شريط الأخبار

أوباما و"أسطول الحرية".. مأزق سياسي وسقوط أخلاقي.. مصطفى عياط

06:09 - 13 تشرين أول / يونيو 2010

أوباما و"أسطول الحرية".. مأزق سياسي وسقوط أخلاقي.. مصطفى عياط

مصطفى عياط

تبدو آمال ورهانات العرب، حكامًا ونُخَبًا، على رئيس أمريكي يُعيد لهم فلسطين السليبة ويرفع راية السلام العادل والشامل في أرجاء المنطقة أشبه بأحلام الفتيات المراهقات في "فارس وسيم يمتطي حصانًا أبيض" فلا الفارس يأتي ولا الحصان الأبيض ينشقّ عنه ظلام الليل، ثم عندما يوشك "سوق الزواج" أن ينفضَّ تسارع العاقلات للتفكير بمنطقية خشية العنوسة، لكن العرب لا زالوا حتى الآن في انتظار "الفارس المخلِّص"، ولذا تتصاعد آمالهم مع كل ساكن جديد للبيت الأبيض، بل ومع تجدد انتخاب أي منهم، على اعتبار أنه في ولايته الثانية يصبح أكثر تحررًا من ضغوط اللوبي الصهيوني، رغم أن التجارب تؤكد أن حسابات السياسة أبعد ما تكون عن "مراعاة الخواطر" أو "نوازع الأخلاق"، فضلا عن "دواعي الصداقة والمجاملات"، فالأمر يرتبط –أولًا وأخيرًا- بالمصالح والمنافع المتبادلة.

 

ومن سوء حظّ الأنظمة والنُّخَب العربية، التي صوّرت لشعوبها وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الحكم على أنه "منحةٌ ربانيَّة" سوف تعوضهم عن سنوات "بوش العجاف".. أن الذكرى السنوية الأولى لخطاب أوباما الذي وجَّهه للعالم الإسلامي عبر منبر جامعة القاهرة تزامنت مع الجريمة الإسرائيلية بحق "أسطول الحرية"، فـ لهجة الخطاب الحماسية وكلمات أوباما الرنَّانة ولفتاته بالغة الودّ عبر الاستشهاد بآيات القرآن والأحاديث النبوية، تلاشتْ كلها في مواجهة الجريمة الإسرائيلية، ولم تسعف الكلمات أوباما، الخطيب المفوَّه، إلا بوصف ما جرى بـ "المأساة" كما لو كانت كارثة طبيعية هي التي ضربت الأسطول، ثم عاد الرجل ليخفِّف وقع كلماته على الإسرائيليين، رغم رقتها البالغة، مؤكدًا أنه يتفهم دوافعهم الأمنية التي تقف وراء الهجوم، أما نائبه جو بايدن فكان أكثر صراحة وحزمًا عندما أكد "أن إسرائيل لها الحق في حماية أمنها بتفتيش السفن المتجهة إلى قطاع غزة".

 

وعودٌ وأفعالٌ

 

خطاب أوباما للعالم الإسلامي تضمن وعودًا بفتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والثقة والاحترام المتبادلَيْن، كما تضمن إشارة فارقة بأن "الولايات المتحدة لا يمكنها قبول شرعية المستوطنات الإسرائيلية"، لكنه عندما أراد تحويل أقواله إلى أفعال فشل بشدة، بل إن الحكومة الإسرائيلية تعمَّدت مرات عدة توجيه إهانات علانية لإدارته، فمثلا في مارس الماضي عندما حطَّ نائب الرئيس الأمريكي رحاله في إسرائيل استقبلته حكومة نتنياهو بالإعلان عن بناء مستوطنات جديدة، مما وضع أوباما وإدارته في حرج شديد، خاصة أن ذلك تزامن مع احتفال أوباما بنجاح مبعوثه إلى المنطقة جورج ميتشيل في إقناع الفلسطينيين بالدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الإسرائيليين، وفي النهاية ورغم هذا الحرج اضطر أوباما لابتلاع تلك الإهانة.

 

وإذا كان الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن خطاب ولهجة أوباما تجاه المسلمين يختلف بشكل جوهري عن خطاب سلفه جورج بوش، فإن الفارق بين أفعال وسياسات الإدارتين يبدو ضئيلا للغاية، فالحرب في أفغانستان ازدادت اشتعالا في عهد أوباما، وملف إيران النووي يراوح مكانه حتى الآن واحتمالات التصعيد تبدو أقوى من التهدئة، أما الأوضاع في العراق فما زالت على حالها بعدما تعثَّر مشروع واشنطن لنشر الديمقراطية هناك رغم صبغتها الطائفية المقيتة، والهجمات الصاروخية التي تشنها طائرات أمريكية بدون طيار على المناطق القبلية في باكستان اتسعت رقعتها، ومعسكر جوانتانامو ما زال مفتوحًا رغم الوعود المتكررة بإغلاقه، كما أن وعود التعاون الاقتصادي والتكنولوجي التي أطلقها أوباما، والحديث عن تعظيم المنافع المتبادلة ما زالت حبرًا على ورق.

