شريط الأخبار

أمريكا أو الوحدة البحرية..يديعوت

02:38 - 11 كانون أول / يونيو 2010


بقلم: ناحوم برنيع

أبحرت "مرمرة" من اسدود منذ زمن، لكن طلب التحقيق الدولي يرفض أن يمضي. بين ايهود باراك في النقاشات الداخلية انه اذا كان البت بين وضع لا تفرض فيه الولايات المتحدة قرار النقض في مجلس الأمن ويتمكن من تحقيق دولي، وبين موافقة الحكومة على تحقيق كهذا، فانه يفضل مناجزة الولايات المتحدة. براك على ثقة من أنه لا يحل لاسرائيل أن تكشف ضباطا وجنودا لمحققين أجانب. فان هذا سيكون ضربة شديدة لمعنويات الوحدات الخاصة. فهؤلاء الناس يعرضون حيواتهم للخطر ولا يحل للدولة أن تتخلى عنهم.

        إن موقف براك يضائل مجال مناورة نتنياهو. إنه يترجح بين ثلاثة تهديدات وهي أنه لا يحل له أن يفقد الولايات المتحدة؛ ولا يحل له أن ينكشف للرأي العام في اسرائيل كمن يخضع للضغط؛ ولا يحل له ان يخسر باراك الذي لا حكومة له من غيره، أكثر من أي وقت مضى.

        باراك في ظاهر الأمر يطوقه من اليمين. ليس الأمر كذلك بالضبط: فباراك يصر على أدنى قدر من التحقيق لكنه مستعد لتسهيلات مهمة للحصار على غزة اذا وافقت الولايات المتحدة على فرض حق النقض في مجلس  الأمن، ويتوقع أن يمضي نتنياهو بعيدا في مفاوضة السلطة الفلسطينية. اذا استجاب نتنياهو، يصعب عليه تسهيل اليمين في الليكود وقد يضطر الى ادخال كاديما في الحكومة.

        فيما يتعلق بالحصار، تستطيع اسرائيل، ربما بدل وقف سفن في عرض البحر الاكتفاء بالتفتيش في دولة ثالثة مثل قبرص. أو بتفتيش دولي في ميناء اسدود.

        تنضاف الى كل هذه القصة المعقدة مسألة اطلاق جلعاد شليت. كان أحد البواعث المركزية الى فرض الحصار على غزة أمل أن تنضغط حماس وتزيد في مرونة مواقفها في التفاوض. لم يحدث هذا. رفض اولمرت شروط حماس ورفضها نتنياهو ايضا. إن التورط في قضية الأسطول يقتضي تفكيرا من جديد: الموافقة على صفقة تحرر شليت تمكن اسرائيل من الكشف عن مرونة أكبر في شأن الحصار.

        وفا اوباما بالتزامه أن يجيز في مجلس الأمن تشديد العقوبات على ايران. وهو يتوقع عوض ذلك بطبيعة الأمر. ترى ادارة اوباما أن المسألة غير اخلاقية بل عملية. أمريكا محتاجة الى دول أخر، منها تركيا في الطريق الى الانسحاب من العراق. والدول تطلب تحقيقا دوليا. ويجب على اسرائيل أن تفهم.

        تحاول اسرائيل المضي في آثار السابقة الكورية. قبل شهرين أغرقت كوريا الشمالية سفينة لكوريا الجنوبية. قتل 46 بحارا. عينت كوريا الجنوبية فريق خبراء لتحقيق القضية، 25 كوريا و 24 أجنبيا. صدق العالم. والمشكلة هي أن كوريا هي كوريا واسرائيل هي اسرائيل. ما زالت لا توجد موافقة امريكية ولا يوجد فريق خبراء.

        قصة عائلية

        حزقيل دانين (سخولوفسكي)، تاجر من يافا، كان من مؤسسي "أحوزات بايت" ألا وهي تل ابيب. ثمة من يزعمون ان نصيبه من اقامة المدينة اكبر من نصيب عكيفا فايس. وكان ابنه الشاب اهرون بحسب جميع الآراء أول ولد في أول المدن العبرية. طارده هذا اللقب حتى يوم موته.

