شريط الأخبار

كتب أيمن خالد : حروب أمنية أمريكية

02:30 - 27 حزيران / يوليو 2010

كتب أيمن خالد : حروب أمنية أمريكية

سنكون بانتظار مزيد من التفجيرات الغامضة في مختلف دول المنطقة، باكستان الهند إيران العراق وربما تركيا وبعض الدول العربية، وكل هذه التفجيرات ستحمل سمات ذات طابع عرقي أو طائفي، وأظن أننا أصبحنا أمام معركة أمريكية خفية، تديرها الأجهزة وشركات القتل بالأجرة، المعروفة باسم الشركات الأمنية، فمع دخول هذه الشركات إلى المنطقة، كان ينبغي أن نعلم أننا أمام قاتل مأجور، وما شهده العديد من الدول من تفجيرات في الأسابيع الأخيرة ، كان واضحا أنها من فعل متخصص غريب عن المنطقة وطريقة تفكيرها.

الاستعانة بالجيش، تعني الحرب الواضحة المعالم، والاستعانة بالشركات الأمنية، تعني أن الأسماء وكل تفاصيل المشاركين فيها هي مجهولة الهوية، لا تحمل عقائد أو انضباط الجيوش، ولا يمكنك إثبات اتهام ضد احد، كما ان أي جهة تقبل بوجود هذه الشركات المأجورة على أراضيها، هي مسؤولة أخلاقياً، وتتحمل جرائم هؤلاء المرتزقة، الذين هكذا سماهم العالم عبر التاريخ، لكننا وفق الثقافة الأمريكية الجديدة أصبحنا نسميهم شركات أمنية. ومثل هذه الشركات، تكاد تكون الوحيدة المؤهلة لارتكاب الفظائع، التي هي أكبر من قدرات الجنود، فهم يخترقون صفوف عامة الناس، وباعتبارهم من ألوان وجنسيات شتى، فمسألة وصولهم للعديد من الأماكن الشعبية ليست معقدة، ودخولهم للمساجد والمزارات وغيرها، لن تكون صعبة عليهم، على خلاف الجندي الذي لا يستطيع أداء هذه المهمة ذات الطابع الأمني الخاص.

المصيبة أن شركات القتل الأمريكية الخاصة أصبحت لها مرجعية شرعية معترف بها من الدول المضيفة لها، وأماكن إقامة هي بمثابة قواعد محصنة، ويصل التنسيق بين هذه الأجهزة الاستخبارية في الدول المضيفة إلى حدود عالية، تحصل بموجبها هذه الشركات على التغطية الأمنية اللازمة، وتمسك بمفاتيح البلد الأمنية، ثم تطلق عملها بحرية تامة، مما يعني أن هذه الشركات تتخطى دور الرقابة عليها، وتتحول هي إلى رقيب على البلد وأهله، تحت يافطة تأمين وحماية البلد.

نحن أمام تحول جوهري ومهم وهو أن أمريكا التي كانت ترعب العالم بجيوشها وقدراتها العسكرية الفتاكة، بدأت تتحول إلى موسم الحروب الصغيرة، وهذا المؤشر، رغم مرارة النتائج التي قد نصل إليها من خلاله، خصوصا أن الضحايا هم من عامة المدنيين ويمكن أن يشعل هذا المشهد حروبا داخلية، غير أنه يعكس في الجانب الآخر، أن الهيمنة الأمريكية من خلال القوة العسكرية، لم تعد ممكنة لإخضاع الأمم والشعوب والسياسات في المنطقة.

الأخطار بالطبع، كما وصفها أكثر من باحث عربي تتمثل في إعادة إحياء الصراع في مختلف دول المنطقة، على أساس تفجير الصراع بين جميع الأعراق والقوميات والمذاهب وغير ذلك، وتحويل المنطقة من الهند وحتى المتوسط إلى بلقان كبير، تغرق فيه المنطقة بشعوبها، غير أن الخطر الكبير الذي يواجهنا، هو بروز زعماء محليين، يعيدون مسلسل انقسامات جديدة، وربما تكون أكثر من ساحة مرشحة لهذه الانقسامات، ولعل أولها باكستان، التي تمارس نوعا من الانتحار الجماعي.

لا أظن أن أمريكا تبحث عن انتصار في أفغانستان، فأمريكا تدرك أكثر من غيرها، أنها لا تستطيع الانتصار هناك، كما لا تستطيع أن تهاجم إيران، ولا تستطيع أن تغير خريطة المنطقة باستخدامها منطق القوة ولا تستطيع الاحتلال كما فعلت بالعراق، لكنها مع إدراكها لهذه المعادلة، فهي بالمقابل تصنع البدائل التي تغرق المنطقة بسيل من الصراعات، وبينما العقل الأمريكي يصنع هذا العالم من الفوضى، تبقى اغلب دول المنطقة غير مؤهلة حتى لاستيعاب اللحظات الواضحة في سير حراك هذه الدقائق الزمنية، ولا تريد إكسابها بعدا عمليا، يناسب هذه اللحظة وهذا الوقت، وأظن أن الأمريكان يدركون هذه المعادلة، لذلك فقدرتهم على استغلال العنصر الزمني هي التي تتيح لهم عنصر التفوق اللحظي.

الاستباحة والاستهانة بالدماء التي نراها، هي محاولة لتأسيس بلقان جديد للمنطقة هو عمليا الشرق الاوسط الجديد، أو الكبير، وبالطبع كبير بالفوضى التي تريد أمريكا أن يكون طابع المنطقة متسما به، وبينما يسعى العالم إلى البناء، تمارس اغلب دول المنطقة منطق الهدم بحق نفسها، وإذا كانت فلسطين هي نقطة التقاء هموم كامل هذه المنطقة، فعلينا أن ندرك تماما، ماذا يعني الانقسام فيها، وإلى أين وكيف سيتجه، وأين سيتجدد نزف دمائنا بأيدينا.

 

' كاتب من فلسطين

 

 

انشر عبر