شريط الأخبار

الورقة المصرية والمصالحة الفلسطينية: ملاحظات انتقادية.. بقلم:د. أيوب عثمان

10:36 - 03 تشرين أول / أغسطس 2010

الورقة المصرية والمصالحة الفلسطينية: ملاحظات انتقادية.. بقلم:د. أيوب عثمان

كاتب وأكاديمي فلسطيني – جامعة الأزهر بغزة

فوراً، بعد  اعتداء البحرية الإسرائيلية على قافلة كسر الحصار البحري على قطاع غزة، والتي اشتهرت بقافلة "أسطول الحرية" وسفينتها "مرمرة"التركية، تحولت كلمة "المصالحة"، فجأة، من كلمة عادية سئم الناس ذكرها، إلى كلمة لها سحرها، حيث أصبحت عنواناً أخاذاً وبوابة واسعة للمرور والتمرير ولاقتحام ما لم يكن يسيراً اقتحامه. لا أرى أن ما حدث بعد القرصنة الإسرائيلية كان صدفة، بل إنني أراه عملاً مخططاً تمت دراسته بعناية فائقة. فبعد أن غابت "المصالحة" ونسيناها أو ركد الحديث عنها، أو انسد الأفق أمام تحقيقها، لمدة زادت عن عامين ربما لم تُذكر كلمة "المصالحة" خلالها إلا لِماما؛ حيث نسيها الناس وغابت – كُرْها – عن أذهانهم وأحلامهم  وتطلعاتهم، بل وعن (هلوساتهم!)، يقتحمنا عجب وانشداه كبيران حينما نرى أن هذه "المصالحة" التي لم يبق منها إلا اسمها قد عادت حروفها لتنتصب من جديد، فتصبح العنوان الأبرز أينما قلبت ناظريك، أو وجهت أذنيك. لقد باتت حديث الناس وقضية الساعة!!!

بعد أن اعتدت بحرية الاحتلال الإسرائيلي على "الحرية" وعلى "أسطولها"، وبعد أن استشهد على أيدي القرصنة البحرية الإسرائيلية، عدد ممن كانوا على متن إحدى سفنها، صار الحديث كله عن "المصالحة"، وكأننا كنا بحاجة إلى المزيد والمزيد من البطش الإسرائيلي حتى نتذكر بأن هناك "مصالحة" كان يجب أن تكون. "المصالحة المصالحة" تحولت أغنية على شفاه المسؤولين من العرب والفلسطينيين وحتى الأمريكان والأوروبيين، ويافطة يزينون بها صدورهم، حتى أن المفكر العربي فهمي هويدي قد أصاب حينما أعطى المصالحة الفلسطينية التي تتحدث عنها الورقة المصرية وصفاً ساخراً حين قال إنها "سورة المصالحة"!

أكاد أجزم أن حمل يافطة "المصالحة" على النحو الذي نراه في هذه الأيام، لاسيما بعد عملية القرصنة البحرية الإسرائيلية، ضد قافلة "أسطول الحرية"، ليس عملاً عشوائياً، وإنما هو عمل مدروس بعناية بالغة، ومخطط بإتقان فائق. فبعد أن خلق الاعتداء البحري الإسرائيلي حرجاً لحلفاء إسرائيل المؤيدين للحصار والمشاركين فيه من الأمريكان والأوروبيين، قرر "أبالسة اللعبة السياسية"، كما وصفهم فهمي هويدي، "أن يلقوا بالكرة في مرمى حماس"، ومن ثم حملوا على صدورهم يافطة المصالحة ودعوا إلى التوقيع على الورقة المصرية، هكذا كما هي، دون تعديل أو تغيير أو تبديل أو  فتح أو إضافة أو إلحاق، ذلك أنها على النحو الذي هي عليه وتم (تنزيلها!) به، إنما تقلب لـ "المقاومة الفلسطينية" ظهر المجن، فتنهيها إلى غير رجعة، الأمر الذي تجد حماس نفسها من خلاله أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن  توقع فتنتهي المقاومة بموافقتها وعلى يديها، وإما أن ترفض التوقيع فيتركز الحديث آنئذ عن رفض حماس لـ "المصالحة" وعن رغبتها في استمرار الانقسام، وبالتالي تكون هي السبب في عرقلة الوفاق والتصالح، كما تكون هي السبب في استمرار إغلاق معبر رفح، لاسيما وإن الاستمرار في غلق هذا المعبر الحيوي هو الذي كان الدافع إلى تسيير نشطاء العالم الحر لقوافل كسر الحصار البحري بعد أن أعيقت كثير من قوافل كسر الحصار البري.

