شريط الأخبار

الخطة المرحلية..يديعوت

11:40 - 09 كانون أول / يوليو 2010


بقلم: اليكس فيشمان

"ليس بالصدفة أنني أجلس في هذا الكرسي"، قال الرئيس اوباما لواحد من مقربيه في مساء هبوط بنيامين نتنياهو في واشنطن. "أنا هنا لأنني قادر على الشعور ببني البشر. أشعر متى لا يقولون لي الحقيقية. سألتقي الرجل وأعلم أينوي تحقيق مسيرة سياسية أم لا".

        "أنتم مخطئون"، قال رئيس مقر عمل البيت الابيض رام عمانوئيل، في أحاديث مغلقة أجراها في أثناء زيارته لاسرائيل، قبل بضعة أسابيع احتفالا ببلوغ ابنه. "اوباما أقل اهتماما بنتائج انتخابات مجلس النواب مما يخيل اليكم". ما أراد عمانوئيل قوله كان في الحقيقة: يا سادتي، لا يوشك نتنياهو ان يلقى رئيسا مضروبا باستطلاعات الرأي، محتاجا الى تأييد رئيس حكومة اسرائيل لتحسين صورته وحل مشكلاته الداخلية. إنه يدعو نتنياهو ليفحص على نحو شخصي أيوجد من يعمل معه وإذا وجد ففيم يكون الحديث.

        أجل، إن نسبة تأييد سياسة الرئيس بين الجمهور الامريكي تقف في استطلاعات الرأي الاخيرة على 49 في المائة، قياسا بـ 22 في المائة فقط يعبرون عن تأييد في مجلس النواب. تبين أن الامريكي يعتقد في أعضاء مجلس نوابه ما يعتقده الاسرائيلي بالضبط في أعضاء الكنيست. والى ذلك يبلغ 75 في المائة من الامريكيين انهم يودون ويقدرون رئيسهم. فوضعه ليس سيئا البتة.

        عشية الزيارة كان شعور في البيت الابيض بأن ما يسمعونه في زيارات ايهود باراك الكثيرة لواشنطن، ليس بالضرورة مقبولا عند وزراء السباعية وعند رئيس الحكومة. وكان من المهم عندهم جدا ان يعلموا هل كلام وزير الدفاع على خطة سياسية تدريجية مع الفلسطينيين منذ تشرين الثاني وعلى امكان بدء مسارات محادثات مع السوريين، مقبول عند نتنياهو ومنسق معه، كما يزعم باراك أو انه يحرث في واشنطن اثلاما ليس عند نتنياهو البتة نية أن يبذر  فيها بذورا.

        شعر غير قليل من الناس في الادارة أن نتنياهو يدبر عليهم حيل صرف انتباه للانشغال بحراك المحادثات لا بالجوهر، وانه يشغل نفسه بالتحول عن محادثات التقارب الى محادثات مباشرة، وكأن الحديث في القضية المركزية في علاقات اسرائيل بالفلسطينيين. وهكذا عندما تكون طاقات جميع اللاعبين محصورة في طرائق العمل يستطيع الاستمرار على التهرب من الكشف عن مواقفه في الموضوعات الجوهرية: الحدود والقدس وغير ذلك.

        انقضت محادثات التقارب مع الفلسطينيين في الواقع، في أول مساء التقى فيه جورج ميتشل الوفد الفلسطيني. ولم ينجح البتة في بدء محادثات جوهرية مع اسرائيل. يسل له ا لفلسطينيون المواقف النهائية التي بلغوها في المحادثات مع اولمرت وهي: عاصمتان في القدس، وحدود نهائية على أساس 1967 مع تبادل أراض، ودولة منزوعة السلاح مع قوة دولية. لكن عندما سئل نتنياهو ما هي مواقفه من الحدود تلوى وقال: هذا متعلق باتفاقات المياه، وفي يد من ستكون الاحواض الجوفية وماذا ستكون الترتيبات الأمنية.

        باختصار، فهم الامريكيون ان نتنياهو يتهرب لانه اذا كان له موقف وعبر عنه فلن يكون ائتلاف. وهو لا يستطيع مع الائتلاف الحالي ان يتقدم الى أي مكان.

