شريط الأخبار

الخلفيات القانونية للجنة الفحص "الإسرائيلية" .. خليل حسين*

02:51 - 22 تشرين أول / يونيو 2010

بقلم: خليل حسين*

ليست المرة الاولى التي تُحرج فيها "إسرائيل" دولياً على جرائمها المعتادة ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة، لكنها المرة الأولى التي تُسجل فيها "إسرائيل" سابقة على نفسها بانشاء لجنة لفحص أسباب وتداعيات جريمة "أسطول الحرية" . وهي بطبيعة الأمر محاولة لتمرير الجريمة بأقل الخسائر الممكنة إذا كان ثمة مسؤوليات ستعترف بها، ذلك بفعل الخلفيات القانونية التي وقفت وراء الانشاء، أم لجهة تركيبة اللجنة وصلاحياتها وما يمكن ان يصدر عنها .

في المبدأ، يعتبر قبول "إسرائيل" بتشكيل اللجنة ولو بنكهة دولية انعكاسا لحالة الحرج والارباك الكبيرين اللذين أعقبا الجريمة، وهي صورة من صور سوء ادارة الأزمة التي اوقعت نفسها بها . فهي سابقة بما تشكله من مرتكزات سياسية وقانونية يمكن الركون إليها مستقبلاً . وسياقاً يمكن البناء عليه في عملية التعامل الدولي مع جرائمها . فعلى الرغم من مئات المجازر والجرائم المشابهة لم تتمكن هذه المرة من التفلت من امكان خضوعها للمساءلة الدولية، فحجم الصوت الدولي كان قوياً لإجبارها على الخضوع، لكن المفارقة انها اختارت الوسيلة التي تناسبها . فمن المطالبة بلجنة تحقيق دولية، إلى لجنة مختلطة، فيها من الألغام القانونية والسياسية ما سوف ينهي عملها قبل ان تبدأ به .

لقد حدد رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو بيئة عمل اللجنة بالإجابة عن تساؤلات يستشف منها طبيعة الاجوبة التي سوف تتمخض عنها، ومن بينها استنتاجات اللجنة حول ما قام به الجيش "الإسرائيلي" في منع وصول الأسطول، وإذا ما كان يتوافق مع قواعد القانون الدولي، إضافة إلى فحص الظروف الأمنية لفرض الحصار البحري على غزة ومدى تناسبه مع قواعد القانون الدولي .علاوة على فحص النشاطات التي قام بها افراد قافلة الحرية وإذا ما كان ثمة خرق لقواعد قانون الحرب .

فمن طبيعة الاسئلة ومحتواها القانوني يظهر ان عمل اللجنة محدد سلفاً بالطابع الأكاديمي ذي السمة الاستشارية غير الملزمة، لصرف النظر عن طبيعة النتائج المتوقعة أصلاً، علاوة على أن القسم الأول من الأسئلة متعلق بقواعد القانون الدولي العام، بعكس القسم الثاني المتعلق بما يمكن أن يكون قد فعله الناشطون في قافلة الحرية حيث أخضعهم لمسؤولية والتزامات القانون الدولي الانساني لجهة الإشارة إلى امكان خرق قواعد الحرب، وهو مغزى له دلالات واضحة لجهة توجيه التحقيق عبر تحديد الأطر الواجب اتباعها سلفاً .

علاوة على ذلك ان الاطار القانوني والتنظيمي لعمل اللجنة، لا يعدو كونه عملاً استشارياً غير ملزم قانونياً لأي جهة "إسرائيلية"، فعلى سبيل المثال رغم انه يحق للجنة استدعاء من تشاء لسماع افاداتهم وأقوالهم، إلا انها لا تتمتع بالقوة الملزمة التي تجبر أي شخص على الخضوع أمامها، إضافة إلى عدم صلاحيتها لإجبار أي جهاز على تقديم الوثائق أو القرائن التي من المفترض ان تتوفر لنزاهة التحقيق وحياديته .

