شريط الأخبار

البحر الأبيض المتوسط "بحيرة إسرائيلية"! .. طلال سلمان

06:43 - 30 تموز / يونيو 2010

بقلم: طلال سلمان

منذ اللحظة الأولى لفرض الحصار على قطاع غزة، كان واضحاً أن إسرائيل تحاول إعلان البحر الأبيض المتوسط «بحيرة إسرائيلية» هي وحدها صاحبة القرار في من يعبرها قادماً أو مغادراً، كما في ما يختزنه من ثروات من بينها النفط والغاز.

 

ولأسباب شتى، فيها السياسي وفيها النفسي، تجاهل أهل النظام العربي دلالات هذا القرار الاستثنائي في خطورته على «الأمن القومي» جميعاً، ومفاعيله التي تتجاوز الضغط على «الحكومة المقالة» في غزه، الى تكريس أمر واقع جديد يتمثل بتكريس «السيادة الإسرائيلية» على البحر... علماً بأن السيادة في الجو، مطلقة لطيرانها الحربي وصواريخها، أما البر فمضبوطة حركة «القوى المعادية» لها فيه بالقرارات الدولية وقوات الطوارئ بقبعاتها الزرقاء، كما بمعاهدات الصلح المنفرد، فضلاً عن التفوق الإسرائيلي الكاسح.

 

ولقد تم تمويه السكوت المفجع عن محاصرة المليون ونصف مليون فلسطيني في ذلك الشريط الضيق من الأرض الفلسطينية، والمسقط عمداً من الذاكرة العربية الرسمية بالاعتراض على «انشقاق» الحكومة عن «السلطة»، و«استقلالها» بالقطاع الفقير، متحدية «الإرادة الدولية»، بدءاً بإسرائيل مروراً بغالبية أهل النظام العربي المعززة بالتأييد الغربي  بل الدولي  المفتوح تحت قيادة الإدارة الأميركية.

 

فجر الاثنين 31/5/2010، وعبر الغارة العسكرية الإسرائيلية، بقوات المظليين والمدمرات والزوارق الحربية على «قافلة الحرية» المقبلة من تركيا وعلى ظهر سفنها المدنية بضع مئات من المتطوعين المتعددي الجنسية، غالبيتهم من الأتراك، وبينهم عشرات من الأوروبيين، فيهم واحد من حملة جائزة نوبل، وأعداد من المواطنين من لبنان وسوريا والأردن ومصر، أكدت إسرائيل، بقوة نيرانها وبتعمدها قتل عشرة من هؤلاء الآتين لنجدة غزه ببعض المؤن والحليب ولعب الأطفال، أنها صاحبة السيادة المطلقة على هذا البحر الذي كان بعض الحالمين العرب قد رأوه «بحيرة عربية» ذات يوم مضى...

 

وإذا كانت تركيا، شعباً وحكومة، قد رأت في هذه الحملة العسكرية على متطوعين عزل وبواخر شحن وركاب لا يحمل أي منهم سلاحاً، «جريمة خطيرة» ارتكبتها إسرائيل عمداً في «المياه الدولية»، فإن غالبية أهل النظام العربي انصرفوا الى محاصرة التداعيات المحتملة لهذه الجريمة الإسرائيلية الجديدة على مجتمعاتهم المغيبة والمخدرة بالترهيب والترغيب، مكتفين بقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء الذين غامرت حكومة أردوغان المتطرف الشرس، بإرسالهم لاقتناص الزعامة في دنيا العرب والمسلمين بذريعة فك الحصار عن الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.

 

كان أردوغان قد تحول من صديق لزملائه أصدقاء الغرب من أهل النظام العربي، الى مشاغب مزعج اثر مواجهته الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دافوس، في سويسرا، قبل شهور... أما بعد مواقفه المستفزة الأخيرة التي أثارت انزعاج واشنطن، وقلق أهل النظام العربي، وريبة إسرائيل، فكان لا بد من ردعه قبل أن يستفحل خطره باستغلال عواطف الجماهير العربية التي لا تجد زعيماً مؤهلاً لقيادتها، وقد تتخذ منه «القائد» وتطالب قياداتها بأن تتخذ منه «القدوة»!