إن كلمة "مصالحة" على المستوى الفلسطيني قد باتت كلمة واسعة تتسع لكل ما يريده الخبثاء، ذلك أن هذه الكلمة الفضفاضة قد صار يساء استعمالها إلى حد أصبحت من خلاله وسيلة من وسائل الترهيب والابتزاز والترغيب. إنها كلمة تحمل عند البعض في ظاهرها الرغبة في التصالح والوفاق والتلاقي والمصافحة والتسامح ولكنها في باطنها ومضمونها ومحتواها ليست إلا كلمة حق يراد بها باطل!! إنها كلمة تعني في ظاهرها "المصالحة بالمصافحة"، وفي محتواها تعني قتل المقاومة وتركيعها وفرض الاستسلام على شعبها. "المصالحة" كلمة جذابة في شكلها لكنها طاردة في مضمونها. الكلمة جذابة وإيجابية في ظاهرها لكنها في مضمونها تتناقض مع إيجابية شكلها. لذلك، فإن علينا أن نتعامل مع هذه الكلمة بوعي ودقة وتحوط إلى أن ينجلي لنا مضمونها الحقيقي، عما إذا كانت مبعثاً إلى حلول يقبلها الطرفان المتصارعان، فتكون كسباً للوطن والمواطن وللقضية، أم سبيلاً لسحق أحد الطرفين وتغييبه عن الساحة الفلسطينية، فيكون الإذعان والخضوع، بدلاً عن التوافق والتراضي.

وكما بدا استعمال كلمة "المصالحة" على نحو واسع ويتوسع ثم يزداد اتساعاً، فإن الورقة المصرية يسيطر عليها هذا التوسع الذي يُذهب الدقة ويدفع بها نحو المزيد من الغموض. فالوثيقة صيغت على نحو فضفاض يمكن كل طرف من أن يأخذ بها كما يشاء ويفهمها على النحو الذي يرغبه ويحقق مصالحة، ومن قبيل ذلك مثالاً لا حصراً:

فيما يخص منظمة التحرير ، اشتملت الوثيقة على نص يقضي بأنه: إلى أن يتم انتخاب المجلس الوطني الجديد، بعد ثمانية أشهر، فإن لجنة تطوير المنظمة التي شكلها عباس وبرئاسته ستقوم باستكمال تشكيلها وعقد أول اجتماعاتها، ومن مهامها المنصوص عليها (معالجة القضايا المصيرية في الشأن السياسي والوطني واتخاذ القرارات المناسبة في شأنها (بالتوافق!). وكلمة (التوافق) التي هي إيجابية في أصلها قد جاءت في هذا السياق على نحو غريب وعجيب في سلبيتها وفي ابتعادها عن الوطنية والمقاومة. كيف يمكن للجنة مؤقتة أن تمنح الحق في تقرير قضايا مصيرية في فترة وجيزة، الأمر الذي يدفع إلى القناعة بأنه لم تعد – والحالة هذه – أي حاجة إلى صياغة برنامج عمل وطني كما أنه لم يعد للمصالحة من هدف يمكن تحقيقه، وعلى ذلك تكون كلمة "المصالحة" يافطة تجذب وتصطاد للتفريغ وليس للتحشيد.

