شريط الأخبار

من أرض الصقر الى أرض الغزال -هآرتس

01:13 - 04 تموز / يوليو 2010

من أرض الصقر الى أرض الغزال -هآرتس

بقلم: دافيد أوحنا

(المضمون: شبه تأبين لوبي اليئيف الذي كان من أول المعارضين لمشروع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية الذي أيده أكثر أعضاء حركة العمل في ذلك الوقت بعد 1967 - المصدر).

        في 1984 في حملة الانتخابات للكنيست الحادية عشرة، صحبت لوبي أليئيف في شاحنة صغيرة. سافرنا من جنوبي اسرائيل الى شمالها، مارين بمحطات حياته السياسية. قرب رعنانا، بين حقول خضراء وبيوت نشأت منذ زمن قريب، طلب لوبي الى السائق أن يقف وبدأ يمشي في الحقول. لم يقدم تفسيرا وطلب أن ننتظره شيئا ما. كان الصبر كلمة لا داعي لها في هذه الحملة التي تمت وكأنها في حركة شباب، مع طاقة شباب حالمة لما سمي ذات مرة "أرض اسرائيل الخيرة القديمة".

        اتجه لوبي لدخول مبنى كبير. تابعته وأنا أجهد في ألا أبرز. هل يخلو الى الوسيط لتبادل الأسرى؟ لكن اللافتة القريبة شهدت على أننا في بيت لفينشتاين. ومع بروزه من الغرفة كان يصحب شخصا في كرسي عجلات. شهد رأسه المنحني وجسمه الهش بأن أيامه معدودة. لم يكف المريض عن البكاء وكان المشهد ممزقا للقلب. داعب لوبي وجه برفق بل إنه بدأ يرتل قصيدة شارني خوفسكي "العبي العبي على الأحلام". كان ذاك هو اسرائيل جليلي، كبير الخصوم السياسيين للوبي، والوزير الأقرب من غولدا مئير، ريشيليه الاسرائيلي، الذي قطع طريقا طويلا من القيادة القطرية لـ "الهغنا" حتى منصب رئيس اللجنة الوزارية لشؤون الاستيطان.

        إن "وثيقة جليلي"، وهي اعلان الاستيطان لحزب العمل الذي صيغ قبل نحو من شهرين من حرب يوم الغفران، شهادة تاريخية على اسهام حركة العمل من "أرض الصقر، وهي الرؤيا المعوجة عن أرض اسرائيل الكاملة. في هذه الوثيقة بسطت جميع التفسيرات للضم والاستيطان في المناطق المحتلة. كانت ذلك سفر خضوع لموشيه ديان الذي طلب استيطانا من الفور في الجولان ويهودا والسامرة وقطاع غزة. في أمانة سر حزب العمل التي اجتمعت لاجازة "وثيقة جليلي"، قال لوبي الكلام الآتي الذي يحسن أن ينقش في الصخر: "هذه الوثيقة ولدت على صوت سوط التهديدات. تأتينا هذه الوثيقة بجلد الوقت ومدية الذعر والتسرع. هذه الوثيقة تعذب بالعقارب ما أدرك أنه قيم حركة العمل. هذه الوثيقة تحل ما سماه أحد موقعيها "خنق الصهيونية"" (القصد الى بنحاس سبير).

        في نهاية كلامه ردت غولدا مئير غاضبة قالت: "لم يسمع هذا الكلام وبهذا الاسلوب قط في الحزب. لا في الجدل في التقسيم ولا في الجدل في اتفاق جبوتنسكي – بن غوريون". أجيزت الوثيقة بـ 99 صوتا، وفيها أصوات آبا ايبن وبنحاس سبير ويغئال ألون. رفعت إصبع واحدة فقط في المعارضة هي إصبع لوبي. كانت جلسة أمانة السر هذه، آخر مسمار في تابوت حزب العمل، ومهدت الطريق لحكم الليكود بعد أربع سنين. بين "وثيقة جليلي"، التي أفضت الى انشاء يميت وجسدت "ارض الصقر"، وبين المجموعة التربوية "نيتسانا"، التي أنشأها لوبي في الثمانينيات على حدود السلام مع مصر، دعا الى اختيار "أرض الغزال".

        بعد التصويت على "وثيقة جليلي" بنحو من شهرين وقبل نشوب حرب يوم الغفران بنحو من ثلاثة أسابيع كتب لوبي "النورس". في مقالته – نبوءته وصف نورسا يحلق فوق سفينة مبحرة. في بطن السفينة، المجدفون مربوطون بسلاسل وفي أعلى السفينة يتغدى نساء ورجال في لذة وفي الأعلى – مجموعة القيادة السكرى بنبيذ مجدها. يحذر النورس ربابين التايتنك الاسرائيلية من الصدم المرتقب لسور الصخور، لكن السفينة تبحر في المسار المحدد وتتجاهل التحذير. و "النورس وحده يحلق ويحلق ويصرخ في جوف الليل". رفضت حنا زيمر محررة صحيفة "دفار" نشر المقالة واقترحت عليه "أن يتخلى وقتا ما على الأقل من مصادمة الربابين وجها لوجه". لكن السفينة كانت قد اصطدمت. نشرت مقالة "النورس" عندما نشبت الحرب الفظيعة. في حرب يوم الغفران تطوع لوبي ليخدم في وحدة ضابط المصابين التي تبلغ العائلات سقوط أبنائها في المعارك.

        إن اتفاق حوادث مخيفا صرف الانتباه العام في يوم وفاة لوبي الى الاستيلاء على القافلة البحرية التركية وكأن شيطان التاريخ استدعى لقاء رمزيا بين اللاجئين اليهود في سفينة الهاربين "حاييم اورلوزوروف"، التي تولى لوبي اليئيف قيادتها، وسفينة الدعاية "مرمرة" التي اتجهت نحو اللاجئين الفلسطينيين في غزة. إن الهروب من المأساة في الماضي أصبح في المرة الثانية تحولا سياسيا. إن ما يعوزنا اليوم على نحو يائس أناس مثل لوبي اليئيف من سلاح البحرية ليمسكوا بمقود السفينة.

انشر عبر