        كان اهرون دانين في حداثته مدير مكتب أرض اسرائيل في صفد. وكان جل عمله شراء أراض عربية من أجل  الاستيطان اليهودي. وكان عزرا دانين الخبير في الشؤون العربية في الهجنا ابنا آخر. ومن جملة ما أنشأ القسم العربي جهاز التجسس الذي نشأ عنه الجماعة الاستخبارية الاسرائيلية. وقد صحب غولدا مئير في لقائيها العظمي الاهمية مع عبدالله ملك الأردن، واحدهما في نهرايم في تشرين الثاني 1947 عشية التصويت على مشروع التقسيم، حينما اتفق سرا على تقاسم البلاد بين الدولة اليهودية والمملكة الاردنية، والثاني في الشونة، في آيار 1948 عشية اقامة الدولة، عندما أبلغها الملك أنه لا مندوحة له عن الخروج للحرب.

        في أثناء حرب 1948 كان دانين عضوا في لجنة الثلاثة، "لجنة الطرد"، التي عملت في منع اللاجئين الفلسطينيين العودة الى بيوتهم. وكان بعد الحرب مشاركا في محاولات لم تنجح في اسكان اللاجئين في العراق وليبيا. بعد ذلك اعتزل في بيته في الخضيرة وفي أعماله: كان صاحب بيارة، وهو شيء جعله مفرط الثراء في نظر اسرائيليي الخمسينيات، وفي ضمنهم موشيه شريت الذي خصص له عددا من مواقع الذكر في مذكراته.

        هاجر شقيق أهرون وعزرا، دان في االعشرينيات الى أمريكا. لم يغفر له والداه هذه الخيانة. وفي الثلاثينيات عاد، وهاجر مرة أخرى بعد سنتين فزوجته لم تحتمل البلاد. وعندما توفيت عاد وعاش في اسرائيل حتى موته.

        ولد له ابن في أمريكا اسمه يهوشع. وقد بدل اسمه ليصبح جيروم. فهكذا اعتاد اليهود الامريكيون في جيل الهجرة  الثاني فقد أرادوا الذوبان والتواري. لم يعرف كلمة عبرية، وعبر عن صلته بالشعب اليهودي زيارتان في السنة لكنيس اصلاحي. ولد له ابن اسمه روبرت. كان روف دانين رئيس الملف الاسرائيلي في وزارة الخارجية الامريكية، وكان في السنتين ونصف السنة الأخير اليد اليمنى لتوني بلير مبعوث الرباعية الى الشرق الاوسط. مضى بلير وجاء. ومكث دانين هنا في القدس ورأس الوفد.

        أتى هنا أول مرة عندما كان في الخامسة عشرة. كانت تلك زيارة عائلية لجده. وعاد بعد الجامعة لدراسة العبرية في منتدى تدريس. عبريته جيدة، جيدة الى درجة أن طائفة من رؤساء الحكومة الاسرائيليين ممن التقوه طوال السنين حذروا حاشيتهم قائلين: لا كلمة بالعبرية. فدانين يفهم.

        قدم طلب ان يقبل متدربا في وزارة الخارجية الامريكية. كتب قائلا أريد أن أرسل الى بلد عربي. أرسل الى شرقي القدس. كان في ذلك 1987، أي العصر الذهبي في تاريخ الاحتلال عشية الانتفاضة الاولى. كانت الشوارع مفتوحة. واجتاز مئات آلاف الفلسطينيين من الضفة وغزة الخط الاخضر للعمل في اسرائيل. سكن دانين الحي الفلسطيني شعفاط.

        يقول دانين: "تبينت لي قدس مختلفة لم أعرفها. وتبينت لي الضفة".

        وهو يشغل نفسه منذ ذلك الحين بالصراع. أتم اجازته للدكتوراة، في جامعة اكسفورد في مشاركة القوى العظمى في حروب اسرائيل من 1947 الى 1955. اجتذبته اللعبة بين القوى الاجنبية والحكومات في المنطقة عندما تحول عن كونه باحثا الى لاعب نشيط، والى مبعوث للقوى العظمى التي تؤلف الرباعية. ذكره دوف فايسغلاس، الذي عمل معه عندما كان رئيس مكتب شارون، من آن لآخر، وبود بطبيعة الأمر من أين أتى: من أهرون مشتري الأراضي، ومن عزرا مستعمل العملاء.