        حروب اليهود

        إن الجو المرتاب في واشنطن، والشعور هناك بأن نتنياهو يتهرب ويطمس على الحقائق، ازداد حدة أيضا بسبب حروب يهودية صغيرة. فقبل عدة أشهر طلب الامريكيون الى اسرائيل أن تقبل خريطة مصالحها الأمنية التي أعدتها شعبة التخطيط في هيئة القيادة العامة. اعتقدوا في مجلس الأمن القومي أنه أصح من ذلك أن تعد مادة من هذا النوع على يد مجلس الأمن القومي وأن يعرضها هو. طلبوا في مجلس الأمن القومي إلى شعبة التخطيط التعاون معهم على إعداد البحث. أشفقوا في الجيش كما يبدو من أن يسرق مجلس الأمن القومي الصيت منهم، ويحصد ثمرة عملهم ويسيطر على مجال يتبع جهاز الأمن على نحو تقليدي. بلغت هذه الخصومة العناوين الصحفية بعد استشاطة رئيس مجلس الامن القومي عوزي اراد على رئيس هيئة الاركان. في الأثناء لم يقبل الامريكيون الخطة. فتفسير الامر عندهم ان اسرائيل ترفض التعاون وعرض مواقف محددة. وفي النهاية قبلوا الخطة وخفتت الاهانات وتحسن الجو شيئا ما.

        عندما انقضى اللقاء بين نتنياهو واوباما مباشرة، صدر اعلان بلقاء تم بين وزير الدفاع الامريكي روبرت غيتس ورئيس الحكومة. يبدو ان الرئيس نظر عميقا في عيني نتنياهو وكان راضيا عما رأى. اللقاء مع غيتس، الذي وضع على جليد حتى ينقضي لقاء القمة – أذيب. عندما يكون الرئيس راضيا تكون وجبات مضافة أيضا على المائدة.

        بيد أن واشنطن ابتدعت عبارة "لا توجد وجبات بالمجان". فلكل وجبة، ولكل احتضان ولكل ابتسامة ثمن. وسنبدأ من الاسبوع القادم كتابة الصك. بعد عدة أيام سيحط هنا المبعوث الخاص، السيناتور ميتشل، وبعد نحو من اسبوعين سيشخص باراك الى واشنطن كي يترجم "المحادثات الممتازة" بين نتنياهو واوباما الى افعال على الارض. سيتبين سريعا جدا ما الذي وعد به رئيس الحكومة اوباما، والذي جعل الرئيس يفقد ذاكرته ويعلن بأنه صدق نتنياهو من النظرة الاولى، وما الذي غاب وراء الابتسامات الحرجة شبه الخجلى، لرئيس الحكومة في الحفل الصحفي الذي عقده الاثنان مع انقضاء اللقاء.

        يشك كثيرا في أن يكون نتنياهو ترك في يد اوباما وديعة ذات شأن بينت فيها مواقفه المنظمة من الحل الدائم. وأكثر من ذلك منطقية أن يكون اوباما قد استخلص من نتنياهو التزام "حزمة اقرار للوضع" من أجل ابي مازن ورئيس الحكومة الفلسطيني، سلام فياض. يحل  لنا افتراض أن أسس هذه الحزمة فصلت في أثناء تلك الساعة ونصف الساعة من الحديث لما خلا بعضهما ببعض. يفترض ان تكون هذه الحزمة ممرا من محادثات التقارب الى  المسار السياسي المهم القادم. ستمكن أبا مازن من العبور الى محادثات مباشرة ولا يقل عن ذلك أهمية أن هذه الحزمة ستمكن الرئيس من كسب وقت حتى يظهر بمبادرة جديدة للشرق الاوسط. الحديث عن خطة رئاسية يفترض ان تولد بحسب ما يقول مقربو الرئيس حوالي شهر أيلول. وأكثر من ذلك منطقا أن تولد بعد انتخابات مجلس النواب في  تشرين الثاني.

        عشية شخوص نتنياهو الى الولايات المتحدة أعدت جهات البحث في البلاد أوراق عمل ومن جملة ما ورد هناك بصراحة ما يلي: اذا صعب على اسرائيل التوصل الى تجميد تام للبناء في المناطق – فسيكون التعويض الذي سيطلبه الفلسطينيون نقلا تدريجيا للمناطق ج (مناطق في الضفة تقع تحت سيطرة اسرائيلية تامة عسكرية ومدنية) الى السلطة الفلسطينية. تبين أن الفلسطينيين لم يعدوا للمبعوث ميتشل ورقة، بل كتابا كاملا مع اتجاهات وأهداف للأمد القصير والأمد البعيد، يصف انشاء الدولة الفلسطينية المستقلة. إن نقل مناطق أخرى من المناطق ج لتكون من مسؤولية الدولة الفلسطينية جزء راسخ في هذه الخطة. وقبل أيام معدودة من لقاء نتنياهو لاوباما التقى في واشنطن أحد رؤساء جهاز الأمن في السلطة الفلسطينية رئيس مجلس الأمن القومي جيم جونس. عرض الجنرال الفلسطيني على جونس انجازات السلطة في مجال الأمن وحاول إقناع أناس مجلس الأمن القومي بأنه يمكن نقل أراض أخرى ومدن أخرى في الضفة لسيطرة السلطة التامة.