تتناول الوثيقة على نحو غامض وفضفاض أموراً أربعة بالغة الأهمية: الاحتلال، والمقاومة، والحصار، والتحرر. فالوثيقة مع شدديد الأسف لم يتجشم صائغوها حتى عناء الإشارة إلى أي من هذه الأمور، حيث لم تشر "الوثيقة" إلى الاحتلال بصفته الأساس في كل ما نحن فيه من مآس وكوارث، كما لم تشر إلى المقاومة التي لا محيص عنها لمواجهة هذا الاحتلال، كما لم تشر إلى "الحصار" الذي هو حديث الناس وقضية الشهر والأسبوع واليوم والساعة واللحظة، كما لم تشر إلى "التحرير" الذي هو الهدف الأسمى للجميع. فحينما لا تشتمل  الوثيقة – وهي التي يدعي صائغوها أنها تهدف إلى تحقيق المصالحة والوفاق الوطني – على أي موقف واضح تجاه هذه النقاط الأربع، فإن النتيجة تكون أننا أمام نص صنع خصيصاً على النحو الذي صيغ فيه وهو الغموض الذي يصبح أمراً يخلق الحيرة والشك والريبة وعدم الاطمئنان، لاسيما حينما يرى القارئ أن هناك أموراً يلفها غموض عجيب غريب فيما أن هناك أموراً تافهة أو هامشية يسيطر عليها اهتمام كبير ووضوح أكبر كأن يتوجه صانعو الوثيقة بجزيل الشكر مرتين في المقدمة إلى الرئيس مبارك على رعايته لحوار المصالحة في الوقت الذي لم يتناولوا فيه الاحتلال، والمقاومة، والحصار، والتحرير، إلا على نحو خجول!

وقد اشتملت الوثيقة على أقسام ستة نال نصيب الأسد فيها من حيث الوضوح والحسم، القسم الذي يختص بالانتخابات التي كان يفترض إجراؤها في يونيه 2010، فيما سيطر موضوع الأمن على الحيز الاكبر من الورقة المصرية حيث أشغل أكثر من 40% من حجمها (خمس صفحات ونصف من ثلاثة عشرة صفحة ونصف).

هذا، وتؤكد الوثيقة المصرية على سلطة عباس الرئاسية، بالرغم من انتهاء ولايته الرئاسية على المستوى الشرعي والدستوري منذ يناير 2009.  فالوثيقة تقرر بقاء عباس المرجعية الرئيسية بخصوص تطوير منظمة التحرير، ولجنة الانتخابات، واللجنة الأمنية العليا التي تكون أجهزة الأمن تابعة لها، والمخابرات العامة. كما أن الوثيقة تعطي عباس الحق بإصدار مرسوم لجنة تنفيذ الوفاق الوطني، ما يعني منح من خسر في انتخابات 2006 كل شيء وإقصاء من تفوق بالأغلبية عن دائرة الفعل ودائرة القرار، قبل إجراء الانتخابات الجديدة.

ومن الأشياء الفضفاضة التي صيغت على نحو إيجابي في شكله، سلبي في محتواه، هو ما جاء في الوثيقة من دعوة إلى "نشر ثقافة التسامح والمحبة والمصالحة والشراكة السياسية والعيش المشترك". إن هذا أمر جميل حقاً ولا ينكر جماله أحد في رأسه عقل، لكن الأصل أن يكون هذا في سياق الدعوة إلى المصالحة بين طرفين متخاصمين، أما حين يكون الوطن كله محتلاً وبالحصار مخنوقاً، فيما لا يرى البعض فيه غير التناقض سبيلاً، وإلى ما لا نهاية، فإن من في رأسه عقل يندهش لقبول هذا البعض بإدارة الظهر للمقاومة التي لا تملك الشعوب المحتلة غيرها سبيلاًً.

وفيما لم تشر الوثيقة مطلقاً إلى الميثاق الوطني الفلسطيني، فإنها سعت جاهدة إلى التأكيد على ترسيخ عباس المرجعية الأعلى في كل مناحي الحياة الفلسطينية! وفيما لم تأت الوثيقة الساعية إلى تحقيق المصالحة على أي ذكر لمصير 11 ألف رجل من منتسبي الشرطة التي سميت سابقاً "القوة التنفيذية"، فإنها طالبت بعودة 3000 عنصر فتحاوي في الأجهزة الأمنية المختلفة إلى العمل في القطاع. هذا، ولم تشر الوثيقة بالمطلق إلى الأجهزة الأمنية التي كان يشرف عليها صياغة وتشكيلاً وتدريبا الجنرال دايتون ومولر حالياً، الأمر الذي يعني ألا يد – البتة – لحماس (أي للمقاومة) في مجال الأمن باستثناء ما هي فيه على نحو مؤقت في غزة.

