شريط الأخبار

معادلة مجنونة..ميشيل كيلو

11:56 - 26 كانون أول / يوليو 2010


معادلة مجنونة..ميشيل كيلو

سئل الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون، بينما كان منهمكا عام 1967 في الإشراف على تحضيرات عدوان حزيران الإسرائيلي ضد العرب: لماذا تدعمون ثلاثة ملايين إسرائيلي ضد مئة وخمسين مليون عربي، فأجاب باقتضاب: لأن هذا في مصلحة الولايات المتحدة.

ليس هناك عاقل واحد ينظر إلى هذه المعادلة، التي تربط سياسات أميركا تجاه منطقة غالبيتها الساحقة عربية بتأييد قلة إسرائيلية احتلت فلسطين بالسلاح، ودأبت على خوض صراع وجودي ضد شعبها وأمته العربية، إلا ويخال أن التمسك الأميركي بها ضرب من الجنون، أقله لأن مستقبل العرب لن يتقرر في تل أبيب، مهما بلغت من قوة وجبروت، ولأن هؤلاء ليسوا ضيوفا على التاريخ وعلى الصهاينة والأميركيين، بل هم إحدى أكثر الأمم خبرة في بناء الحضارات والمدنيات والدول، لا يماري أحد في أنهم كانوا وراء واحدة من أعرق تجارب البناء الحضاري على مر العصور، ولا يجادل في أنهم من أساتذة أوروبا الحديثة، التي أخذت عنهم العلم بفروعه النظرية والتطبيقية، والفلسفة المجردة، والمنشآت العمرانية والمادية، والدين... الخ.

ومن يقرأ ما كتبه همج حروب الفرنجة من الأوروبيين، الذين زاروا المنطقة أو أتوها غازين، فسيشعر بالذهول الذي اعتراهم بسبب الفارق الحضاري والعمراني الهائل، الذي فصل آنذاك بينها وبين بلدانهم، التي كانت غارقة في أحوال أقرب إلى الوحشية، بينما امتلك العرب أنظمة زراعة ومائية متطورة، وشبكات مواصلات عملاقة، ومستشفيات وعيادات ومراكز علاج متخصصة، ومدارس ومؤسسات تعليمية متشعبة، ونظام بريد فائق التقدم، ودول منظمة وهيئات رعاية تغطي كل مجال، وحرف منظمة أدق التنظيم، ومساجد وجالس خلفاء تعالج مختلف الأمور، وتعقد فيها حلقات بحث ونقاش حر، ومدن عامرة تزخر بالصناعات والمتاجر والكنائس والجوامع، وأماكن مكرسة للكتاب والمترجمين، وحوانيت مليئة بسلع العالم، وأساطيل تجول بحاره... الخ.

ليس الذين يحكمون أميركا مجانين، وإن بدت سياساتهم كأنها مجنونة. إنهم يواصلون خطا استراتيجيا راهن دوما على تكبيل العرب، وتقييد قدراتهم، واستنزاف طاقاتهم، وهدر إمكاناتهم، ونجح في تحقيق ذلك بطرق منها :

ـ إقامة كيان أجنبي عدو في بقعة تفصل وتصل بين مشرق العالم العربي ومغربه هي فلسطين، له مهمتان رئيستان: منع وحدة العرب بالقوة، وإبقاؤهم تحت سقف تطور منخفض، يعوّق دخولهم إلى العصر وانخراطهم فيه كقوة موحدة وناجحة.

ـ إقامة نظم سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية في البلدان العربية تتكفل بتحييد قدراتها، وبوضعها بعضها في مواجهة بعضها الآخر، لمنع أي تفاعل فيما بينها قد يفضي إلى تكاملها، والحيلولة دون تعاونها على سياسات وأنماط تنمية تضمن استقلالها وتلبي مصالحها، وأخيرا، لإحباط سعيها إلى الحرية والحداثة، بإرساء وجودها العام، السياسي والمجتمعي، على أسس نافية للأسس التي نهض عليها العالم المعاصر، تجعلها تفتقر إلى هيكلية قادرة على النهوض والإفادة من ما هو متاح لغيرها من حرية وعدالة ومساواة وحق في الحياة والكرامة وعلاقة صحية وصحيحة بين المواطن والمجتمع والسلطة والدولة، أساسها حقوق الإنسان، والشراكة في الوطن، والسلطة التمثيلية، والدولة التي لجميع مواطنيها.

ـ حبسهم في حاضنة دولية يفتقرون إلى أي سلطة عليها أو فيها، تستنزفهم وتستولي على معظم مواردهم وعوائد ثروتهم وكدهم، تدخلهم إلى حداثة كاذبة تبيعهم قشور التقدم وتحول بينهم وبين إرساء أسسه الحقيقية في بلدانهم، تأخذ منهم الدنيا وتعوضهم عنها بأوهام تقلب دينهم وهويتهم إلى قيد على حريتهم وانغراسهم في الواقع، وإلى سجن يحتجزهم يظنون أنه وطنهم الحقيقي، الذي يهددهم خطر شديد إن هم غادروه أو تحرروا من قيوده وأغلاله.

