شريط الأخبار

ماذا وراء تصريحات أرنس بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل؟! إبراهيم شعبان

08:58 - 23 تموز / يوليو 2010

ماذا وراء تصريحات أرنس بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل؟! إبراهيم شعبان

عاد موشيه أرنس وكرر اقتراحه السابق الذي نشره قبل أسابيع في جريدة «هآرتس» الإسرائيلية اليومية, والقاضي بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل, وإعطاء الفلسطينيين المضمومين جواز سفر إسرائيلي وليس وثيقة سفر. ويبدو أن اقتراح الوزير الإسرائيلي الليكودي السابق بدأ يلاقي قبولا وصدى طيبا عند بعض غلاة الإسرائيليين اليمينيين, وبخاصة ان الرجل شغل منصب وزير الدفاع سابقا, وكان من صقور الليكود ومن غلاته. وبرر غلاة الليكود قبولهم للإقتراح الآرنسي بأنه يمنع تقسيم فلسطين التاريخية من جديد. وبدا من الإقتراح أن أرنس يمهد لدولة واحدة من قوميتين: فلسطينية ويهودية لمواطنين متساوي الحقوق.

 

ابتداء, لا بد من الإقرار بأن اقتراح موشيه أرنس غامض ويحتاج إلى بلورة وتوضيح كبيرين. فهو أولا وقبل كل شيء ليس بذات الفكرة القديمة الصهيونية التي بدأت مع الإحتلال بعد حرب 1967 والتي تدعو إلى استعمار الضفة الغربية فعليا وإلحاقها بإسرائيل, وقد بدأت بالفعل أيام الحكم العسكري للضفة الغربية ولم تتوقف ليومنا هذا وأسميت الضم الفعلي أو الزاحف أو الضمني. بكلام آخر خلق كيان هزيل ملحق بدولة إسرائيل اقتصادا وأمنا ومرورا وطرقا وعملا ونقدا وماء.

 

تجنب موشيه أرنس في اقتراحه إثارة مواضيع كثيرة عملا بالغموض البناء, حتى لا تفتح النار عليه من قدامى المحاربين الإسرائيليين ومن زملائه في الحزب. لكن هذه المواضيع التي أسقطها ولم يتم طرحها في غاية الأهمية والخطورة. فمثلا كيف سيتم ضم الضفة الغربية وهل سيكون هناك استفتاء على ذلك أم لا وممن؟ وهل ستتخلى إسرائيل عن موقفها الرافض لسن دستور أم لا وهل ستبادر لسن دستور تكفل فيه الحقوق والحريات العامة؟ هذا الضم لا يمكن أن تقوم له قائمة بدون دستور يضمن الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية بكل تفرعاتها للمضمومين. وماذا بشأن قطاع غزة أم أنها وسكانها غير مشمولين بالإقتراح؟ وماذا بشأن اللاجئين الفلسطينيين في الشتات؟ ماذا بشأن العقارات الفلسطينية بيوتا وأراض من عام 1948 وعام 1967 وما بعدهما؟ وما حكم الأقليات القاطنة في فلسطين؟ وهل يجوز انتخاب وزير أو رئيس وزراء منها وماذا سيحدث للجيش وهلم جرا؟

 

مجرد اقتراح الفكرة وتبنيها من أحد صقور الليكود, يشكل منعطفاً هاماً في الفكر السياسي الإسرائيلي وبخاصة أنه يأتي من شخص يحمل فكرا متطرفا يمينيا طيلة الوقت قائما على الطرد والترانسفير, وإنكار وجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير. هذا يعني إقراره ان جميع السياسات الإسرائيلية على اختلافها وتعددها وتنوعها لستة عقود خلت قد باءت بالفشل الذريع. واقتراحه هذا يعيده إلى مصاف أقصى اليسار بل سبقهم وبزّهم في طرحه. هذا يعني أن ثقافة الحرب وآلته المدمرة والقتل والجرح والتشريد والهدم والطرد والأسر لم يفت من عضد الفلسطينيين وإصرارهم على وطنهم ولم يتخلوا عن فلسطين رغم كل العقبات والخيانات والقصور. ونستطيع القول أن غلاة الإسرائيليين بدأوا استشعار خطورة المستقبل وغموضه وضبابيته رغم قوتهم العسكرية غير المحدودة حاليا, وأن هذه القوة لا تخلق حلا دائما أو مقبولا بل وهما زائفا. أصحاب هذا الإقتراح إن صدقوا فيه, لم يرغبوا في اجترار التاريخ, رغم إغراءاته فرفضوا البديل الأردني والمصري بل رفضوا البديل الفلسطيني في إطار الدولتين. هذا المقترح يأتي في وقت تبدو فيه الغطرسة الإسرائيلية في أوضح صورها والإنقسام الفلسطيني في أسود لحظاته. هذا الإقتراح يعيد الدماء لإقتراح منظمة التحرير الفلسطينية في إطار الدولة ثنائية القومية أو ما اصطلح على تسميته بالدولة العلمانية في السبعينيات من القرن الماضي.

