شريط الأخبار

أردوغان في المواجهة .. د. محمد نور الدين

05:14 - 27 تشرين أول / يونيو 2010

بقلم: د. محمد نور الدين

أطلق الاعتداء على أسطول الحرية “دينامية” جديدة في منطقة الشرق الأوسط تهدف إلى مغادرة الخريطة الحالية وخلط الأوراق في اتجاه توازنات إقليمية جديدة مختلفة.

ويمكن القول إن أحد أهم العوامل التي هزّت المعادلة السابقة كان السياسة الجديدة التي اتبعها حزب العدالة والتنمية بعد وصوله إلى السلطة في تركيا في نهاية العام 2002.

واذا كان الحزب حمل رؤية مسبقة لمكانة تركيا ودورها في محيطها الإقليمي وفي العالم أساسها أن تكون تركيا على علاقات جيدة مع الجميع، وأن تكون على مسافة واحدة من كل المحاور،فإنها تزامنت مع الهجوم الشامل الذي اطلقته إدارة جورج دبليو بوش ضد العالم الإسلامي بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001.

وإذ كانت هذه الهجمات جاءت ذريعة قوية، غير ان الهدف الأصلي كان استكمال محاولة واشنطن وضع يدها على العالم وفي القلب منه الشرق الأوسط موطن الثروات النفطية ومركز تواجد “إسرائيل” وذلك لملء الفراغ الذي أحدثه انهيار الاتحاد السوفييتي.

وأكبر دليل على ذلك أن جهود إخضاع العراق وحصاره وإفقاره تمهيداً لضربه امتدت سنوات التسعينات وقبل هجمات نيويورك.

وعندما حدثت الهجمات كان الرد الأمريكي الأولي في أفغانستان، حيث “القاعدة” و”طالبان” لكن الردّ الفعلي كان في احتلال العراق رغم أن لا علاقة له البتة بهجمات نيويورك.

ولأن الخطة الأمريكية من وراء احتلال العراق كانت تتجاوز أهدافها المعلنة جاء الرفض التركي للمشاركة في احتلال العراق ورفض البرلمان التركي لذلك في الأول من آذار/ مارس 2003.

لم ترد الولايات المتحدة شركاء سوى “إسرائيل”. كانت تريد من الجميع أن يكونوا تابعين ومنفذين للإملاءات.

وما رفض تركيا المشاركة في احتلال العراق إلا لأن صورة العراق “الجديد” كانت واضحة: التفتيت التدريجي لدول ومجتمعات المنطقة على أساس عرقي ومذهبي ما يسهل وضع اليد على نفط المنطقة فضلاً عن الهدف الأزلي والأثير في المزيد من حماية “إسرائيل” عبر تفكيك المنطقة إلى كيانات محيطة أصغر، وإغراق المجتمعات في تناحراتها الداخلية.

تركيا في بنيتها الاجتماعية الدينية والمذهبية والعرقية لا تختلف عن العراق وعن كل دول المنطقة. تعددية على كل المستويات، ومشكلات أقليات مزمنة لم تجد حلاً عصرياً ولا إنسانياً لها لا في تركيا ولا في الدول العربية والإسلامية.

بعد افغانستان جاء دور العراق وبعد مشارفة الأمريكيين على الانسحاب من العراق جاء دور تركيا من أجل إعادتها إلى بيت الطاعة الأمريكي.

ولم تتوقف واشنطن ومن خلفها “إسرائيل” طوال سنوات التحول في تركيا عن محاولة اقناع رجب طيب أردوغان بعدم الذهاب بعيداً في تأييده للفلسطينيين وسوريا وإيران. وبما انه لم يكن ممكنا مواجهة سلطة العدالة والتنمية في غمرة الحروب في أفغانستان والعراق وفي ظل الأمل في بقاء تركيا ضمن حدود معقولة، فإن الولايات المتحدة لم تبادر إلى ردود فعل عنيفة على تركيا.

غير أن “تجاوز” تركيا للسقف المرسوم في ذهن الإدارة الأمريكية و”إسرائيل” في قضايا مهمة مثل البرنامج النووي الإيراني، وما يتصل ب”إسرائيل” مثل أسطول الحرية، كان نقطة التحول في مباشرة أمريكا ومن معها في الهجوم المضاد على سياسة حزب العدالة والتنمية.

ومن الواضح أن واشنطن و”إسرائيل” لا توفران في هجومهما الحالي أية أوراق لاستخدامها ضد سلطة العدالة والتنمية ولا سيما بشخص رمزه وزعيمه رجب طيب أردوغان.

في الأوراق الخارجية: استخدام “إسرائيل” القوة لإراقة الدم التركي في المسألة الفلسطينية عبر الهجوم على أسطول الحرية. وكذلك فرض قرار العقوبات على إيران في مجلس الأمن بما هو قرار يهدف إلى قتل الإنجاز التركي ومعها البرازيل في التوصل إلى اتفاق طهران النووي.

والأخطر ان الادارة الأمريكية ومعها “إسرائيل” انتقلت للمرة الأولى إلى تحريك الداخل التركي، وأول مؤشرات ذلك موقف رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولين الذي لم يجد تعليقاً على دم الشهداء الأتراك في سفينة مرمرة سوى أنه كان يجب أن يأخذوا الإذن المسبق من “إسرائيل” قبل انطلاقهم! وبالتالي توجيه رسالة قوية إلى أردوغان بأن تأييد غولين له لم يعد مضموناً.

وثاني المؤشرات هو استئناف حزب العمال الكردستاني عملياته العسكرية النوعية من الاسكندرون إلى شمدنلي وصولا إلى قلب أسطنبول.

ومع أن هذه العمليات ليست جديدة، وهي “روتينية” إذا نظر اليها في سياق الصراع بين الدولة التركية وأكرادها، فإن التزامن بين العمليات والهجوم الأمريكي-”الإسرائيلي” المضاد مثير للريبة ويخدم الهدف الأمريكي “إسرائيلي” من دون الجزم بوجود صلة مباشرة. مع التأكيد أن المطالب الكردية في الداخل التركي محقة بالكامل وليس من مصلحة أكراد تركيا أن يوضعوا، كما فعل عملياً اشقاؤهم في شمال العراق، في خانة المتعاملين مع الشيطان (الأمريكي- “إسرائيلي”) لتحقيق أهدافهم.

ومن تلك الضغوط الداخلية إعادة اطلاق سراح متهمين أساسيين في قضية ارغينيكون كتأكيد على أن القضاء لا يزال جاهزاً للإجهاز على سياسة أردوغان.

ولا يتوقع ان يقف الهجوم الأمريكي-”الإسرائيلي” المضاد عند هذا الحد. فالنية واضحة في ترجمة الضغوط على أردوغان هزيمة له أو تراجعاً كبيراً في الانتخابات النيابية المقبلة بعد سنة. وليس أفضل من خلق مناخ من الخوف لدى الرأي العام التركي بأن استمرار العدالة والتنمية في السلطة سيسبب لتركيا القلاقل، كما أن تسعير الاستقطاب العرقي الداخلي سيلعب دوره في تراجع الحزب في المناطق الكردية أو هذا ما يأمله “كتّاب” سيناريو فيلم الاطاحة بحزب العدالة والتنمية.

فهل ينجح هذا السيناريو المفتوح على المزيد من الاحتمالات أم ينجح أردوغان في تعطيله؟

انشر عبر