أما المقاومة في الورقة المصرية، فقد ذُكرت على نحو مخجل وفاضح ومعيب، حيث جاء فيها:

1)    احترام الأجهزة الأمنية لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة والدفاع عن الوطن والمواطن.

2)    حظر إقامة أي تشكيلات عسكرية خارج إطار الهيكل المقرر للأجهزة الأمنية.

3)    تجريم وتحريم استخدام السلاح لأسباب خارج المهمات الوظيفية.

 

يمكننا فهمه من النقاط الثلاث سالفة الذكر هو "احترام الأجهزة الأمنية لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة..."، ولكن منظمات وحركات وجبهات المقاومة محظورة، محرم سلاحها ومجرم، وهي صياغة يدرك فنونها شياطين السياسية فقط، فما أجمل أن تمنح الحق في ذات الوقت الذي تمنعه فيه. منح ومنع ومعاً، بل إنه منح الأصل فيه والمراد منه منع!!! هذا الموقف الغامض والفضفاض والمراوغ من المقاومة كفكرة، لا ينبغي لنا أن ننسى أن له أساساً في اتفاق القاهرة الذي ما كان لحركتي حماس والجهاد إلا أن ترفضا التوقيع عليه في أكتوبر 2008، نظراً لأنه تضمن "أن المقاومة في إطار التوافق الوطني حق مشروع للشعب الفلسطيني مادام الاحتلال قائماً"، كما تضمن "أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية وحدها المخولة بمهمة الدفاع عن الوطن والمواطنين". وعليه، فإن اتفاق القاهرة قد غل يد المقاومة بشرطين عجيبين غريبين: الأول، أن المقاومة لا تتم إلا بالتوافق بين جميع الفصائل، ما يعني أن أي هجوم مقاوم للاحتلال لابد لتنفيذه أن تتوافق جميع الفصائل مسبقاً عليه، والثاني، أن تكون الأجهزة الأمنية التي يقودها الأمريكان من خلال دايتون سابقاً ومولر حالياً هي المخولة وحدها بالاطلاع على واجب المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وعليه، فهل يعقل أن يقبل من نال شرعيته من مقاومة الاحتلال أن يوقع متنازلاً عن تلك الشرعية؟!

 هذا وقد تضمت الوثيقة نصاُ على درجة كبيرة من الغرابة، حيث جعلت من مهامم المخابرات العامة الفلسطينية "التعاون المشترك مع أجهزة الدول الصديقة المشابهة لمكافحة أي أعمال تهدد السلم والأمن المشترك"، الأمر الذي يبرر التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي على المستوى الأمني. وهنا حري بنا أن نشير إلى ما نشرته يديعوت أحرونوت في 25/5/2009 على لسان أفرايم هليفي، رئيس الموساد السابق، الذي أشار إلى أن إسرائيل تجري الفحص الأمني الدقيق على جميع منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي يشرف عليها دايتون. حري بنا أيضاً أن نذكر كلام رئيس الموساد السابق نصاُ وحرفاً، حيث قال: "إننا بحاجة إلى مدة عامين على أقل تقدير كي ننشئ عشرة ألوية من قوات السلطة الفلسطينية التي يعدها الجنرال دايتون، كي تصبح نموذجاً للفلسطيني الجديد الذي تريده إسرائيل، ويصمم خصيصاً للحفاظ على أمنها والتصدي لحركة حماس"، مضيفاً أن إسرائيل تبذل من جهدها أقصاه لترسيخ حكم رئيس السلطة من خلال التركيز المكثف على الأجهزة الأمنية التي هي الذراع القوي الذي يحفظ حكمه.