 

الإخفاقُ الأبرَز

 

وشَهِد ملف الصراع العربي الإسرائيلي الإخفاق الأبرز لإدارة أوباما في علاقتها بالعالم الإسلامي، خاصة أن هذا الملف يتماس مع ملفات أخرى ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، بدءًا من تحسين صورة أمريكا في العالم الإسلامي، وإعادة الاحترام للنظام الدولي ومؤسساته، ومرورًا بحرب أفغانستان واستقرار باكستان وأمن العراق ونووي إيران والتحالف مع إسرائيل وتأثير اللوبي الصهيوني النافذ في أمريكا، وحتى ملف النفط، الذي ترقد المنطقة على معظم احتياطاتها العالمية.

 

وإذا ما أخذنا قضية "أسطول الحرية" كمثال على هذا الوضع المعقَّد، نجد أن تركيا، رسميًّا وشعبيًّا، كانت الداعم الأكبر لهذا الأسطول، ولذا فإن الهجوم الإسرائيلي وضع إدارة أوباما في حَرَج بالغ مع حليف استراتيجي مهمّ، خاصة أنها كانت تراهن على حكومة أردوغان وسياستها البراجماتية كنموذج للإسلام المعتدل وإمكانية التعايش بين الديمقراطية والإسلام، كذلك فإن واشنطن كانت تُبدي ارتياحًا وتعول كثيرًا على دور الوسيط الذي سعت أنقرة للعبه سواء بين إسرائيل وسوريا أو بين "فتح" و"حماس"، وصولا لإمكانية تدخلها لتسهيل أي مفاوضات محتملة بين إسرائيل وحماس إذا تطلب الأمر ذلك، لكن كل ذلك انهار بسبب الجريمة الإسرائيلية، حيث أصبحت تركيا أقرب لأن تكون طرفًا في الصراع أكثر من كونها وسيطًا.

 

سقوط أخلاقي

 

كذلك فإن "أسطول الحرية" سلَّط الأضواء على حصار غزة المستمرّ منذ ثلاث سنوات، والذي يعدّ أحد الموروثات من عهد إدارة بوش، وقد فشلت إدارة أوباما في إنهاء ذلك الحصار أو حتى تخفيفه، بل إنها تجنَّبَت حتى إدانته، مما يضرب في الصميم الهالة الأخلاقية التي يحيط بها أوباما نفسه وسياساته، ويتناقض كذلك مع حديثه عن فتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي، فكيف تفتح هذه الصفحة بينما يعيش 1.5 مليون شخص في سجن جماعي اسمه "قطاع غزة"؟!

 

وفاقم من الأمر أن أوباما تجنَّب إدانة الجريمة الإسرائيلية بحق الأسطول، مبررًا ذلك بأنه يحتاج لاستجلاء ملابسات الحادث أولًا، لكن تصريحات نائبِه المؤيدة للسلوك الإسرائيلي أنهت هذا التردُّد، ثم جاء التحرك الأمريكي في مجلس الأمن لإفراغ مشروع البيان التركي من مضمونه ليؤكد أن مظلة الحماية الأمريكية لإسرائيل من أي إدانة في مجلس الأمن ما زالت تعمل بكامل قوتها، مما شكل سقوطًا أخلاقيًّا مروعًا لأوباما، فالجريمة الإسرائيلية وقعت بحق دعاة سلام عُزَّل يستقلون سفن مدنية في المياه الدولية، ما يشكل انتهاكا فادحا لجملة من قواعد القانون الدولي، لكن إدارة أوباما اضطرت لإنزال كل راياتها وشعاراتها الأخلاقية من أجل الحليف الإسرائيلي.

 

تصريحات نائب الرئيس الأمريكي كشفت كذلك أن اعتبارات إسرائيل الأمنية، مهما بلغ تطرفها وزيفها، تشكِّل الأولوية لدى إدارة أوباما، وذلك على غرار سلفه بوش، فإسرائيل تبرر حصار القطاع بخشيتها من تحوله إلى قاعدة للصواريخ الإيرانية، ويحظى هذا المبرر بتفهم من جانب إدارة أوباما، التي ورثت كذلك سياسة بوش في مقاطعة حماس ورفض الحوار معها، باعتبارها حركة إرهابية وفقًا للتصنيف الرسمي الأمريكي، رغم أنها حركة مقاومة لديها شرعية شعبية عكستها صناديق الاقتراع في انتخابات جرت برقابة دولية، بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المقاطعة تتناقض مع الشعارات التي رفعها أوباما عن الحوار والدبلوماسية الفعالة مع كافة الأطراف.

