شريط الأخبار

انتصار ملموس في معركة اردوغان الدستورية.. بقلم: د. بشير موسى نافع

01:22 - 15 آب / يوليو 2010

انتصار ملموس في معركة اردوغان الدستورية

يعتبر القرار الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا في تركيا مسار الأربعاء، السابع من الشهر الجاري، انتصاراً هاماً لحكومة العدالة والتنمية في المعركة التي تخوضها من أجل إجراء تعديلات واسعة على الدستور. لم يكن الانتصار كاملاً، بالطبع، وقد ارتكبت المحكمة مرة أخرى خطأ دستورياً وقانونياً جسيماً في مداولاتها. ولكن ذلك لا ينفي أن الطيب رجب إردوغان، رئيس الحكومة التركية، وقادة حزبه، تنفسوا الصعداء بعد رفض المحكمة الدعوى التي تقدمت بها المعارضة ضد حزمة التعديلات الدستورية، ومطلبها إيقاف الاستفتاء المقرر على هذه التعديلات. فلماذا جاء انتصار حكومة إردوغان غير كامل، وما الذي يعنيه هذا الانتصار لمستقبل الحكومة، التي لم تفتأ عن إثارة الجدل، داخل تركيا وخارجها؟

لجأت حكومة إردوغان إلى هذه الحزمة من التعديلات الدستورية، نظراً لتعثر محاولاتها كتابة دستور جديد كلية، بفعل الموقف الذي اتخذته قوى المعارضة ضد هذه الجهود. يتطلب طرح دستور جديد مستوى من الإجماع والتوافق، ولا يمكن أن ينجز في ظل انقسام سياسي حاد. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يعدل فيها الدستور، ولكنها الأوسع بلا شك، كونها تطال 26 مادة من دستور البلاد الإشكالي، الذي وضع في فترة الأحكام العرفية التي تلت انقلاب 1980 العسكري. كان يمكن لهذه التعديلات أن تقر بالتصويت البرلماني، ولكن أحداً من أحزاب المعارضة الثلاثة الممثلة في البرلمان التركي لم يصوت مع التعديلات؛ ولم تستطع الحزمة بالتالي الحصول على دعم ثلثي الأصوات الضروري للإقرار البرلماني. ما حدث أن التعديلات حصلت على أكثر من نصف الأصوات، وهو ما يؤهلها للعرض على الاستفتاء الشعبي، بعد إقرار رئيس الجمهورية لها. ولكن ما أن أقر رئيس الجمهورية الاستفتاء في ايار/ مايو الماضي، حتى تقدم نواب حزب الشعب الجمهوري المعارض للمحكمة الدستورية بطلب لإلغاء التعديلات وإيقاف الاستفتاء. ومن هنا بدأت فترة عض الأصابع، بانتظار الحكم الذي ستصدره المحكمة.

ما وضع البلاد في حالة من الانتظار القلق أن سجل المحكمة لا يدفع على الاطمئنان، ليس فقط لأن أغلبية قضاتها الاحد عشر تحسب على تيار الدولة القوية، المهيمنة، بل أيضاً لأن المحكمة عرفت بتجاوز صلاحياتها القانونية والدستورية. تعتبر حزمة التعديلات الحالية واحدة من أكبر المحاولات طموحاً لتعزيز حقوق الإنسان والحريات، ودفع حدود سلطات الدولة وهيمنتها إلى الخلف. وفي اثنتين من أكثر التعديلات المقترحة إثارة للجدل، تقترح حكومة العدالة والتنمية إعادة بناء مجلس القضاء الأعلى، الذي يتمتع بسلطات هائلة على الجسم القانوني والقضائي في البلاد، وإعادة بناء المحكمة الدستورية العليا ذاتها، التي تحتل موقعاً مركزياً في التدافع على مستقبل البلاد والدولة. وقد أثار قبول المحكمة الدستورية بحث الدعوى التي تقدمت بها المعارضة علامات استفهام في الأوساط القانونية الليبرالية في البلاد، نظراً لأن المحكمة أعطت لنفسها حق الحكم في تعديلات تمس تركيبها وصلاحياتها ذاتها. ولكن مصدر القلق الأكبر تعلق بالكيفية التي اعتادت بها المحكمة تناول التعديلات الدستورية التي تعهدتها حكومة العدالة والتنمية منذ توليها الحكم. فالدستور التركي، حتى في صيغته الحالية، يعطي المحكمة حق البحث في التعديلات الدستورية من جهة الشكل وليس المضمون؛ بمعنى الفصل فيما إن كانت إجراءات التعديل صحيحة، وليس جوهر التعديل ذاته. ولكن للمحكمة سوابق بالحكم على أساس مادة التعديل وجوهره؛ كما حدث في رفضها التعديل المتعلق بمسألة الحجاب في 2007، حتى بعد حصوله على أصوات أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان. ولأن التعديلات الجديدة تأتي في وقت تصاعد للتوتر الداخلي، بفعل الاتهامات القضائية الموجهة لعدد ملموس من العسكريين السابقين والعناصر العلمانية والقومية المتطرفة، على خلفية جرائم ارتكبتها شبكة الإرغنكون السرية والتآمر على الدولة، فقد ساد اعتقاد بأن المحكمة الدستورية ستجهض عملية التعديل الدستوري وعقد الاستفتاء.