        استقر رأي دانين وهو في الـ 49 على اعتزال العمل في الخارجية. سيكون زميلا رفيع المستوى في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن. في حفل الوداع الذي تم تكريما له هذا الاسبوع على سطح فندق "الامريكان كولوني" في شرقي القدس، حضرت جميع القيادة الفلسطينية من رئيس الحكومة سلام فياض فمَن دونه. وكذلك أتى الامريكيون وعلى رأسهم الجنرال دايتون. وأتى اسرائيليون من حكومات سابقة. اما اسرائيل الرسمية فنسيت أن تأتي. أرى أن قصته قصة اسرائيلية، بدؤها في تأسيس تل ابيب وبعثات مجهولة صهيونية في العالم العربي. وهو يرى نفسه قصة أمريكية: القصة الكلاسيكية عن حفيد المهاجرين الذي بلغ مراكز القوة في واشنطن، الى قلب وزارة الخارجية والبيت الأبيض.

        ماذا حدث لكم

        اول من أمس صباحا جلست وروف دانين، في مكتبه في الطابق الثاني من فندق "الامريكان كولوني". أتى توني بلير الى هنا مفاجأة في اليوم السابق محاولا اقناع اسرائيل ان تزيل الحصار عن غزة. كانت عنده عدة فكر خلاقة. زعم أنه توجد وسائل أخرى أكثر احكاما، لمنع تهريب المواد القتالية الى القطاع. حاضر نتنياهو بفكره. وكان رد نتنياهو مهذبا يبلغ الايجاب اذ قال هذا أمر يثير الاهتمام، دعني أفحص. قد نستعمل بعض الفكر.

        سأل ايهود باراك بلير هل يخفف قرار اسرائيلي على تليين الحصار الضغط على اسرائيل للموافقة على تحقيق دولي. وعرض باراك السؤال نفسه على عنصر رفيع المستوى جدا في البيت الابيض وتلقى جوابا بالنفي. أجاب بلير أنه يقدر أنهم حتى لو لم يربطوا بين الأمرين صوريا فانهم سيربطون عمليا. وكان الاستنتاج أنه يجب على اسرائيل أن يستقر رأيها على تغيير حاسم لسياسة الحصار في أسرع وقت.

        غادر بلير  في الليل، لكنه الان، صبيحة يوم الاربعاء يريد ان يحادث نتنياهو مرة أخرى. فلديه عدة فكر خلاقة.

        ماذا تعتقد في الحصار، سألت دانين.

        "نقول للاسرائيليين منذ زمن، إن الحصار يضر بجهودنا وجهودكم. قالت توني لباراك واشكنازي، إن الحصار ضرره أكثر من جدواه. فهو يقوي حماس. وكان ردكم الأولي أنكم لا تعلمون. لكن الناس الآن بدأوا يصغون. تسوي اسرائيل بين غزة وحماس. هذا مضلل. فهناك كثيرون في غزة ليسوا من حماس. والحصار يضر بهم ويساعد حماس. أنا استمع لجميع الخبراء الاسرائيليين بشؤون غزة. لا يقول أحد منهم ان حصار غزة سيسبب انتفاضة تسقط سلطة حماس. يجب عليكم ان تسألوا أنفسكم ما هو الهدف وماذا تحرزون. لا أرى أن ما تفعلون ينجح".

        قلت: إن الزعم هو أن إزالة الحصار ستضر بالأمن.

        قال دانين "لا أقول إنه يجب إدخال كل شيء في غزة".

        سألت لماذا غضبوا علينا كثيرا في العالم.

        احتار دانين. "هذا سؤال جدي جدا"، قال. "أنا أسأله ايضا. أعتقد أنه أصبح يوجد في العالم قدر أقل فأقل من التسامح مع استعمال اسرائيل للقوة. أخذ مجال مناورتكم يتضاءل. يحدث هذا للأسف الشديد في وقت سيء جدا – في أوج محاولة صد ايران. يسأل الناس في العالم، ما الذي حدث لاسرائيل التي قامت بعملية عنتيبا، وحرب الايام الستة، وأين توارى البرق، وأين اختفت القدرة على جعل الضعف قوة. لا يعني ذلك أن العالم يكرهكم إنه خائب الأمل فيكم. انه يريد اسرائيل مختلفة، اسرائيل يستطيع مشايعتها".

