شريط الأخبار

لماذا يدعم الأيرلنديون الفلسطينيين؟

11:42 - 28 حزيران / يونيو 2010

لماذا يدعم الأيرلنديون الفلسطينيين؟   

فلسطين اليوم- وكالات

يتساءل مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط في كلية كنغ بلندن روري ميلر عن الأسباب التي دفعت الأيرلنديين -الذين كانوا ذات يوم نصيرا قويا لتطلعات اليهود- لأن يصبحوا داعما قويا للفلسطينيين.

 

ويقول مؤلف كتاب "أيرلندا والقضية الفلسطينية بين عامي 1948 و2004" الذي نشر عام 2005، إنه بينما كان العالم يتأهب للرد على الهجوم الدموي الإسرائيلي على سفن قافلة الحرية المتجهة إلى غزة يوم 31 مايو/أيار الماضي، جاء أول رد من مصدر غير متوقع وهو أيرلندا.

 

ففي صبيحة الخامس من يونيو/حزيران الجاري اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة راشيل كوري التي أبحرت من الساحل الشرقي لأيرلندا، وكانت تحمل ركاباً أيرلنديين من بينهم ماريد ماغواير، الحائزة على جائزة نوبل للسلام تقديراً لها على جهودها في جلب السلام لأيرلندا الشمالية.

 

ويستطرد الكاتب الذي يستعد لنشر كتاب جديد بعنوان "النزاع المشين.. أوروبا وإسرائيل والفلسطينيين"، بأن النزاع الدبلوماسي المرير الذي اندلع بين الحكومتين الإسرائيلية والأيرلندية الذي رافق رحلة راشيل كوري إلى غزة كان أحدث حلقة في تاريخ العلاقات الطويل من الخصومة بين البلدين.

 

ويضيف أن التوتر تصاعد كذلك بين البلدين على خلفية طرد دبلوماسي إسرائيلي من دبلن وسط غضب أيرلندي بشأن ما تردد من استخدام إسرائيل ثمانية جوازات سفر أيرلندية مزورة في عملية اغتيال قيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في دبي.

 

مكان مميز

ويقول في مقالته التي نشرت مؤخرا على الموقع الإلكتروني لمجلة فورين بوليسي، إن القضية الفلسطينية احتلت مكانا مميزا في ضمير الأيرلنديين منذ أمد طويل بما يتجاوز كثيرا الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية أو السياسية، ووفقاً لتوازي وتطابق محنة الفلسطينيين مع تجربة الأيرلنديين القومية، فقد أوجد ذلك اتصالا وتواصلا عاطفيا ووجدانيا مع فلسطين، الأمر الذي أوحى بالنشاط الأيرلندي في المنطقة حتى يومنا هذا.

 

في البداية وفي سنوات العشرينيات والثلاثينيات كان هناك تعاطف واضح وراسخ مع الصهيونية من منطلق التشابه في المعاناة التاريخية لكل من الأيرلنديين واليهود ناهيك عن التجربة المريرة المؤلمة للطرفين عبر الهجرة على نطاق واسع في القرن التاسع عشر.

 

فمن منطلق تعرض الأيرلنديين للاحتلال تاريخيا فقد أيدوا "النضال الصهيوني ضد البريطانيين من أجل حصولهم على حق  تقرير المصير".

 

وفي هذا السياق كتب مراسل لمجلة بيل الأيرلندية واسعة الانتشار في مارس/آذار 1945 معلقا على الأحداث الجارية في فلسطين تحت الانتداب بقوله "لا يمكن نسيان أن الشعب الأيرلندي تعرض لكل ما يتعرض له الشعب اليهودي في فلسطين من معاناة على يد العصابات المسلحة المدربة والإرهابيين البريطانيين التي فرضتها قوات الانتداب على البلاد".

 

لكن المفاهيم والمشاعر القومية الأيرلندية تجاه إسرائيل سرعان ما تغيرت فقد أدى التمرد ضد الحكم البريطاني إلى حرب أهلية مؤلمة تسببت في ضم ستة من أقاليم شمال الجزيرة إلى التاج البريطاني, وبمجرد قبول الحركة الصهيونية لتقسيم فلسطين, بدأ الأيرلنديون في رسم تشابهات وتطابقات صريحة بين السياسات الإسرائيلية ووضعهم المقسم.

 

وبدت الدولة اليهودية في نظر العديد ليست كجالية دينية قومية محاصرة تكافح ببسالة من أجل حصولها على حقوقها الطبيعية بل أشبه ما تكون بمستعمرة غير شرعية أسست بفعل أسلحة القوة البريطانية وتنوي فرض نفسها على السكان الأصليين.

 

وقد عبر عن هذا الشعور الروائي الأيرلندي الشهير سين أوفلون في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1947 بعدما أقرت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، حيث رفض المقارنة بين نضال كل من الأيرلنديين والصهيونيين بقوله "لو تصورنا أن البريطانيين حولوا أيرلندا لتكون وطنا قوميا لليهود, فليس لدي أدنى شك في أي جانب ستكون".