 

من وجهة نظر أهل النظام العربي فإن إسرائيل قامت  بالنيابة عنهم  بهجوم استباقي على تركيا بشخص أردوغان وحكومته، يمكن اعتباره أقوى دفاع عنهم وعن أنظمتهم العاجزة عن مواجهة إسرائيل، (هذا في حال حسن النية وابتداع الأعذار للتحلل من الواجب القومي، بل الإنساني)... أو المتواطئة معها تحت الرعاية الأميركية التي تريد هدوءاً كاملاً في المشرق العربي، للتفرغ لمسؤولياتها الخطيرة في «تحرير» أفغانستان من أهلها، بعد إنجازها الباهر في العراق!

 

لا يهم أن إسرائيل قد فرضت أمرا واقعاً جديداً بفرضها الحصار، العسكري بعد السياسي، على الوطن العربي الكبير، من المحيط الى الخليج، وبعده أو معه العالم الإسلامي من تركيا الى اندونيسيا ومن إيران الى بنغلادش!  لقد تبدت إسرائيل في حجم العالم كله، بشرقه وغربه، بشماله وجنوبه، تقرر فيلتزم الجميع بقرارها: الدول الكبرى، والأمم المتحدة ومن ضمنها مجلس الأمن الذي اكتفى ببيان رثاء لشهداء «قافلة الحرية» مشيراً الى تحقيق دولي سرعان ما عطلته الدول الكبرى بالقيادة الأميركية، بعدما تنازلت حكومة نتنياهو فقررت إجراء فحص «ذي مصداقية»... وكفى الله المطالبين بالعدالة شر القتال!

 

من باب تسجيل الوقائع لا بد من الإشارة الى أن دول الاتحاد الأوروبي التي كانت تتفجر غضباً، وبين الضحايا بعض من رعاياها، سرعان ما هدأت منعطفة من السياسة الى الإنسانيات، ثم ارتدت الى لوم تركيا التي «بالغت في تعاطفها ربما تحت تأثير النزعة الإسلامية على حكومتها». وكانت تلك حجة إضافية لتبرير التحايل الأوروبي الدائم على رفض تركيا (الإسلامية) في الاتحاد الأوروبي (الذي كان في الأصل مسيحياً ويخشى على انسجامه الديني  الفكري  الثقافي من اجتياح التطرف الديني)، على ما يقول بعض كبار المسؤولين الغربيين، والأخطر: بعض مفكري اليمين المتطرف في الغرب الأوروبي!

 

ومن دون معلومات موثقة، وبالاستناد الى وقائع ثابتة في الماضي، يمكن تلمس آثار اليد الإسرائيلية، والغربية عموماً، في هذه الاندفاعة العسكرية الجديدة والأوسع مدى التي لجأ اليها حزب العمال الكردي على الحدود التركية  العراقية. وليس من المجازفة القول إن لحزب مسعود البرازاني في كردستان العراق دوره في هذه الحرب الجديدة التي تريد إلزام تركيا بموقع الدفاع، فإذا كان الإسلام يجمع بين الترك والكرد فإن السلطة تفرق بينهما الى حد الحرب... ولعل الزيارة الاضطرارية التي قام بها «رئيس إقليم كردستان العراقي» الى تركيا، تحمل مضمون التنصل من المسؤولية عن تشجيع المهاجمين، وبالذات عن توقيت هجماتهم عليها، بينما دماء المتطوعين الأتراك الذاهبين لنجدة غزه لا تزال تصبغ بالأحمر البحر الأبيض الذي كان «إسلاميا» ذات يوم.

 

واضح أن المحاولات الإسرائيلية، التي تحظى بشيء من التأييد الأوروبي والصمت الأميركي «الايجابي» تستهدف التشهير بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا من خلال إظهاره بإحدى صورتين:

1 المتعصب لإسلامه بما يمنع إسباغ الهوية الأوروبية (المسيحية) عليه. وبما يفيد في تهييج الجيش التركي حارس العلمانية ضده.

2 وفي الوقت عينه: الشوفيني، بدليل عنصريته تجاه الأكراد، وهم مسلمون.

 

وبالتالي، يمكن إعادة تظهير الحملة التركية على إسرائيل من ضمن منطق العداء للغرب عموماً، والتعصب الديني، الذي يجعل حزب أردوغان عدواً للمسيحية واليهودية (وحتى الإسلام المدجن) في آن معاً.

 

كان القرار الإسرائيلي، المعزز بالتأييد الأميركي، واضحاً ومحدداً:

«لا يجوز أن يتم التهاون مع المبادرات التركية المتعددة، سواء بالانفتاح على سوريا الى حد إلغاء التأشيرات وفتح الحدود في الاتجاهين، أو «بتفهم» الموقف الإيراني والاستعداد للقيام  مع فنزويلا  بدور الوسيط في مسألة المفاعل النووي، الى حد الاعتراض القوي في مجلس الأمن الدولي على القرار الأميركي المسوق جيداً مع حلفائها الأوروبيين ومع الصديق الروسي المستجد والمتردد في انتظار عرض اللحظة الأخيرة، ومع «الشريك» الصيني الذي يوازن بين مصالحه وتاريخه العقائدي فتغلب المصالح.

