شريط الأخبار

الفزاعة..هآرتس

11:59 - 30 تموز / يونيو 2010

بقلم: جدعون ليفي

مشهد بلادنا مزروع بالنصب التذكارية ولكن هناك أمر واحد ينتشر جدا في المشهد: الفزاعة. تلك الدمية التي تشبه البشر البائسة والسخيفة، مبسوطة الذراعين على الجانبين في مظهر من انعدام الوسيلة، وترمي لتخويف (العصافير). في السنوات الاخيرة باتت العصافير تخاف أقل من الفزاعات، فقد فهمت بأن هذه خدعة، ولكن في اسرائيل يواصلون تخويف الناس بالذات. فالسياسيون والجنرالات يخترعون هذه الفزاعات لاغراض التخويف من الداخل ومن الخارج لدرجة انهم هم أنفسهم باتوا يخافونها. والفزاعة الدورية هذه المرة هي تحرير مخربين مع "دم على الايدي".

        لقد امتشقت الان الارقام الباعثة على الرعب: السجناء الذين تحرروا عادوا لقتل اليهود. والاستنتاج: لا لصفقة شليت. وهكذا فان هذه فزاعة أخرى. الارهاب توقف لان القيادة الفلسطينية توصلت الى الاستنتاج بأنه لا يحقق شيئا ولأن المجتمع الفلسطيني نازف ويائس. والى أن ينشأ جيل المقاتلين التالي فانه لن يكون ارهاب ذو مغزى – مع مخربين محررين او بدونهم. كما أن تعبير "دم على الايدي" لا يرمي الا الى تزيين الفزاعة بألوان حربية: الدم يوجد على أيدي الطرفين الصقريين ومن الافضل لنا أن نفحص يد من ملطخة اكثر بالدماء.

        للتخويف من تحرير مخربين سبق بالطبع تقليد بعيد السنين. فالاقتراح للحديث مع م.ت.ف كان ذات مرة فزاعة مخيفة على نحو خاص ومثلها اقامة دولة فلسطينية. ايبي نتان زج به لاشهر في السجن بذنب الاتصال مع م.ت.ف الى أن التقى 5 رؤساء وزراء مع رئيسها وأصبحت المنظمة شريكا محببا لاسرائيل. ومن أيد ذات مرة الدولة الفلسطينية اعتبر خائنا الى أن بدأت اسرائيل بأسرها، من بيبي وحتى طيبي، تؤيد هذا الحل اما الان فان الفزاعة الدورية هي المفاوضات مع حماس، والتي تشبه على نحو مذهل سابقتها.

        قبل "رصاص مصبوب" خلقنا رعب تسلح حماس، تهريب السلاح الايراني في الانفاق واقامة خلايا القاعدة في القطاع هذا ايضا انهار مع الهجوم الوحشي للجيش الاسرائيلي الذي لم يصطدم بمقاومة عسكرية حقيقية. أين كان السلاح الايراني؟ أين التسلح؟ فزاعة. عندما كان كل فتى مع عبوة انبوب يعتبر "كبير حماس" وكل مسلح رئيس الذراع العسكري للجهاد، امتلأت البلاد بدمى التخويف من صنع أيدينا. منظومة كاملة من أجهزة الدعاية الحكومية والأمنية، الى جانب جوقة التخويف في وسائل الاعلام، بجملة المحللين المندوبين عنها، حرصت على ألا نفوت أي حملة رعب.

        أغنية الفزاعة حذرت أيضا من رفع الاغلاق عن غزة. الى ان صمتت ولم يحصل شيء. تذكروا الحواجز. على مدى السنين شرحوا لنا بأن تأخير عشرات آلاف بني البشر واهانتهم يوميا هو أمر حيوي لدولة اسرائيل. معظم الحواجز رفعت، وانظروا العجب، التخويف انهار وشيئا لم يحصل.

        وفي عشية فك الارتباط ايضا أقمنا لنا دمية، فخر التخويف في دولة اسرائيل: حرب أهلية. اخلاء المستوطنين سيؤدي الى سفك دماء، "هذه بلادنا" ستغلق الطرق وتعطل الاقتصاد. لم يحصل شيء من هذا، ولكن الفزاعة لم تتنازل: خوف المستوطنين لا يزال يربض فوقنا. كل حكومة في اسرائيل تخاف من نمر الورق هذا.

        تريدون المزيد؟ قالوا لنا ان الانسحاب من سيناء سيكون مصيبة، وخير شرم الشيخ من دون سلام، والا سنبقى مع قطعة ورق. هذا ايضا مات، ولكن اقامة محله فزاعة جديدة: النزول من الجولان هو خطر على الارواح. السوريون سيغطسون  أقدامهم  في بحيرة طبريا. ولكن الاقدام التي تبرد هي اقدامنا بالذات: يكفي زرع هذا الرعب للامتناع عن الوصول الى سلام مع سوريا. وعندما ستنهار ذات يوم هذه  الفزاعة ايضا، لن يسأل احد مما خفنا، بالضبط مثلما خفنا عبثا على مدى السنين من فزاعة أخرى: الانسحاب من لبنان. العالم كله نهض لابادتنا، فزاعة أخرى. في الجبهة الداخلية ايضا اقمنا غير قليل من الفزاعات، من "اسرائيل تجف" وحتى انفلونزا الخنازير. أتذكرون رعب انتشار الوباء والتوصيف الفظيع في تصوير المستشفيات تنهار؟

        وربما ايضا التهديد الذي يقول إن ايران ستلقي قنبلة ذرية على اسرائيل، رغم كل قوة ردعنا، سيتبين هو ايضا كسلاح صدىء. اذ انه مع تاريخ الفزاعات هذا لم يعد ممكنا ان نعرف ما هي فعلا فزاعة وما هو فعلا تهديد. في هذه الاثناء تثبت التجربة على نحو قاطع: هذه البلاد مليئة بالكثير جدا من الفزاعات المسكينة.

انشر عبر