 

ضرَرٌ مزدَوج

 

جريمة "أسطول الحرية" أيضًا وضعت حليفًا أمريكيًّا مهمًّا في المنطقة وهو مصر في حرج بالغ، حيث يقول الكثيرون من معارضي الحصار أنه لو فتحت مصر معبر رفح الذي يعدّ منفذ القطاع الوحيد على العالم الذي لا يخضع للسيطرة الإسرائيلية لما كانت هناك حاجة لإرسال المعونات عبر البحر، بل إن البعض ذهب لاعتبار مصر شريكًا في الحصار من أجل إسقاط حكومة حماس، ولذا فإن واشنطن كان عليها عند معالجة الموقف مراعاة الحرج المصري مما حدث، ومحاولة تلافي تكراره، خاصة أن القاهرة سارعت للإعلان عن فتح المعبر "لأجل غير مسمى" لتقطع الطريق على اتهامات منتقديها.

 

وقد امتدَّ تعقُّد الموقف ليصل إلى ملف إيران النووي، ففي الوقت الذي كانت إدارة أوباما تعتقد أنها مهَّدت الطريق في مجلس الأمن لفرض عقوبات جديدة على إيران، بعدما انتزعت موافقة روسيا والصين على مشروع قرار بذلك، جاءت الجريمة الإسرائيلية لتخلط الأوراق بشدة، فكيف تحاول واشنطن معاقبة إيران باسم المجتمع الدولي ثم بعد ذلك تحمي انتهاكًا إسرائيليًّا فاضحًا للقانون الدولي؟! وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لولا الحاجة لحشد أكبر تأييد ممكن في مجلس الأمن لتمرير عقوبات إيران لما تردّدت واشنطن في استخدام الفيتو لإسقاط مشروع البيان التركي، لكن مثل هذا التصرف كان سيفضح ازدواجية واشنطن بصورة مستفزَّة، ويعقد جهودها لمعاقبة طهران.

 

وللخروج من هذا المأزق دخلت واشنطن في مفاوضات ماراثونية مع الأتراك لتخفيف حدَّة البيان لأقصى حد ممكن؛ لتجنب أي إدانة واضحة للجريمة الإسرائيلية، وهو ما نجحت فيه بالفعل، لكن البيان مع ذلك تضمن الدعوة لإجراء "تحقيق سريع وذي مصداقية ومحايد وشفاف يراعي المعايير الدولية" في الحادث، كما تضمن إدانة لحصار غزة، مؤكدًا أن الوضع هناك "غير قابل للاستمرار" وفي المحصلة فإن هذه الأجواء كشفت أن التلويح بأوراق الضغط التي تملكها الأطراف العربية والإسلامية قادر على إقناع واشنطن بتليين مواقفها والقبول بحلول وسط، حتى فيما يخص إسرائيل، فمن أجل تمرير عقوبات إيران امتنعت أمريكا عن إسقاط المشروع التركي في صيغته المخففة.

 

وبشكل عام فإن العرب ما زالوا –حتى الآن- عاجزين عن فهم آليات التأثير في صانع القرار الأمريكي، أو بالأدق هم يفهمونها لكنهم غير راغبين في التعامل وفقًا لها، فمثلا فإن إدارة أوباما، ورغم علاقاتها غير الودية مع حكومة نتنياهو، لم تكن في وارد إدانة الجريمة الإسرائيلية، لأن ذلك سيضرُّ بشدة حظوظ الحزب الديمقراطي في الحفاظ على أغلبيته في مجلسي الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة نوفمبر المقبل، حيث كثَّف اللوبي الصهيوني مؤخرًا حملاته المناهضة لما يعتبرها سياسة "عدائية" من جانب إدارة أوباما تجاه إسرائيل، وقد اضطرَّ أوباما الشهر الماضي لعقد لقاء مع 30 عضوًا يهوديًّا في الكونجرس لتفنيد تلك المزاعم، أخبرهم خلاله أنه "لا يمكنه فرض" تسوية سلمية على الإسرائيليين والفلسطينيين.