        وسواس بالبحر الميت

        إن من يسكب الماء البارد على الحماسة الفلسطينية هو الجنرال دايتون خاصة الذي يتولى تبعة بناء القوة الشرطية الفلسطينية في الضفة. لذع دايتون في الماضي بحماسة السلطة في غزة التي أرادت الحصول على كل شيء – وسائل قتالية وميزانيات – وخسرتها لحماس. وهو يرى أن قدرة الفلسطينيين على الهضم أقل كثيرا من شهوتهم. وبرغم أنه يدخل الان الكتيبة الفلسطينية الخامسة في الضفة، ما يزال يرى أن الفلسطينيين غير مستعدين لتوسيع السيطرة. لكن الشهوة الفلسطينية كبيرة. فقد نجحوا في الاسبوعين الاخيرين بمساعدة ميتشل، في اقناع الادارة بأنه يجب على اسرائيل أن تنفذ "اعطاء كبيرا" لتسويغ الانتقال من محادثات التقارب الى محادثات مباشرة. وهكذا في حين كان نتنياهو يحزم حقائبه الى واشنطن، التقى سلام فياض وزير الدفاع ايهود باراك. وحضر اللقاء ايضا مندوب أبي مازن و "مراقب حله"، وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، وقائد الشرطة الفلسطينية الجنرال حازم.

        كان أول طلب عرضه الفلسطينيون مضاعفة عدد مراكز الشرطة التي تستعملها السلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة لتعميق سيطرتها على الميدان. والقصد الى نقط شرطة وخاصة في المناطق القروية. لا يتكلم الفلسطينيون فقط على محطات في المناطق ب، الواقعة تحت سيطرة أمنية اسرائيلية وسيطرة مدنية فلسطينية. فهم يريدون أيضا محطات في المناطق ج. أثير هذا الموضوع مرارا في الماضي ورفض. هل  تشتمل "حزمة اقرار الاوضاع" ايضا على انشاء محطات شرطة فلسطينية في المنطقة ج؟

        إن إنشاء محطات شرطة أخرى يعني توسيع منطقة السيطرة الفلسطينية في الضفة. لكن يتبين أنه لا توجد عندنا فقط توترات داخلية. ففياض يريد تحقيق التوسيع بواسطة محطات شرطة أخرى. وفي مقابلته يفضل الرئيس ابو مازن أن يحصل قبل كل شيء على موطىء قدم في المنطقة ج في منطقة البحر الميت. عنده وسواس ما بشمال البحر الميت، وهو يعود ويطلب السيادة على هذه المنطقة خاصة.

        طلب فياض ايضا الى باراك ألا يدخل الجيش الاسرائيلي المناطق أ (مناطق تحت مسؤولية فلسطينية كاملة)، لا لمطاردة ساخنة ولا البتة. فأعمال الجيش الاسرائيلي غير المنسقة تضر بأهلية السلطة فضلا عن المهانة. وترفض اسرائيل هذا الطلب الفلسطيني لأسباب أمنية. في اثناء الاسابيع القريبة سيتم حوار مع واشنطن في محاولة لصرف الفلسطينيين عن هذا الطلب.

        كذلك طلب فياض تسريح أعداد كبيرة من السجناء الفلسطينيين تفضلا على السلطة. إن تسريح السجناء تفضلا، هو عنصر يكاد يتكرر ظهوره في كل خطة اسرائيلية تتحدث عن بناء ثقة مع السلطة وعن تعزيز مكانة أبي مازن. بيد أن اسرائيل أبلغت فياضا هذه المرة أنه لن يكون تسريح سجناء كهذا بسبب التطورات التي تتعلق بقضية جلعاد شليت ومفاوضة حماس.

        أثار فياض طلبا آخر هو الاستمرار على إقلال حواجز الجيش الاسرائيلي في الضفة. وهنا أثير لأول مرة فكرة أصيلة، يشك في أن يتبناها المستوطنون: فقد التزم الفلسطينيون أن ينتقل الى مسؤوليتهم كل حاجز يخليه الجيش الاسرائيلي. إن نقل المسؤولية الأمنية بنقل الحواجز من يد الى يد تجديد لم يسبق له مثيل. ويفحصون الان كيف يمكن تحقيق هذا التجديد في الواقع.