 

ولم يفلح الكفاح العسكري الصهيوني ضد البريطانيين في أواخر الأربعينيات بتغيير النظرة التي ترى في إسرائيل "ألستر يهودية موالية" حسب السير رونالد ستورز -أول حاكم بريطاني للقدس- فعلى غرار منطقة ألستر بشمال أيرلندا التي تسعى لإبقاء أيرلندا تحت الحكم البريطاني وإعاقة القومية الأيرلندية, فقد صممت إسرائيل كي تكون حاجزا أمام القومية العربية.

 

الفاتيكان

أما "عنصر الفاتيكان" الذي يختصر من وجهة نظر الكاتب والسياسي كونور كروز أوبرين نفوذ الكنيسة الكاثوليكية على الحياة السياسية والاجتماعية الأيرلندية، فقد أثر على نظرة الأيرلنديين للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

ففي عام 1948 أصدر البابا بيوس الثاني عشر بيانا في مالتيسبيبس كيوريس أيد فيه تدويل القدس وضواحيها, ومنذ ذلك الحين تبنت الحكومة الأيرلندية مخاوف الفاتيكان حيال الأماكن المقدسة في القدس وأثنت على مطالبته بوضع المدينة تحت وصاية دولية.

 

وكان موضوع "ما الذي يجب عمله بخصوص فلسطين" محور نقاشات منتظمة بين مسؤولين كبار من الفاتيكان وأيرلندا. فخلال حفل عشاء في دبلن عام 1961 حذر كون كرمين -وهو مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأيرلندية- ضيفه السفير الإسرائيلي لدى بريطانيا آرثر لوري من أن قضية الأماكن المقدسة عنصر بالغ الأهمية ويؤثر على علاقات وروابط أيرلندا بإسرائيل، واستطرد يقول إنه "من الخطأ عدم الاهتمام بوضع الفاتيكان أو شطبه".

 

نتيجة لذلك جاء اعتراف أيرلندا القانوني بإسرائيل في عام 1963 أي بعد 15 عاما من إعلانها "استقلالها", وفي أواخر الستينيات كانت أيرلندا مشغولة بمصير اللاجئين الفلسطينيين الذين تزايد عددهم بعد حرب الأيام الستة من يونيو/حزيران عام 1967.

 

وفي العام 1969 تحدث وزير الخارجية الأيرلندي فرانك أيكين أمام "ديل" -الغرفة السفلى في البرلمان الأيرلندي- واصفا حل هذه المشكلة بأنه أكثر المواضيع إلحاحا وأهمية في سياسة أيرلندا تجاه الشرق الأوسط.

 

وقد ترك أيكين منصبه في وقت لاحق من تلك السنة بعد أن كانت السياسة الأيرلندية قد تأصلت وترسخت على أساس استحالة تحقيق السلام دون عودة أكبر عدد ممكن من اللاجئين الفلسطينيين والتعويض الكامل وتوطين من تبقى منهم.

 

لواء القضية

ويستطرد الكاتب بأن الحكومات الأيرلندية المتعاقبة منذ انضمام أيرلندا إلى الاتحاد الأوروبي في العام 1973 رفعت لواء تأييد القضية الفلسطينية داخل أوروبا, وكانت أيرلندا أول عضو أوروبي نادى بقيام دولة فلسطينية في فبراير/شباط من العام 1980، وكانت آخر من سمح لإسرائيل بتشييد سفارة فيها في ديسمبر/كانون الأول عام 1993.

 

وقد أدت المواجهات والصدامات بين القوات الأيرلندية العاملة في لبنان والجيش الإسرائيلي وأتباعه من المليشيات اللبنانية في الفترة من 1978 إلى 2000 إلى  زيادة العلاقات سوءا، حيث مات 45 من الجنود الأيرلنديين أثناء عملهم مع قوات الأمم المتحدة في لبنان, ووجهت الحكومة الأيرلندية اتهاما إلى إسرائيل بالتسبب بشكل مباشر أو غير مباشر بمقتل 15 منهم على الأقل، كما اتهمتها باختطاف وإعدام جنديين أيرلنديين على يد جيش لبنان الجنوبي المتحالف مع إسرائيل.

 

وخلال حقبة اتفاقيات أوسلو وما بعدها استمرت حكومات أيرلندا في توفير الدعم القوي وغير المحدود للقضية الفلسطينية, وفي حديث لرئيس الوزراء الأيرلندي بيرتي أهيرن أمام رابطة السياسة الخارجية في مدينة نيويورك في سبتمبر/أيلول من عام 2000 أعلن أن البعد الأخلاقي للشؤون الدولية كان السبب الأول والرئيسي للدور الأيرلندي بدعم القضية الفلسطينية.