 

لماذا لا يقوم الفلسطينيون بطرح اقتراح مماثل مستند إلى اقتراح موشيه أرنس بدل حل الدولتين, وبذات الروحية, ولكن بترتيب وتفصيل مختلف. لماذا لا يتم تشجيع مثل هذه الأفكار غير التقليدية وحتى تأييدها جزئيا والبناء عليها؟ لماذا لا يستبق الفلسطينيون الآخرين, ويبلورون اقتراحاً من نقاطا عدة بدلا من مكوكيات ميتشل التي تذكرنا بمكوكيات هنري كيسنجر في السبعينيات. لماذا يحشر الفلسطينيون أنفسهم في دائرة المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة بينما هناك بديل ثالث يمكن مغازلته؟ بل ماذا لدى الفلسطينيين ليخسروه إن طوروا اقتراحا مثل هذا الإقتراح ؟!

 

تبدأ التطورات في حياة الأمم والشعوب بفكرة أو خاطرة وتنقلب إلى ديالكتيك فكري كما قال الفيلسوف الألماني هيجل, ما يلبث المفكرون التقاطها وتطويرها. فكرة الضم المجردة, فكرة مرفوضة فهي تعبر عن فوقية وقوة من طرف ضد طرف ثان, ولكن المطلوب تساوق وتعاون وتواز في الطرفين ينتج حلا عادلا أو شبه عادل وحراكا سياسيا غير عادي بل ثوري. والوسيلة لذلك هي عقد اتفاقية أو معاهدة وليس ضما. وشتان بين الضم وعدم ومشروعيته والإتفاقية ومشروعيتها وحتى إلزاميتها للطرفين. والضم لا يضمنه أحد بل يناهضه الجميع بينما الإتفاق يبارك من الجميع وتضمنه الدول العظمى ويسجل لدى الأمم المتحدة.

 

الإتفاق يعني بداية أمر جديد كلية, أما الضم فيعني استمرار أمر قديم فيه تجديد. بكلام آخر الضم سيقوم على الإرث الإسرائيلي بعد عام 1948 وما قبله في شتى الموضوعات والبيانات والنشاطات, بينما الإتفاق يؤسس لمرحلة جديدة وقواعد حديثة وقوانين مستقبلية. الضم هو موضوع واحد من موضوعات كثيرة يجب أن تعالج في إطار الإتفاق. وبالقطع هذا ليس ضربا في الخيال ولا سباحة في الفضاء بل ترتيب أفكار ورؤى للمستقبل. لقد كان طرح مناحيم بيغن لقضية الحكم الذاتي في مباحثاته مع كارتر والسادات محل دراسة وبحث من قبل مراكز الأبحاث الإسرائيلية آنذاك ولم تأت بشكل عشائري أو غيبي أو عفوي. لذا على مراكز الأبحاث عندنا أن تدرس وتستعد وتبني وتؤسس لمنظور سياسي قادم غير حل الدولتين وغير الضم!!

 

غريب أن تصدر مثل هذه الفكرة من موشيه أرنس ويكررها من على صفحات الصحف. والأكثر غرابة أن يناصرها أخرون ليكوديون متطرفون, ففي تكرارها ومناصرتها قضاء على المستقبل السياسي لأي سياسي إسرائيلي. هل الأمر خدعة أم تكتيك أم ماذا ولماذا الآن؟ أغلب الظن عندي أن الإسرائيليين بدأوا يتحققون من زيف مقولاتهم وادعاءاتهم, وأنهم لا بد أن يقتسموا هذه الأرض مع الفلسطينيين. وأن الحل رغم قسوته وألمه من قبلهم إلا أنه يبقى أقل قسوة وألما من المستقبل المجهول والنزف الدموي المهول.

 

مر على القضية الفلسطينية خطط وتصورات وبرامج لا تعد ولا تحصى. وطرح هذه الخطط والآراء عرب وأجانب وإسرائيليون ومن شتى الألوان والمذاهب. ومعظم هذه الخطط ذهب إلى كتب التاريخ ومثلها فكرة موشيه أرنس بالضم إلا إذا توبعت وأشبعت درسا وتمحيصا فحيثما تكون الجهالة نعيما فمن الحماقة أن تكون حكيما, أو كما قال شاعرنا الكبير أبي الطيب المتنبي

 

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

-عن القدس المحلية

انشر عبر