شريط الأخبار

غزة.. أيُّهما أولى رفعُ الحصار أم المصالحة؟.. صالح النعامي

11:07 - 03 تشرين أول / يوليو 2010

غزة.. أيُّهما أولى رفعُ الحصار أم المصالحة؟.. صالح النعامي 

منذ الهجوم الإسرائيلي الغادِر على أسطول الحرية وما تبعه من حالة تضامن غير مسبوقة مع غزة، دأب مسئولو سلطة رام الله وقادة حركة "فتح" على التحذير من مغبة التركيز على رفع الحصار عن قطاع غزة وترك الاستثمار في الجهود الهادفة لإنهاء حالة الانقسام الداخلي وتحقيق المصالحة الوطنية، للأسف الشديد إن الذي دفع هؤلاء لإطلاق هذا التحذير ليس الحرص على المصالحة وتحقيقها، بل خوفهم من أن تؤدي أنشطة التضامن الدولي مع غزة إلى فكّ الحصار دون أن تستجيب حركة حماس للإملاءات التي تحاول سلطة رام الله والأطراف العربية المتحالفة معها ومن خلفها إسرائيل والولايات المتحدة فرْضَها عليها.

 

فقد بات واضحًا وجليًّا أن فلسفة الحصار تقوم على محاولة الدفع نحو انهيار حكم حركة حماس، إما بواسطة إقرارها بالعجز عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، أو عبر دفع الغزيين للتمَرُّد على حكم حماس وإظهار الحركة وكأنها تفتقد العمق الجماهيري؛ من هنا شعرت قيادة "فتح" وحكومة رام الله بكثير من الضيق عندما بدَتْ مظاهر انهيار الحصار كما عبَّرت عنه التداعيات التي أعقبت أحداث أسطول الحرية، ولقد بدا من خلال الدعوات الجديدة التي اتَّسَم بها خطاب "فتح" وحكومة فياض، وكأن هناك تناقضًا بين رفع الحصار وتحقيق المصالحة الوطنية، ومن الواضح أن هذا الخطاب يفتقد للمصداقية والجديَّة؛ فمن الطرف الذي أحبط الجهود الهادفة لتحقيق المصالح؟ فمن أسف فإن الشروط التي وضعتْها حركة فتح مدعومةً بالقوى العربية الإقليمية لا تهدف لتحقيق المصالحة، بل تهدف بشكل أساسي إلى جَرِّ حركة حماس وحركات المقاومة للمربع الذي ترسمه إسرائيل، فما العلاقة بين تحقيق المصالحة ومطالبة حركة حماس بقبول شروط اللجنة الرباعية التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة بوصفها إرهابًا والالتزام بالاتفاقيات الموقَّعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية؟ وإن كانت "فتح" تُبدي كل هذا الحرص على المصالحة فلماذا تصِرُّ على أن تقبل حركة حماس ورقة المصالحة المصرية بدون أي تعديل، وبدون النظر في ملاحظات الحركة عليها، وهي تدرك أن الانطباع السائد ليس لدى قيادة حركة حماس فقط، بل لدى الجميع، أن الورقة المصرية صمِّمت لخدمة موقف "فتح"، وهي تحمل بذور تفجر الأوضاع من جديد بين حركتي فتح وحماس، لأنها تنطق من افتراض أن رئيس سلطة رام الله محمود عباس هو طرف مُحايِد وليس طرفًا أساسيًّا في حالة الانقسام، وتخشى سلطة رام الله ومعها الأطراف العربية الإقليمية وخلفها إسرائيل والإدارة الأمريكية أن يؤدي رفع الحصار إلى حرمان هذه الأطراف مجتمعةً من القدرة على مواصلة ابتزاز الشعب الفلسطيني وإجباره على دفع ثمن خياراته الديمقراطية التي عبَّرت عنها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، على الرغم من الشكوك الكبيرة حول نوايا عباس الحقيقية إلا أنه بإمكانه أن يزيل الانطباع المتبلوِر حول حقيقة موقِفِه من المصالحة ويدلِّل على أنه جاد في تحقيقها من خلال الإثبات بأنه يعمل ضد الحصار المفروض على شعبه الذي يفترض أنه يمثلُه، فهل يعقل أن يتباكى عباس على المصالحة وهو الذي يمنع تحويل الأموال لشركة توزيع الكهرباء في غزة لسدّ فاتورة الوقود المستخدَم في تشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، الأمر الذي أدى إلى أزمة كهرباء خانِقَة لم يسبقْ لها مثيل، مع العلم بأنه في كل ما يتعلق بأزمة الكهرباء لم يعد بالإمكان اتهام إسرائيل بالتسبب في الأزمة بعد أن اتضحت أبعاد القضية، حيث أن الاتحاد الأوروبي يمنح السلطة مخصصات مالية لتغطية نفقات شراء الوقود المستخدم في توليد الكهرباء، وهي ترفض تحويلَها لشراء الوقود المطلوب، وهل يُعقل أن يتحرك عباس لدى الإدارة الأمريكية لحثِّها على عدم المساهمة في رفع الحصار على القطاع بشكل كامل؟ بالطبع لم يعدْ للمرء أن يتعامل بجدية كبيرة مع نفي عباس وسلطته لما تورِدُه وسائل الإعلام الأمريكية والعربية والإسرائيلية، فقد سبق له أن قطع أغلظ الأيمان بأنه لم يأمرْ بتأجيل بحث تقرير "جولدستون" الذي أدان إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتبيَّن فيما بعد أنه هو شخصيًّا المسئول عن سحب التقرير كما أكدت ذلك لجنة التحقيق التي شكَّلها عباس نفسه، إن عباس بإمكانه أن يدلِّل على حرصه على المصالحة وعلى مصالح شعبه عبر العمل الجاد والحقيقي لرفع الحصار، فعباس يخطِئ مرة أخرى عندما يعتقد أن التضييق على الناس في غزة سيؤدي حتمًا إلى المسّ بمكانة حماس، حيث تبين أن المتضرِّر الأساسي من ناحية سياسية هو عباس وسلطته وحركة "فتح" حيث يتآكل رصيدُه السياسي والشعبي بشكل واضح وجلي، لو تجاوزنا الناحية المبدئيَّة والاعتبارات الوطنية والأخلاقية وركَّزْنا على الجوانب السياسية، فإنه يمكن القول بأن عباس بإمكانه أن يسجل نقاطًا عديدة في ملعب حماس لو أقدم على خطوة عمليَّة حقيقية من أجل رفع الحصار، كأن يعلن عن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجون الضفة الغربية، وأن يوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، أو يعلن بشكل لا يقبل التأويل أنه ما دام الحصار مفروضًا فإنه لن يتم استئناف المفاوضات مع إسرائيل.

 

هذه خطواتٌ بإمكان عباس أن يقوم بها وببساطة، ومن شأنها أن تعزِّز مكانته وتدلِّل على صدقية خطابِه ونواياه تجاه شعبه وليس تجاه حماس فقط.

 

 

انشر عبر