شريط الأخبار

إسرائيل والقدس ومياه البحور الثلاثة.. عريب الرنتاوي

11:51 - 30 حزيران / يونيو 2010

إسرائيل والقدس ومياه البحور الثلاثة.. عريب الرنتاوي

 

هل ثمة "خط أحمر" إن اجتازته إسرائيل، سجري الأدرينالين في عروقنا، وتصعد الدماء إلى ادمغتنا، ونقرر في "وقفة عز" أن الوقت قد حان لكسر الرتابة والخروج عن مألوف الخطاب، والتوقف عن تجريب المجرب، والانتقال فوراً ومن دون إبطاء، إلى "الخطة ب"؟...أحاول سبر أغوار عقول قادة السلطة والنظام العربي وما يجول فيها، فلا أجد أثراً، لا لـ"الخط الأحمر" ولا لـ"الخطة ب"، والأرجح أن "انتظار غودو" الذين لن يأتي أبداً، قد تحوّل إلى استراتيجية عليا، وأن عقلية "سعيد أبي النحس المتشائل" قد باتت مهيمنة على تفكير القوم وسلوكهم وردات فعلهم التلقائية والغريزية.

 

مناسبة هذا الاستهلال المتشائم، ما قرأناه في صحف اليوم مواقع الأمس عن "خطة التغيير الهيكلي لمدينة القدس" التي تعمد إسرائيل على تنفيذها، وتتعمد نشر أبرز محاورها وخطوطها وهي على "مرمى أسبوع واحد فقط" من لقاء أوباما – نتنياهو، لكأن قادة اليمين واليمين المتطرف في دولة الاحتلال، يصرون على إبلاغ القاصي والداني، الصديق والعدو، بأن "هذه هي سياستنا، شاء من شاء وأبى من أبى، ومن لا يعجبه ذلك، فليشرب من مياه البحور الثلاثة: الميت والأحمر والأبيض".

 

لم تعد تستوقفنا تنازلات الماضي والحاضر، بما فيها "التعهد بعدم نفي الحق التاريخي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل"، والتنطح الفوري لإدانة العملية "الإرهابية" التي أودت بحياة جندي إسرائيل – في الخدمة – على أرض فلسطينية محتلة، بعد أن أدمنا العيش والتعايش مع خطها البياني الهابط، فنحن شهود على زمن اللامعقول الفلسطيني، الذي بدأ بالاعتراف الواقعي بوجود إسرائيل لينتهي بتبني الرواية الصهونية للصراع العربي الإسرائيلي وحكاية الحق التاريخي، مرورا بنبذ كل المقاومات بما فيها المقاومة بالكلمة تحت مسمى "التحريض"، والتنديد بها حتى وهي تعمل من ضمن معايير الأمم المتحدة وميثاقها، "فلا تستهدف مدنياً ولا تخرج عن خط الحدود الذي رسمته خريطة الطريق".

 

ما يثير قلقنا أمر آخر، يتصل بما يمكن تسميته "تنازلات المستقبل"، فإن كنّا ونحن في ذروة الحديث عن "تلاشي" خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، نقدم كل هذه التنازلات مجاناً وطواعية، فما هي، وأين تقع، "نقطة التحوّل" المنتظرة، التي إن بلغتها العدوانية الإسرائيلية صرخنا بأعلى صوتنا مرددين العبارة المشهورة: "قف وفكّر". أين هو "خطنا الأحمر" الذي سنندفع بعده لإحداث الاستدارة في المواقع والمواقف؟

 

ماذا إن اكتمل تنفيذ الخطة الهيكلية في القدس على سبيل المثال لا الحصر، هل سنظل نردد "الذئب الذئب" كما قال هاني المصري قبل يومين، في إشارة لتهديدات صائب عريقات المضحكة المبكية بحل السلطة ؟!..من يأخذ هذه التهديدات على محمل الجد؟...وكيف ينسجم التلويح بحل السلطة بدعم خطة رئيس حكومتها لبناء مؤسسات الدولة، والتلويح بالذهاب إلى مجلس الأمن، في أي طريق يريد هؤلاء أن يسيروا وأن يأخذوا الشعب الفلسطيني معهم ووراءهم؟..طريق "حل السلطة" أم طريق سلام فيّاض الثالث، طريق بناء مؤسسات الدولة تحت الاحتلال؟.

 

القدس تتسرب من بين أيدينا قطعة قطعة، والعملية تتم من الجانب الإسرائيلي بعلانية ملؤها الاستخفاف والتحدي، وعمّا قريب ستواصل إسرائيل، وبذات العلانية والغطرسة، قضم المناطق التي ترغب باقتطاعها من الضفة الغربية، بعد أن قررت اللجنة المركزية لليكود الحاكم استئناف عمليات الاستيطان في الضفة عند انتهاء مهلة العشرة أشهر في أيلول المقبل، وسيكون الموفد جورج ميتشيل في ذلك الحين قد أكمل الجولة العاشرة من محادثات التقريب غير المباشرة (أكمل حتى الآن أربع جولات) من دون أن يأخذ من نتنياهو (لا حق ولا باطل)، وسنأتي إلى ما بعد انتخابات الكونغرس النصفية، ولا ندري كيف سيكون حال إدارة أوباما المنقسمة على نفسها والتائهة في ملفات العجز والمجهول، من أفغانسان إلى خليج المكسيك، ومن العراق إلى وول ستريت، وسنقرأ عشرات التصريحات التي تتحدث عن القيود التي تكبح واشنطن عن العمل لتحقيق الاختراق، وسندخل عاما جديدا نحتفل فيه بالذكرى السنوية العشرين لبدء عملية مدريد، مستذكرين أعداد المستوطنين ومساحات المستوطنات التي زُرعت في القدس والضفة الغربية، مسترجعين بألم وحسرة، حلم الحرية والاستقلال الذي "تلاشى" باعتراف أكثر الناطقين إخلاصا (بالمعنى العقائدي للكلمة) لقضية السلام واللاعنف وعدم التحريض والحق التاريخي لبني إسرائيل في أرض أرض إسرائيل.

 

متى يتعين علينا أن نقف ونتوقف، أما من أحد قادر على رسم "خط النهاية" لهذه اللعبة المعروفة نتائجها سلفاً، أما من طريقة لوقف الانحدار والانهيار؟!

انشر عبر