 

ويستطرد الكاتب بأن الارتباط والتأييد الأيرلندي للقضية الفلسطينية استمر حتى بعد تبخر التفاؤل بحقبة أوسلو, ففي يونيو/حزيران 2003 قام بريان كوين -الذي أصبح بعد ذلك وزير خارجية أيرلندا- بزيارة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أوج الانتفاضة الثانية حتى بعد أن رفضت إسرائيل استقبال الشخصيات الأجنبية التي تلتقي الزعيم الفلسطيني خلال زيارتها للمنطقة.

 

وجاءت زيارة كوين في فترة فقدت الحكومة الأميركية وغالبية الإسرائيليين وقطاعات كبيرة ومهمة من السكان الفلسطينيين الثقة في قدرة عرفات على قيادة الفلسطينيين نحو إنشاء دولة  فلسطينية, ولكن كوين تحدث أمام العديد في أيرلندا ووصف عرفات بأنه رمز الأمل في حق تقرير المصير للفلسطينيين وأثنى على عمله المتميز ورباطة جأشه ومثابرته.

 

الحكومة الأيرلندية

ويرى الكاتب أن المنظمات غير الحكومية الأيرلندية استمرت في العمل بنشاط لترجمة الدعم العام الأيرلندي للفلسطينيين إلى أعمال، ويمكن لأيرلندا أن تدعي أنها أكثر العناصر المنظمة الفاعلة في الحملة الدولية للتضامن مع الفلسطينيين.

 

فقد رفع نحو 12 ألفاً من الشخصيات العامة الأيرلندية ومن بينهم 52 من أعضاء البرلمان وأعضاء من البرلمان الأوروبي والشيوخ والسياسيين المستقلين عريضة إلى الحكومة تطالبها بمقاطعة إسرائيل, ومنذ ذلك الحين نفذت حملات مهمة من أجل عزل إسرائيل ونزع شرعيتها.

 

أما الحكومة الأيرلندية الملتزمة بانتهاج السياسة التي تم الاتفاق عليها أوروبيا بخصوص فلسطين والمهتمة بتوسيع علاقات التجارة والبحث والتطوير مع قطاع التقنية العالي الإسرائيلي فلن تشذ عن شركائها وتؤيد مقاطعة إسرائيل اقتصاديا أو أكاديميا أو ثقافيا.

 

ولكن توجد هناك خصومة وعداء ضد إسرائيل لدى معظم الأحزاب السياسية التي تحمل إسرائيل وزر الفشل المستمر في جلب السلام، وحتى المناخ السياسي المزعج الذي ساد منذ الانهيار الاقتصادي في العام 2008 لم يستطع أن يضعف الإجماع حول تلك القضية.

 

ويضيف الكاتب أنه حتى بعد تعيين إسرائيل للورد ديفد ترمبل -وهو زعيم سابق لحزب ألستر الوحدوي والحائز على جائزة نوبل للسلام- كأحد الأعضاء الأجانب المراقبين في لجنة التحقيق في حادثة أسطول الحرية فإنه لا توجد فرص كبيرة لتغيير الرأي العام الإيرلندي.

 

ويعتبر العديد من الوحدويين إسرائيل كشعب معزول محاط بقوى معادية ويحتاج إلى دعم دولي, ويأتي دعمهم لها كرد فعل لدعم الجمهوريين الأيرلنديين للقضية الفلسطينية.

 

ففي الثمانينيات رفعت في بلفاست لوحة خلال حقبة الجيش الجمهوري الأيرلندي ساوته بمنظمة التحرير الفلسطينية قائلة إنهما يخوضان نضالا واحدا. وخلال حقبة السلام ما زال تأثير تلك الانقسامات يتغلغل عميقا. فقد رفع سكان المناطق البروتستانية العلم الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية، بينما رفع سكان المناطق الكاثوليكية العلم الفلسطيني.

 

وما زال الجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي المعروف باسم الشين فين -الذي انتخب ممثلوه في البرلمانين الأيرلندي والبريطاني، ويشارك في الحكم في أيرلندا الشمالية- منتقدا قويا لإسرائيل حتى يومنا هذا.

 

ففي العام 2006 وصف الناطق بلسان الحزب للشؤون الدولية وحقوق الإنسان أينغيوس أو سنوديه في برلمان دبلن إسرائيل بأنها "واحدة من أكثر أخس وأبغض الأنظمة على الأرض"، وفي شهر مايو/أيار الماضي كان هذا السياسي واحدا من ثلاثة سياسيين أيرلنديين منعتهم السلطات من مغادرة قبرص للانضمام إلى قافلة سفن الإغاثة لغزة.

 

ويختم الكاتب بالقول "إن النزعة الأيرلندية لرؤية العالم الخارجي وفقا لهواجسنا المحلية تكشف عن استمرار ملازمة هذه النزعة لنا, فما زال سرد الرؤية السياسية القوية التي تربط أيرلندا بإسرائيل وفلسطين يلهم أتباعها وأناسها وحكومتها للقيام بالعمل, ومن وجهة نظر العديد من الأيرلنديين فإن "ألستر اليهودية الصغيرة" ما زالت وراء العديد من المشاكل التي ابتلي بها الشرق الأوسط".

انشر عبر