بعد اعتراض البحرية الإسرائيلية لسفينة "مرمرة" التركية وقتل عدد ممن كانوا على متنها، انفتح الباب على أوسع ما يكون انفتاحه أمام النشاط الدبلوماسي على المستوى الدولي، حيث كان الأمريكان أول من طرح دبلوماسية عمل جديدة يتم من خلالها التعامل مع موضوع الحصار على النحو الآتي:

1)     العمل على تخفيف الحصار (براً) عن قطاع غزة مع تشديده عليها (بحراً). أما تخفيف الحصار البري فمعناه تخفيف الحصار عن الأطعمة والأشربة ومواد البناء فيقابله التأكيد على الاستمرار في الحصار البحري تذرعاً بمنع الأسلحة.

2)     التركيز على ضروروة تفعيل المصالحة الفلسطينية – من خلال إجبار حماس للتوقيع على الورقة المصرية أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم يصادر إلى النظر في ملاحظاتها عليها (بعد التوقيع وبالتوافق!!)، ما يعني الإعلان الصريح عن انكسار حماس وهزيمتها أمام محاولة سلطة رام الله العَدْو نحو غزة.

3)     إعادة الاعتبار إلى اتفاق معبر رفح لعام 2005 والذي ينص على : 1- تواجد أمن السلطة في المعبر 2- وجود الرقابة الأوروبية المباشرة 3- وجود المراقبة الإسرائيلية التقنية

 

ما تعنيه النقاط الثلاث سالفة الذكر هو الآتي:

·        أن تتمكن سلطة رام الله – من السيطرة ولو على نحو غير مباشر – على قطاع غزة

·        أن يتخلى الشعب الفلسطيني في غزة عن مبدأ مواجهة الاحتلال مثلما هو حاصل في الضفة الغربية

·   أن ينتهي الأمر إلى الإعلان الصريح عن فشل قوافل كسر الحصار البحري من خلال ما جرى لأسطول الحرية ولسفينة مرمرة التركية.

·         أن يتم التسليم بأن الضغط التركي على إسرائيل قد انتهى إلى الفشل.

·   أن تتوقف حركات التحرر وأحرار العالم عن المطالبة برفع الحصار عن غزة، لاسيما بعد أن قدم أحرار العالم، ومنهم الأتراك، ثمناً غالياً لمطالبتهم بتحرير غزة من الحصار الإسرائيلي.

 

الذين يسعون إلى تحقيق ما تمت الإشارة إليه هم: 1-  الإدارة الأمريكية 2- توني بلير، بصفته ممثل الرباعية الدولية 3- الاحتلال الإسرائيلي 4- مصر 5- سلطة رام الله. هذه الجهات الخمس تنسق سوياً من أجل تخفيف الحصار على غزة لا لشيء إلا لعدم تمكين حماس من تحقيق أي مكاسب ينتجها رفع الحصار بالكامل لأن ذلك من شأنه أن ينسب الانتصار السياسي إلى سلطة رام الله ومخططاتها.

وهنا لابد من الاعتراف بأنه على الرغم من الأذى الذي ينزله حصار غزة على رأس حماس بصفتها المسيطرة عليها، إلا أن الأذى الحقيقي الأوسع والأكبر والأخطر يقع على الشعب الفلسطيني في غزة، وهذا هو الأساس، وهذا هو المطلب الأساسي المراد تحقيقه من الحصار. لا يمكن أن يكون المطلب الأساسي للحصار هو إيقاع الأذى على حماس، فالأذى الذي يوقعه الحصار على حماس هو أذى حاصل بالنتيجة لكنه ليس الموضوع الأساسي في أي حال. الموضوع الأساسي من الحصار هو التجويع من أجل التركيع، بغية تحقيق الضربة القاضية والقاصمة لشيء اسمه المقاومة، ما يؤدي إلى الاستسلام والقبول بالمخطط الأمريكي الإسرائيلي على مرأى ومسمع من المسؤول الفلسطيني الرسمي.

وفي سياق ادعاء حماس بأنها لا تستطيع التوقيع على الورقة المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، نظراً لأن لها ملاحظات على الورقة المصرية يجدر الانتباه إليها والاهتمام بها وعدم غض النظر عنها، فإن ما صدر عن السيد/ منيب المصري، رئيس وفد الشخصيات المستقلة لتحقيق المصالحة، في هذا السياق، لهو جدير بالاهتمام أيضاً، حيث أكد أن حماس لديها الاستعداد الكامل للتوقيع على الورقة المصرية في حال أخذ بملاحظاتها، مشدداً على أهمية تلك الملاحظات التي تريد حماس إدخالها على الورقة المصرية وتريد ضمانات لتنفيذها بعد تطبيق اتفاق المصالحة.