بيد أن الحكم جاء مفاجئة إلى حد كبير. بأكثرية سبعة أصوات إلى أربعة، صوت أعضاء المحكمة بالفعل لبحث التعديلات من ناحية الجوهر لا الشكل وحسب، في تجاوز آخر للصلاحيات. ولكن أعضاء المحكمة رفضوا طلب المعارضة إيقاف التعديلات، وأقروا ذهاب الحزمة بمجملها للاستفتاء الشعبي، مجرين تغييرات جزئية على التعديلات، سيما المادتين المتعلقتين بمجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية. في مجملها، بلغ حجم التغيير الذي أجراه أعضاء المحكمة 18 كلمة، حدت من الصلاحيات التي تعطيها التعديلات المقترحة لرئيس الجمهورية في تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية، والقيود التي تضعها التعديلات على عمل المؤسستين. ولكن المحكمة لم تمس أصل البنية الجديدة للمؤسستين، كما تقترحها التعديلات. كانت المحكمة قد تعرضت لضغوط واسعة من الرأي العام أثناء المداولات، والواضح أن قضاة المحكمة لم ينقسموا على أنفسهم وحسب، بل وأخذوا مجمل الوضع السياسي في البلاد، ووضع تركيا الخارجي، في الاعتبار. كان صدور حكم ضد التعديلات سيعمق من الانقسام الداخلي، ويضع المحكمة في مرمى القوى والتيارات الليبرالية والإسلامية؛ كما كان سيضعف موقف تركيا، أوروبياً وعالمياً، وربما دفع إردوغان إلى الذهاب لانتخابات مبكرة، يظهر فيها أمام الشعب بمظهر المظلوم، المستهدف من قوى التسلط في مؤسسات الدولة والأحزاب المعارضة.

أثار قرار المحكمة الدستورية ردود فعل رافضة من أحزاب المعارضة الرئيسية، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية، إضافة للمجموعة الكردية البرلمانية الصغيرة الموالية لحزب العمال الكردستاني؛ التي تعهدت جميعاً بدعوة الشعب إلى رفض حزمة التعديلات في الاستفتاء. كما وجهت قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم، وعدد من القانونيين ونشطي الجمعيات المدنية، انتقادات لتجاوز المحكمة الدستورية صلاحياتها وإجراء تغييرات على نص التعديلات، على اعتبار أن المحكمة أعطت لنفسها حقاً تشريعياً، فوق حقوق ممثلي الشعب في البرلمان. ولكن ذلك لم يمنع الشعور بالارتياح في أغلب أوساط الحزب الحاكم والقوى الداعية لكتابة دستور جديد. فقد خرجت حكومة إردوغان من فترة الترقب أقوى مما كانت عليه، وسيوفر الاستفتاء للشعب فرصة لإبداء رأيه في واحدة من أكبر الخطوات لتعديل الدستور. ثمة عدد من الدوائر النافذة، داخل تركيا وخارجها، راهنت على أن المحكمة الدستورية ستوجه ضربة أخرى لإردوغان وحكومته، تمهد الطريق لإطاحته في الانتخابات البرلمانية المقبلة؛ وقد جاء قرار المحكمة انتصاراً جزئياً، وهاماً على أية حال، للحكومة وشرعية سياساتها.