 

«إن تم التهاون مع المبادرة التركية لكسر الحصار على غزة، فلسوف يعاني أهل النظام العربي جميعاً من ارتداداته، بما يتجاوز الحرج الشديد الى حد تهديد بعضهم بالسقوط.

 

«ثم ان السلطة المتهالكة أصلا، في رام الله، سوف تسقط، ولا بد من نجدة سريعة لها، تخرجها من صورة المتواطئ على أهلها..»

 

وكان التدخل مع تركيا لكي تستقبل محمود عباس وأركانه «استقبال رئيس دولة»، حرصاً على كرامة فلسطين وشعبها في مختلف بقاع انتشاره، وليس في غزة فقط.. واختير للزيارة موعد له دلالاته: خلال الرحلة الى واشنطن للقاء الرئيس الأميركية الأسمر ذي الجذر الإسلامي، باراك أوباما..

 

كذلك كان التدخل مع مصر لفتح معبر رفح، تخفيفاً للضغط الشعبي عليها، كما على «السلطة» في رام الله. وطفت على سطح العمل السياسي في المنطقة قاعدة مستجدة مفادها: إذا كانت فلسطين المهددة بالتذويب المنهجي على أيدي الاحتلال الإسرائيلي المعزز بالتأييد الغربي المفتوح، تنذر بتوحد المسلمين، فلا بد من حواجز تمنعهم من «التورط» والاندفاع في هذا الطريق!

وبالتالي: ممنوع اقتراب مصر من تركيا على قاعدة فلسطين. وممنوع تطور التقارب التركي  الإيراني على قاعدة فلسطين.

 

... ولا بد من مبادرة عربية ما، تمتص النقمة من دون أن تترك أثرا ينذر بتحول سياسي جداً. وهكذا، واستنقاذاً للنظام العربي وأهله، لا بأس بزيارة «غير رسمية» يقوم بها الأمين العام لجامعة الدول العربية الى قطاع غزة. .. ولا بأس من فتحة صغيرة في سور الحصار تبادر إليها إسرائيل، لامتصاص الحملة الغربية عليها، وكذلك لتخفيف الضغط على النظام العربي، ما دام الطرفان في الموقع نفسه.

 

ليس الحصار الإسرائيلي لغزة إلا العنوان لفرض أمر واقع جديد يمكن تلخيصه بعبارة محددة: إن البحر الأبيض المتوسط هو  بعد اليوم  بحيرة إسرائيلية، وهي وحدها صاحبة السلطة فيه وعليه، لا يعبره إلا من لا تشك في مقصده أو في هدفه من وراء عبوره. وواضح أنها من أجل فرض هذا الأمر الواقع قد استغلت الخصومة بين تركيا والحكم في قبرص الذي ذهب في مجاملة إسرائيل الى حد العمل في خدمتها، برفض استقبال سفن النجدة الذاهبة الى غزة، حتى لو ثبت أنها لا تحمل غير الأدوية والمؤن ولعب الأطفال.

 

وآخر ما حررته الإرادة الإسرائيلية لتوكيد سيطرتها الكاملة على المتوسط، كبحيرة من أملاكها أو مشاعاتها لا فرق، إعلانها عن اكتشاف حقول غنية بالنفط والغاز فيه وعلى مبعدة حوالى مئة كيلومتر عن البر الفلسطيني المحتل، وتعاقدها مع شركات دولية لاستغلال هذه الثروة الهائلة التي تكفيها لمدة ثلاثين سنة.

 

وباعتبار لبنان معنياً بهذا الكشف الذي يحاذي، في جانب منه، مياهه الإقليمية، فقد باشر المسؤولون فيه العراك من حول جلد الدب قبل اصطياده... وشجر الخلاف بين أهل الطبقة السياسية فيه حول توزيع امتيازات شركات الدراسة وبعدها الاستثمار، بينما إسرائيل أعلنت وضع يدها على البحر جميعاً، تاركة للعرب  مرة أخرى  التحسر على حكم «دول» لم يستطيعوا حمايتها، ومع ذلك فهم متشبثون بالبقاء فوق سدة السلطة فيها حتى... الى أجل الأجلين!

انشر عبر