هذا، وقد بحث وفد الشخصيات المستقلة برئاسة منيب المصري مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في دمشق، خالد مشعل، فكرة إنجاز ورقة تفاهمات فلسطينية فلسطينية ترفق مع الورقة المصرية حول ملاحظات حماس على هذه الورقة، بغية تنفيذها بعد تنفيذ اتفاق المصالحة. وحول الملاحظات التي تريد حماس إدخالها على الورقة المصرية، قال المصري إن من بينها ما يتصل بمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمن، ولجنة الانتخابات، وملف الاعتقالات السياسية.

أما فيما يتعلق بالورقة المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، فإن ثمة مجموعة من الملاحظات الانتقادية البارزة يؤدي إهمالها أو التقليل من شأنها إلى كارثة وطنية وقومية. ونورد فيما يأتي أبرز هذه الملاحظات الانتقادية:

أولاً: تسعى الورقة المصرية إلى تحقيق مصالحة فلسطينية شكلية على حساب المقاومة التي تلغيها الورقة المصرية إلغاء تاماً وكاملاً ونهائياً، حيث تنص على "حظر التشكيلات المسلحة الممثلة للأجنحة العسكرية للفصائل خارج سياق الأجهزة الأمنية" التي مهمتها التنسيق الأمني مع الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

ثانياً: تهدف الورقة المصرية – بالرغم من أن عنوانها المصالحة الفلسطينية – إلى إقصاء حركة حماس ومحاصرتها سياسياً، بالإضافة إلى المحاصرة المادية المفروضة أصلاً على كامل قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، ما يدفع باتجاه تمكين السلطة في رام الله من مسك الزمام وتوجيه المقود في الضفة والقطاع.

ثالثاً: تتجاهل الورقة المصرية – التي ترفع شعار الوحدة والمصالحة والوفاق والتصالح – حقيقة أن حركة حماس هي شريك منتخب يمتلك الشرعية الميدانية والقانونية والدستورية.

رابعاً: تتعامل الورقة المصرية – وهي تهدف إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني – مع حركة حماس على أنها طرف متمرد مارق يتحتم إقصاؤه. صحيح أن مثل هذا لم يرد في الورقة المصرية على نحو صريح تماماً، ولكن الورقة المصرية حينما تعطي محمود عباس كل الصلاحيات بما فيها صلاحية تشكيل لجنة إعداد قانون الانتخابات، ولجنة إعادة بناء منظمة التحرير وتطويرها، ورئاسة اللجنة الأمنية العليا، ورئاسة اللجنة المشتركة لتنفيذ الاتفاق، فإن هذا يعني أنه – ولا أحد سواه – هو المرجعية الأعلى للقرار الفلسطيني وفي صياغة الحياة الفلسطينية حاضراً ومستقبلاً.

خامساً: تتجاهل الورقة المصرية على نحو لافت ومثير اتفاق مكة الذي تم إبرامه على أسس الشراكة والتعاون من خلال حكومة فلسطينية ائتلافية.

سادساً: تقيد الورقة المصرية المقاومة الفلسطينية بالتوافق الفصائلي وهو ما يعرف بسياسة "المنع من خلال المنح"، أي أن أمنحك الحق في المقاومة ولكنني أمنعك منها في ذات الوقت الذي أمنحك إياها، على غرار "كلمة حق يراد بها باطل".

سابعاً: تخلو الورقة المصرية الهادفة إلى تحقيق المصالحة الفلسطينية من أي رؤية سياسية واضحة أو أي موقف سياسي واضح حيال "الاحتلال" الذي هو أصل القضية، و"المقاومة" التي لا محيص عنها للرد على الاحتلال، و"الحصار" الذي بات حديث الناس من فلسطينيين وعرب وأوروبيين وأمريكان ومسلمين ونَوَر وغَجر، والذي هو السبب في ركوب نشطاء العالم أهوالاً في البحار كما جرى مع أسطول الحرية، وقضية التحرر من الاحتلال وتحرير الأرض والهوية والإنسان.