في هذا الجهد الثلاثي الأبعاد، المتكاملة والمدروسة، من مصلحة أميركا أن تكون مع إسرائيل ما بقيت السلطة العربية معادية لأمتها، وظلت أسيرة شبكة متشعبة من علاقات دولية بالغة التعين والتجريد في آن معا، تفرضها وتحرسها أميركا والدول الرأسمالية الأخرى، ترتضي البقاء فيها وترفض الخروج منها، خوفا على نفسها وامتيازاتها. لو قرر النظام العربي تحدي أميركا ووضع خططا تطبيقية للخروج عليها، وأبدى تصميما مؤكدا على سلوك دروب تبعده عنها، لوجدت نفسها مجبرة على تقليص دعمها للصهاينة وانحيازها الأعمى إليهم، ولتراجعت عن نهبها المفتوح لموارد وثروات البلدان العربية، وقيدت سيطرتها على المجال العربي، وسعت إلى تسويات وحلول وسط توفق بين وجود إسرائيل تقلص دورها العنيف ضد جيرانها، وبين المصالح العربية، التي يؤثر حرمان واشنطن منها تأثيرا كبيرا على مكانتها ومصالحها وأدوارها الدولية.

بغياب هذا البديل العربي، قد تقع أميركا في مآزق بسبب دعم حوالى ستة ملايين إسرائيلي ضد ثلاثمئة مليون عربي، لكنها لا تواجه مأزقا تاريخيا هيكليا وشاملا يحول بينها بين النجاح في إدارة أزمات العرب البنيوية، وفي الخروج بنجاح من أزماتها الجزئية والظرفية معهم. يفسر هذا، لماذا تحافظ على ثوابت سياساتها تجاه أطراف المنطقة، وتوطد بتصميم لا يفتر قدرة إسرائيل على القيام بدور حارس مسلح حتى الأنياب، نجح إلى الآن في إبقاء العالم العربي مفتتا مجزأ، يقبل العيش تحت سقف تطور شديد الانخفاض، بينما تتكفل أميركا والنظام العربي الهش والضعيف بالباقي: قصر تقدم العرب على قشور تجعله مشوها ومنتجا لواقع عربي مشوه يحقق تطورا غير تراكمي يفرغ العالم العربي من طاقاته ويبددها، ويشل الداخل العربي ويسوقه إلى مسارات سياسية تتولى تعطيله ووضع مقوماته ومكوناته بعنف بعضها ضد بعض.

هذه «المعادلة المجنونة»، التي نجحت طيلة قرابة قرن من تعامل أميركا معنا، كان من الصعب وربما من المحال أن تنجح عند غيرنا. هل يعتقد أحد أن أربعمئة وخمسين ألف صهيوني شريد/ طريد كانوا سينجحون، مثلا، في انتزاع قلب فيتنام الاستراتيجي، أو أجزاء من شبه الجزيرة الكورية، أو منغوليا، أو الفيليبين، أو غواتيمالا أو تشيلي أو بلجيكا أو هولندا، ناهيك عن بولندا أو تركيا؟.

أعتقد أن الصهاينة كانوا سيطردون من هذه البلدان خلال أيام قليلة، وأن العرب أنفسهم كانوا سيدحرونهم، لو لم توجد عندهم نظم جعلت منهم «عدو لقطة»، كما يقول اللسان الشامي، يبدي ضروبا فريدة من البسالة والشجاعة، عندما يقاتل بعضه، و«يتساهل» إلى درجة الجبن المخجل حين يحاربه الصهاينة ! نحن «عدو لقطة». لو لم نكن كذلك لما نجح شتيت تافه كالصهاينة في انتزاع قلب وطننا منا وفرض رقابته فاعلة علينا، ولما زاد فارق القوة والتقدم بينه وبيننا من يوم ليوم، ولفشل في اخترقنا ولنجحنا نحن، الذين نطوقه من جميع الجهات، ولنا داخله نيف وخمسة ملايين مواطن عربي، في خنقه وإزهاق روحه، قبل قيام كيانه أو بعده بوقت قصير !.

ليست معادلة أميركا مجنونة. إنها، بالأحرى، معادلة ناجحة وناجعة، أثبتت جدواها لأمد طويل نسبيا، وأكدت قدرة فئة قليلة على غلب فئة كبيرة بإذن أميركا وسلاحها، وغياب الفئة الكبيرة عن الوعي والكرامة !.

إلى أن يتغير العرب، ويكسروا المعادلة الأميركية ويقوضوا أركانها، سيكون مجنونا من يعتقد أن واشنطن ستتخلى عنها، أو ستعدلها لأي سبب من الأسباب، خاصة تلك التي تتصل باحترام العدالة وحقوق الشعوب !.

سئل اللورد كرومر، مندوب بريطانيا العظمى السامي في مصر عند نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: كيف ستحكم مصر بشعبها الكبير والمعادي لكم؟. أجاب باقتضاب ساخر: سأحكم الذين يحكمون مصر!

-عن السفير اللبنانية

انشر عبر