        أثيرت في المحادثة أيضا موضوعات تتعلق بقطاع غزة. لاسرائيل ولأبي مازن مصلحة مشتركة في أن يكون للسلطة الفلسطينية موطىء قدم في قطاع غزة. الحديث في هذه المرحلة عن وجود أناس السلطة في الجانب الفلسطيني للمعابر بين اسرائيل والقطاع. تزعم السلطة أنها تستطيع ادخال مراقبين في الجانب الفلسطيني من المعابر برغم معارضة حماس الممكنة. والحديث من وجهة نظرها عن مشكلة تقنية فقط من اقامة مبان حصينة، تمكن من بقاء المراقبين الفلسطينيين في المكان. تشجع اسرائيل هذا الاجراء. فسيكون أسهل عليها أن تزيد في كمية السلع الداخلة – وفيها الشاذة – عندما يكون في الجانب الثاني مراقبون للدخول من أناس السلطة لا من أناس حماس.

        يحل لنا أن نفترض أن "حزمة إقرار الاوضاع" التي حادث فيها اوباما نتنياهو تشتمل على العناصر التي أثيرت في اللقاء بين فياض وباراك، بحيث أن حبة الكرز فوق الحلوى هي نقل مناطق أخرى من المناطق ج الى الفلسطينيين. يوجد غير قليل من المناطق الخاوية في الضفة تعرف بأنها مناطق ج.

        ينضج في مرق نفسه

        تم احراز الهدف الاول للقاء اوباما لنتنياهو: فقد محوا الماضي العكر وأظهرا صداقة عميقة. ينبغي أن نفترض أن غير قليل من العناصر أشارت على الرئيس بفعل ذلك، لكن الحادثة المركزية التي أثرت فيه كانت لقاء أجراه في آيار مع عشرة سيناتورات وأعضاء مجلس نواب يهود. نحن غير قلقين من إمكان أن نخسر مقاعدنا بسبب سياستك نحو اسرائيل، قالوا له. وإلى ذلك نحن شركاء حتى في انتقادك على نتنياهو. لكن علاقتك برئيس الحكومة الاسرائيلي تعزز زعم الجمهوريين أنك تحتضن الاعداء وتبعد الاصدقاء. وأوصوه بعدم وجوب تغيير السياسة بل بوجوب تغيير الاسلوب، كي يعلم العالم ان اسرائيل ما تزال حليفا. وعلى حسب زعم بعض الحاضرين، انقضى ذلك اللقاء بمقالة الرئيس: "أنا أحب اسرائيل".

        أجل احتضن اوباما نتنياهو، وقد تركه الآن ينضج في مرق نفسه خمسين يوما حتى السادس والعشرين من أيلول، وهو أجل انقضاء تجميد البناء في المناطق. الان كلاهما راض. تخدم الزيارة في الأمد المباشر الحاجات السياسية الداخلية لكل واحد منهما جيدا. والى ذلك ترى اسرائيل أن الاحتضان الامريكي الحار إشارة الى العالم العربي والى الاتراك والى الايرانيين أن لا تتبلبلو، فاسرائيل ما تزال حليفا قريبا جدا لنا؛ ونحن سنظل على منحها ضمانات ذرية، وسنستمر على تأييدها سياسيا وسنستمر على الحفاظ على تفوقها العسكري على جاراتها.

        لكن الهدف وراء الاحتضان كان ادخال نتنياهو الحمام السياسي. في الجزء الواسع من الحمام يبذل الامريكيون كل جهد لمنع اسرائيل الهرب جانبا. وهم مستعدون لمعايشة تجميد جزئي وإعلان بالدولتين مؤيد بجبل من الشروط. أتصر اسرائيل على تفاوض مباشر؟ تفضلوا. يشكو نتنياهو التحريض والامريكيون هنا معه أيضا، في هذه الاثناء على الاقل. لكن عندما يصبح نتنياهو عالقا كما يجب داخل الحمام، سيبدأ الانزلاق في مزلقه الضيق. لن يكون لاسرائيل مناص هناك من انهاء اتفاق سياسي.

        سيكون الامتحان الحقيقي للقاء اوباما نتنياهو في الخريف او في بدء الشتاء في أقصى حد حوالي شهر تشرني الثاني. آنذاك ستضطر اسرائيل الى مواجهة مبادرة أمريكية توجب عليها أن تقرر إما إلى هنا وإما الى هناك. آنذاك، في الشتاء، سندفع كامل ثمن تلك الوجبة في الصيف. قد تكون هذه أغلى وجبة أكلها نتنياهو منذ كان.       

انشر عبر