ثامناً:  من أبرز نقاط الصعف التي تعاني منها الورقة المصرية هي وضعها في مكان كأنه كتب عليه بحروف مقدسة "ممنوع اللمس بل ممنوع الاقتراب". ربما يميل المرء – والحالة هذه - إلى الاعتقاد بأن الورقة المصرية قد خطط لها بأن تحاط بقدسية وقداسة لا يجوز الاقتراب منها أو لمسها، ذلك أن مجرد الاقتراب منها ينتهك ما تتمتع به هذه الورقة المقدسة من قدسية أو قداسة طاغية تمنع مراجعتها ولا تجيز مناقشتها ولا تسمح بمجرد الاقتراب منها. وهكذا، فقد أصبحت الورقة المصرية شيئاً من غيبيات الدين ومجرداته التي لا يجوز لمسها ولا الدخول إليها أو فيها وإلا كان الدخول في المحظور، ما يؤدي إلى هتك الحجب والأسرار، وهذا ليس إلا دليلاً على أن الورقة فيها من الأخطاء والخطايا ونقاط الضعف والثغرات ما يسهل نسفها عن آخرها.

تاسعاً: لا تعبر الورقة المصرية – بما تضمنته وبما خلت منه – عن الإرادة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن أنها من صناعة وصياغة جهاز المخابرات المصرية العامة التي كانت راعية للحوار الفصائلي الفلسطيني.

وعليه، فإن المطلوب، بالإضافة إلى ضرورة أن يستنهض الشعب الفلسطيني –  من خلال مثقفيه –  همة نفسه وهمة قياداته في اتجاه المقاومة وصمودها وتصعيدها وتعزيزها على اعتبار أننا شعب فرض عليه ألا يملك غير المقاومة سبيلاً، هو مطالبة كل من فتح وحماس، بصفتهما فصيلين مستنطعين حسب رأي كل منهما في الآخر، إلى العمل معاً، وسوياً، على المستوى الفلسطيني الفلسطيني، وفي بابه:

1)      أن تعملا معاً، الآن الآن، وليس غداً – من خلال مثقفي الشعب الفلسطيني وأكاديمييه – على إعادة الاعتبار لخيار الشعب الفلسطيني وممثليه ومجلسه التشريعي.

2)      أن يعلن الأكاديميون والمثقفون عن مطالبتهم لمن يعرقل المصالحة بالرجوع عن عرقلاته فوراً، بغية تحقيق المصالحة، مع الإعلان عن موقفهم من كل خطوة أو إجراء أو تصريح يعيقها.

3)      أن يطالب المثقفون والأكاديميون كلاً من فتح وحماس بالعمل معاً – وعلى نحو فوري وحاسم – على متابعة ما كان قد تم الاتفاق عليه في مارس 2005 بالقاهرة، فيما يخص منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة بنائها على ركائز وطنية فلسطينية، تمهيداً لتطويرها وتعزيز وجودها وترسيخ تأثيرها.

4)      أن يتنبه الأكاديميون والمثقفون، قبل فوات الأوان، إلى ضرورة وأهمية خلق حاضنة شعبية لهم، من خلال سعيهم لتحقيق المصالحة، كي يكون الشعب حاضراً معهم.