طبقاً للجدول الزمني الذي أعلنته لجنة الانتخابات العليا، سيجري الاستفتاء على حزمة التعديلات في 12 ايلول/سبتمير القادم، الذكرى الثلاثين لانقلاب 1980، الذي وضع البلاد في المأزق الدستوري والقانوني الذي تعيشه منذ عقود. سيتيح مثل هذا التوقيت لإردوغان تذكير الشعب بما جرته الانقلابات العسكرية على البلاد من كوارث، وبأن الدستور موضع التعديل هو ذاته الذي وضعته حكومة الانقلاب العسكرية. ولكن خطط إردوغان في تحويل الاستفتاء إلى حدث انتخابي كبير، وحكم على أداء حكومته، سيواجهه اصطفاف واسع من قوى المعارضة: الحزبية، الكمالية، العلمانية، القومية، والتسلطية، المناهضة لسياسات العدالة والتنمية الداخلية والخارجية. وبالرغم من أن الاستفتاء لا يعتبر مرآة دقيقة لشعبية الحزب الحاكم وثقله الشعبي، نظراً لأن من المتوقع أن تحوز التعديلات على دعم قوى وقطاعات لن تمنح صوتها في الانتخابات البرلمانية بالضرورة للعدالة والتنمية، فإن أحداً من مراقبي الشأن التركي ومستقبل البلاد السياسي لا يمكنه التقليل من أهمية نتائج هذا الاستفتاء. خلف ذلك، ثمة عدد من الأسباب.

منذ توليها الحكم في نهاية 2002، نقلت حكومة العدالة والتنمية تركيا نقلات واسعة وغير مسبوقة، سواء في المجال الاقتصادي أو العلاقات الخارجية. وبعد ما يزيد عن العام من الركود الاقتصادي، الذي رسبته الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، تبدو توقعات الحكومة بأن تركيا ستكون من أوائل الدول التي ستخرج من مرحلة الركود صحيحة إلى حد كبير. ولكن تركيا الجديدة تواجه عدداً من المشاكل في جبهات أخرى، بعضها يتعلق بسياسات الحكومة ذاتها، وبعضها يتعلق بأوضاع قديمة، استعصت طويلاً على الحل. بين الأولى، التوتر الواضح والملموس في علاقات تركيا بالولايات المتحدة والدولة العبرية، والتوتر الخفي في علاقاتها مع بعض الدول العربية، مثل مصر؛ وليس ثمة شك في أن هذا التوتر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسياسة العدالة والتنمية الرامية تعزيز وضع تركيا الإقليمي، وإحياء الأبعاد العربية والإسلامية لسياسة تركيا الخارجية، إلى جانب الأبعاد الأوروبية والغربية التقليدية. أما المشاكل المستعصية، التي عادت مؤخراً من جديد لتلقي بعبئها على كاهل الوضع السياسي التركي، فتشمل قضايا العلاقات الشائكة مع أرمينيا، ذات الصلة المباشرة بالعلاقات التركية الآذرية، والقضية الكردية، التي تلعب فيها الهجمات الدموية المتصاعدة لحزب العمال الكردستاني دوراً تخريبياً ومعطلاً.

ثمة اعتقاد واسع النطاق في أوساط القوى المعارضة لحكومة العدالة والتنمية بأن الانتخابات البرلمانية القادمة ستكون فرصتها الأخيرة لإطاحة إردوغان وحزبه، وإيقاف عجلة التغيير السياسي والاجتماعي والدستوري الذي يقوده. فشل المعارضة في الانتخابات القادمة، المقرر لها ربيع العام المقبل، يعني إعطاء الحزب الحاكم فرصة كاملة لولاية ثالثة، يمكن له فيها أن يجعل متغيرات الوضع التركي غير قابلة للإلغاء. ولذا، تشهد السياسة التركية حشداً غير مسبوق للقوى المعارضة، ومحاولات سياسية وإعلامية جاهدة لتعظيم حجم المشاكل التي تواجهها الحكومة، بما في ذلك القضية الكردية وعلاقات تركيا بالولايات المتحدة والدولة العبرية. وفي حال استطاعت المعارضة إقناع الشعب بالتصويت ضد حزمة التعديلات الدستورية، أو تخفيض حجم الدعم الشعبي لها إلى أقل مستوى ممكن، فسيكون ذلك مؤشراً على نجاح الهجمة السياسة والإعلامية ضد إردوغان وحزبه. أما إن استطاع العدالة والتنمية أن يحقق نسبة دعم شعبي عالية نسبياً للتعديلات، فسيكون ذلك مؤشراً إيجابياً على أن الحزب يسير نحو انتصار انتخابي ثالث في العام القادم.

 

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

-عن القدس العربي

 

انشر عبر