شريط الأخبار

ما أجمل هذا الاحتلال»!!..عيسى قراقع

10:02 - 28 آب / يوليو 2010

ما أجمل هذا الاحتلال»!!..عيسى قراقع

الاحتلال الجميل، هي نظرية استعمارية سيكولوجية توصل الشعوب المحتلة الى حالة معينة لا يستطيعون فيها الانفكاك من كونهم محتلين وتوصل المحتل نفسه الى حالة لا يستطيع فيها إلا أن يبقى محتلا، وخلال ذلك يغيب وجه الضحايا عن المشهد ولا تترك جنازات الشهداء ولا صرخات المعتقلين أثرا سياسيا أو ثقافيا في الواقع العام.

 

وما يسمى سياسة الأمر الواقع يصير واقعا ومقبولا يتكيف الناس معه ويتقبلونه رويدا رويدا الى الحد الذي لا يرى فيه المرء أنه في سجن وأن الأبواب مغلقة، وخلالها يتعود بصره أن لا يرى ظلالا بعيدة أو سماءا قريبة أو ذكريات مسحت من هنا وهناك.

 

إن ردات الفعل العاطفية على سلوك المحتلين تخفت شيئا فشيئا ، فأخبار بناء مستوطنات أو مداهمة منازل المواطنين واعتقال 250 مواطنا في شهر حزيران الماضي، واحتجاز الحواجز العسكرية لآلاف العمّال والمواطنين وإذلالهم، ومنع الأسرى من الزيارات والتعليم وزجهم في زنازين انفرادية بما فيهم الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، الاعتداء على الأسرى الأطفال في مجدو وتكسيرهم ، كل هذا يصير أمرا عاديا في خفايا الصراع.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي صار الفساد الأخلاقي والمهني في مؤسساته الأمنية والعسكرية جزءا من الأخلاق والقيم المعاصرة، الى درجة أن الأمم المتحدة ومؤسساتها لم تعد تراجع ما صدر عنها من قرارات ومواقف تدين أعمال هذا الاحتلال وتدعوه الى الالتزام بالمرجعيات والقوانين الدولية والإنسانية، وأكثر ما تفعله هو تشكيل لجان تحقيق لأمتصاص ما تركته القرصنة الاسرائيلية من سفك دماء في البحر المتوسط ومن جرائم حرب دموية في قطاع غزة.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي تطور من احتلال عسكري الى احتلال عنصري يشرع قوانين الابرتهايد والفصل علناً، ويسلب هوية الشعوب المضطهدة وحقوقها الإنسانية والمدنية، ويبني حولها جدارا وخلف الجدار معسكرات وسجون وأقبية تحقيق، ويمنع أي لجنة دولية أو حتى صحفية من الاقتراب من هناك لسماع صوت المعذبين أو حتى لالتقاط صور لما يجري.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي يرفع شعار السلام، يتحدى العالم المثقف في عهد العولمة وحقوق الإنسان طامسا الحدود الدولية ومبرزا الأمن سلاحا لإباحة جرائمه وممارساته التعسفية، يحاصر القدس ويهوّدها ويبعد سكانها ونوابها ويهدم منازلها ويجرف تاريخها من العمق، ويطفئ أنوار قبة الصخرة ليضيء يهوديته على قباب كنسه، ويعبرن أسماء الشوارع والمنازل حتى أسماء الأشجار العتيقة ويمحو خطى الأنبياء.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي يحتجز أسرى منذ 33 عاما يطمس وجودهم الإنساني والوطني في غياهب السجون والمؤبدات، وينجح في إبراز اسم شاليط إعلاميا ودبلوماسيا وأخيرا بقانون سنه الكنيست الإسرائيلي، كأن الليل له والنهار له وكل الوقت له، ولا شيء للضحايا المقبورين في التراب أو المقبورين في حياة تشبه الحياة.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي أوصل الشباب الفلسطيني الى الانتحار والتخلص من واقع الضغوط والقهر وانسداد كل أمل أمام طاقاتهم وأحلامهم وطموحاتهم و شحناتهم العاطفية ، فمحاولات الانتحار عام 2009 بلغت 204 حالة، ونسبة المصدومين نفسيا 23 % والداخلين في حالة اكتئاب 26 % حسب الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي يقوم جنوده بالركوب على ظهر أحد الأسرى خلال استجوابه مشبهينه بالحمار طالبين منه أن ينهق، ويجبر محقق آخر طفلا معتقلا أن يشرب من بوله بعد أن طلب الماء ، وشهادات لا تصدق عن كي السجائر في أجساد المعتقلين واعتقالهم داخل حفر أرضية وتعذيبهم بالكهرباء وإجبارهم على التعري وشرب الماء الساخن، والاعتداء والضرب والشتم البذيء والذي أصبح يسمى ( لعبة التسالي) في شهادات الجنود.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي يستلذ أن يظل محتلا وسجانا وجلادا، يضع قوانين للتعذيب وأخرى للحرمان من الزيارات، و قوانين تجيز اعتقال الأطفال، وقوانين لإعدام الجرحى والاغتيالات، وقوانين لتجفيف مياه الشرب صيفا ومصادرة المطر عن الحقول والآبار شتاءا.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي أوصلنا الى حالة الاستعصاء من تحقيق الممكن و بإقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 ، وأصبح حال الدولة الموعودة كأنه كابوس سجين ينام على غيظ و يصحو على غيط أمامه جدار وباب مغلق وضجيج فولاذ وصدى بعيد بعيد.

 

ما أجمل هذا الاحتلال الذي يعتقد أننا مجرد عبيد لإدارة شؤونه و التخفيف من أعبائه الاحتلالية وحراسة آثاره المدّمرة على حياتنا و مستقبل أولادنا، ولهذا شاط غضبه عندما قررنا أن نقيم دولتنا خلال عامين وربما نتوجه لمجلس الأمن من أجل ذلك ، واستفز أكثر عندما كسرنا حدوده الجغرافية الوهمية في مجال عملنا.

 

كم مرة ينبغي للمرء أن يموت، بل كم مرة يستطيع المرء أن يموت ، والشعب الفلسطيني مات عدة مرات، وبعد كل موت يحاول أن يبني حياة، وعندما يتسع الموت لا احد يلوم الضحية وما فيها من تمرد على كونها ضحيّة، فالحياة لمرة واحدة ولا أحد في تلك اللحظة يستطيع أن يأسر الحياة بقرار عسكري أو أمني ولا أحد يستطيع أن يوقع على اتفاق تسوية بين خيار الموت والحياة، فالحياة أولا وأخيرا.

 -عن القدس المحلية

انشر عبر