5)      أن يفهم الأكاديميون والمثقفون كيف يستفاد من قول جوبلز Gobbles: "إذا سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي". وعليه، فإنني أتساءل: أين هو المثقف؟! وماذا يفعل؟! أين هو المثقف في الزمن الفلسطيني ماضياً وحاضراً؟! لا فرق: ففي الماضي كان إذا دعي إلى ندوة أو لقاء أو مؤتمر صحفي نجمه شخصية عسكرية، تسابق الجميع إلى الحضور والاستماع والاهتمام بما يقال، حتى وإن كان من تافه الكلام! لماذا؟! لأن السباطانات والذخائر والرشاشات تتحلق حواليه في وقت لا يملك فيه الأكاديمي أو المثقف إلا رأيه وكلمته. كان هذا في الزمن القريب الماضي! أما في الزمن الحالي، فإن شيئاً لم يتغير: أسياد الماضي هم أسياد الحاضر، داعين المولى جل وعلا ألا يكونوا أسياد المستقبل! وهنا أتساءل بحسرة: هل من فرصة لاستنهاض همة المثقف فلا يخاف؟! وهل من فرصة لاستنهاض همة الشعب فيندفع إلى الوقوف مع المثقف المقاوم لا المثقف المستسلمم (وهنا أجدني ملزماً للتفريق بين هذا وذاك: فالمثقف المقاوم مثقف حقيقي، أما المثقف المستسلم فمثقف في شكله وجاهل في مضمونه، ذلك أن المثقف الحقيقي لا يكون مستسلماً، والمستسلم ولو كان علم الدنيا كلها في رأسه لا يكون – البتة – مثقفاً، تأسيساً على أن الثقافة ليست أن تملك علماً كثيراً أو متوسطاً أو قليلاً بل إنها الالتزام بما تعلمت والعمل بما علمت.

6)      أن يعلن المثقفون والأكاديميون عن مطالبتهم لكل من فتح وحماس بالعمل معاً، وسوياً، على المستوى الفلسطيني الفلسطيني، من حيث:

·   وقف السب والشتم والتخوين على المستوى الإعلامي، ذلك أنه كيف للمثقف والأكاديمي أن يعمل ليساعد الطرفين بينما الطرفان لا يساعد كل منهما نفسه ولا يساعد الآخر، فضلاً عن أنه لا يساعد المثقف؟!

·        وقف الاعتقال السياسي، وهذا لا يتضمن الإفراج الفوري عن كل من هو معتقل على خلفية سياسية.

·   المغادرة الفورية الحازمة والحاسمة لسياسة قطع الرواتب على خلفية سياسية، أو نتيجة لتقرير كتبه فلان عن فلان الذي تحدث مع فلان، أو الذي فعل كذا، أو ذهب إلى كذا... إلخ

·   التفاهم الفوري الإيجابي على كهربة قطاع غزة، فاقتصادنا تردى، ولنرحم ثلاجاتنا وغسالاتنا، ولنرحم أنفسنا وصحتنا في أجسادنا من خلال فراخنا ولحمتنا وأطعمتنا التي أفسدتها الكهرباء المغلولة عنا!!!

·        التفاهم الفوري البناء على جوازات سفر أهل قطاع غزة.

7)                أن يعلن المثقفون والأكاديميون عن موقفهم من المفاوضات، المباشرة منها وغير المباشرة.

8)      أن يعلن المثقفون والأكاديميون عن موقفهم من إصرار البعض على الربط بين فتح معبر رفح وتوقيع حماس على الورقة المصرية.

9)      أن يعلن المثقفون والأكاديميون عن موقفهم من الرأي القائل بأن الورقة المصرية لن يعاد فتحها ولن يضاف إليها ولن يحذف منها وأنه ينبغي أن يوقع عليها كما هي.. أي كما أنزلت!!!

10)    أن يعلن المثقفون والأكاديميون أن من يتعرض بالنقد للورقة المصرية لا يكون بالضرورة من دعاة الخصومة مع مصر، ولا من دعاة الانقسام واستمرار الخصام.

11)    أن يعلن المثقفون والأكاديميون أن من ينتقد الورقة المصرية ويتحفظ عليها، أو على أجزاء منها، لا يكون بالضرورة منحازاً إلى الأجندة الأمريكية الإسرائيلية، كما قال ذلك على نحو اتهامي منحرف بعضهم وعلى رأسهم رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير، صائب عريقات، صاحب الكتاب النادر حول "الحياة مفاوضات" والمفاوضات حياة!!!

 

أما آخر الكلام، فهل من متخصصين موضوعيين غير محزبين ينتجون لنا كشف حساب بالأرباح والخسائر ندرك من خلاله أن الانقسام الفلسطيني الحالي على سلبياته الكارثية المدمرة هو أقل خسارة وسلبية وكارثية ودماراً مما ستنتجه الورقة المصرية باسم تحقيق المصالحة الفلسطينية؟!

 

انشر عبر