 

تحوُّل جوهري

 

ورغم كل ذلك، فإنه كان لافتًا خروج أصوات إسرائيلية بارزة تتحدث عن أن إسرائيل باتت تشكل عبئًا على الولايات المتحدة، حيث اعترف مائير دغان رئيس الاستخبارات الإسرائيلية "موساد" أمام لجنة بالكنيست بأن "إسرائيل تتحول تدريجيًّا من مصدر قوة للولايات المتحدة إلى عبء" ويبدو هذا العبء جليًّا فيما يتعلق بملف إيران النووي، فمواقف واشنطن للضغط على إيران تستند على مبرر "منع انتشار التسلح النووي في العالم" لكنها مع ذلك تمنع أي مناقشة لملف إسرائيل النووي، وقد نجحت كل من مصر وتركيا في الضغط بقوة على هذا الوتر خلال قمة الأمن النووي التي عقدت أبريل الماضي في واشنطن، وتمكَّنت في إضافة إشارة لترسانة إسرائيل النووية في البيان الختامي للمؤتمر، وذلك في خطوة غير مسبوقة، كذلك من المقرر أن يقدم المدير العام للوكالة الذرية تقريرًا هو الأول من نوعِه حول البرنامج الإسرائيلي النووي لمجلس أمناء الوكالة في سبتمبر المقبل.

 

تحوّل إسرائيل من "مصدر قوة إلى عبء" يرتبط أساسًا بانهيار نظام الثنائية القطبية الذي لعبت فيه إسرائيل دورًا استراتيجيًّا كرأس حربة للمعسكر الغربي في قلب الشرق الأوسط، وبالقرب من مناطق النفوذ السوفيتي في المنطقة، كذلك يرتبط هذا التحوُّل بضمور قدرة الجيش الإسرائيلي، ففي الماضي كانت إسرائيل تحقِّق انتصارات عسكرية حاسمة على الأرض، ثم تتدخل أمريكا عبر المؤسسات الدولية لترجمة هذه الانتصارات إلى حقائق سياسية، وكذلك للعب دور "المروِّض" لقوة إسرائيل الجامحة، لكن في السنوات الأخيرة، وبالتحديد في حرب 2006 على لبنان وحرب 2008 في غزة، اضطرّت واشنطن للتدخل لإنقاذ إسرائيل من ورطتها، بعدما فشل جيشها في تحقيق مكاسب جوهرية على الأرض، باستثناء المذابح المروِّعة ضد المدنيين، وفي كل مرة كان التدخل الأمريكي لتوفير مخرج مشرِّف لإسرائيل يتخذ نهجًا معاكسًا للموقف الدولي، مما كان يضعها في ورطة أخلاقية وسياسية.

 

التزامٌ بلا حدُود

 

المتغيِّر الثالث لهذا التحول يتعلق بدخول واشنطن في صراعات عسكرية في مناطق ذات أغلبية مسلمة، العراق وأفغانستان، مما جعل مصير وسلامة جنودها يرتبط بشكل مباشر بمواقفها المؤيدة لإسرائيل، بمعنى أن قدرة واشنطن على تحقيق النجاح العسكري والسياسي في تلك الصراعات بات وثيق الصلة بمواقفها المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، فكما تدخلت لحماية تجاوزات وجرائم إسرائيل أصبحت سلامة جنودها ومشاريع السياسية في خطر، كما أن حلفاء واشنطن في المنطقة أصبحوا يطالبونها بالضغط على إسرائيل لتحقيق إنجاز في الملف الفلسطيني تحديدًا، كي يستطيعوا الاستمرار في تأييدها في ظلّ رأي عام في بلدانهم يرفض ذلك.

 

وأخيرًا فإن سياسة "القوة الناعمة" التي تنتهجُها إدارة أوباما تجعل من مغامرات إسرائيل العسكرية عبئًا ثقيلًا عن واشنطن، وفي هذا السياق يحذِّر المحلِّل العسكري الأمريكي البارز أنتوني كوردسمان من أن إسرائيل قد تصبح "عبئًا استراتيجيًّا على أمريكا، لافتًا إلى أن الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل لا يقوم على المصالح الاستراتيجية لواشنطن، وإنما على "دوافع معنوية وأخلاقية" لكنه مع ذلك "ينبغي على إسرائيل أن تراعي حقيقة أن تصرفاتها تؤثر مباشرةً على المصالح الاستراتيجية الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي، مشددًا على أن "الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى مشكلات بلا داعٍ في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا".

 

ورغم كل ذلك ينتهي كوردسمان إلى حقيقة يجب أن يدركها كل العرب والمسلمين، على الأقل في المدى المنظور، وهي أن "الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل ليس من النوع الذي يمكن التخلي عنه".

انشر عبر