وإذا كان الاطار القانوني لعمل اللجنة قد أفرغ من مضمونه سلفاً، فماذا في شكل اللجنة؟ ان التدقيق في عضوية الأشخاص الخمسة،تظهر وكأن اللجنة فُصلت على مقاس الاستنتاجات المطلوبة والمحددة سلفاً، إذا تمكنت من الوصول إلى نهايات محددة . فرئيس اللجنة القاضي المتقاعد يعقوب تركل،يعتبر من القضاة المغمورين، رغم عتيه في الكبر ذات ال75 عاماً الذي قضى غالبيتها كمفتٍ للأجهزة الأمنية والعسكرية ولو ضمن صفوف الأقلية في لجان التحقيق والقضاء وغيرها . والمضحك المبكي في العضوين الآخرين البروفيسور في القانون الدولي شبتاي روزين، (93 عاماً)، والجنرال عاموس حوريف (85 عاماً)، فهل سرعة التحقيق تتطلب سرعة "أرذل العمر"؟، أم أن حكمة السياسيين المشرفين على التحقيق أملت عليهم اختيار كبار السن على أمل انقضائهم قبل سماع قضائهم؟

والمفارقة الأغرب في شكل اللجنة ما ضُمَّ اليها من عضوين غير "إسرائيليين" بالتابعية، لكنهما بالتأكيد "إسرائيلي" الهوى، الايرلندي دايفيد تريميل والكندي كين ويتكن، وهما يتشاركان في الخلفية القانونية والسياسية لمحاربة الارهاب، الأول عبر تجربته ضد الجيش الإيرلندي، والثاني بفلسفته التي انتعشت بعد سبتمبر/أيلول ،2001 والذي يأمل القادة السياسيون "الإسرائيليون" على ما يبدو نقل تجربتهما إلى اللجنة واستنتاجاتها .

وفي سياق القياس على التجارب السابقة التي برعت فيها "إسرائيل"، فإن القراءة الموضوعية للمعطيات القانونية المحيطة بعمل اللجنة ومن تضم، تقود إلى استنتاج وحيد بأن مصيرها وتوصياتها لن تكون بأحسن حال من النتائج التي توصّلت اليها لجنة التحقيق "الإسرائيلية" الخاصة بمجازر غزة 2009 والتي انعقدت على وقع ضغوط مجلس حقوق الانسان وتقرير غولدستون .

إن هروب "إسرائيل" إلى الأمام بتشكيلها لجنة دفن الحقائق بنكهة دولية حفاظاً على ماء الوجه السياسي الدولي الذي افتقدته، لا يعني بالضرورة نهاية المطاف بالنسبة للملاحقة القانونية التي تصر تركيا عليها، باعتبار أن القاضي والجلاد هما واحد، وبالتالي وجوب البحث عن اطر جدية للتحقيق الموضوعي والنزيه المفترض اتباعه في مثل تلك الحالات .

فلجان التحقيق الدولية انشئت في سوابق كثيرة بهدف جلاء الحقيقة وعدم افلات المجرمين من العقاب، علاوة على ذلك ان اللجوء إلى مثل هذه اللجان غير الوطنية او المختلطة في أحسن الأحوال، يعبِّر عن عدم ثقة المجتمع الدولي بالتحقيق الوطني كما الأمر بالنسبة للدول ذات العلاقة بالضحايا . وعلى الرغم من أن أياً من لجان التحقيق الدولية التي شُكلت سابقاً على خلفية الجرائم "الإسرائيلية" أو ما يتصل بها، كان أمراً غير مشجع، كاغتيال الكونت برنادوت 1948 أو مجزرة جنين 2002 ومجزرتي قانا  1996 و2006 في لبنان .

وبصرف النظر عن المآل الذي ستصل إليه أمور اللجنة واستنتاجاتها، ثمة ضرورة قصوى لمحاكمة "إسرائيل" على جرائم الحصار، علاوة على جريمة "أسطول الحرية"، على أن هذه الجريمة ينبغي أن لا تحرف الانظار عن القضية الأساسية وهي حرية غزة، التي تمكنت من حصار "إسرائيل" المكبلة دولياً .

أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية*

انشر عبر