا بأرواحهم دفاعا عن تراب وطنهم المقدس نقول رفعتم رؤوسنا عاليا، في زمن توالت فيه الهزائم والانكسارات وسياسات الإذعان العربية الرسمية. وللمقاومة اللبنانية التي تحتفل اليوم بذكرى انتصارها الرابعة نقول مبروك عليكم انتصاركم الذي هو انتصار للأمة جميعا.

زمن أبقارنا العجاف يوشك على الانتهاء، وزمن أبقارنا السمان يطل برأسه بقوة، أو هكذا نأمل ونعتقد أيضا، فأمة فيها هؤلاء الرجال لن تهزم أبدا.

 

 

انشر عبر