        ثمن الخيانة

        أنهى جيمي وولفنسون، الذي كان مبعوث الرباعية قبل توني بلير، بعثته خائب الأمل غاضبا. شعر بأنه لم يعطى سلطة، وأن قوته كلها تتلخص بتوزيع المال والتوسط. ويخالفه في ذلك دانين.

        "بعد اتفاق اوسلو اصبحت حياة الفلسطينيين اصعب"، يقول. "أغلقت الشوارع. ولأنه تم تفاوض، تحصن كل طرف عند مواقفه خوف أن يؤثر أي تنازل يتم في الحل النهائي. كانت أمواج ارهاب. وكف الاسرائيليون والفلسطينيون ايضا عن الايمان بأن المسيرة تحسن وضعهم. أنتم مثل زوجين، تبين لهما بعد الزواج فقط أن كل شيء مبني على الخيانة – هو يخونها وهي تخونه. كان أفضل لو لم يتزوجا قط. السلام يقوم على ثلاثة أمور: على النمو الاقتصادي، وعلى بناء مؤسسات وعلى التفاوض السياسي. في الأمرين الأولين تغيرت الضفة  الغربية تغيرا كبيرا في السنين الأخيرة. قل إن هذه سذاجتي الامريكية لكنني مليء بالأمل. أعتقد حقا ان لاسرائيل شريكا. واعتقد أنه يجب عليكم انتهاز الفرصة. فلأول مرة توجد سلطة فلسطينية تعمل بجدية في شؤون الأمن، وتنتج قانونا ونظاما وتحارب الارهاب. يؤمن الجيش الاسرائيلي بذلك. ويؤمن الشاباك".

        قلت قد ينقلب هذا في لحظة واحدة.

        قال: "صحيح، وهذا ما يجعل عملنا مهما جدا. في هذا الجزء من العالم الكثير من الهزء. والهازئون على حق في أكثر الحالات لكنهم غير قادرين على تقديم أي شيء. إن الهزء هو ألد اعدائكم. لا أقبل اليأس. توجد ها هنا ثورة صامتة، ثورة في التفكير الفلسطيني. ليس التغيير من العنف الى عدم العنف، بل من الشعور بكونهم ضحية خالدة إلى تقوية الذات. هذا ما يمثله فياض".

        سألته: ما الذي عرفت عن الساسة في الجانبين ولم تكن تعرفه.

        "لم أقدر تقديرا صحيحا عمق الندوب التي خلفتها الانتفاضة الثانية"، قال دانين. "عرض ليس كثيرا أن قال اسرائيلي شيئا وفسر الفلسطيني ذلك من الفور بأنه مؤامرة عليه والعكس. أنتم على ثقة من أنكم تعرفون الجانب الثاني معرفة تامة. والحقيقة أنكم تحتاجون في أحيان كثيرة الى طرف ثالث يبين لكم ما هو القصد".

        قلت: يوجد في الشرق  الاوسط فرق كبير بين ما يقوله الزعماء في الغرف المغلقة وما يقولونه في الخارج. سأروي لك حكاية. في أحد الأيام سافر وزير اسرائيلي الى القاهرة، للقاء الرئيس مبارك. ولسوء الحظ، كانت في ذلك اليوم عملية للجيش الاسرائيلي في رام الله فسدت وكانت النتيجة قتيلا بلا داع. بدأ الاسرائيلي اللقاء بالاعتذار. وبين مبارك ان الاعتذار لا داعي له: لأنه يجب القضاء على مخربي حماس. بعد ذلك خرجا الى الخارج الى عدسات التصوير. وندد مبارك بشدة بالعملية الاسرائيلية.

        قال دانين: "ليست هذه تجربتي. هل يعيب الساسة على نظرائهم في أحاديث مغلقة؟ نعم بيقين. يقول الاسرائيليون كلاما شديدا في نظرائهم الاسرائيليين والفلسطينيون في الفلسطينيين. لكن في المحادثات معنا لا فرق بين ما يقولونه في الداخل والخارج. لسنا جزءا من التفاوض. نحن نتكلم على أمور عملية. يعرض أن يطلبوا الينا ألا ننشر على الملأ عملا طيبا لان النشر قد يحرج شخصا ما، ويعرضوا ان يعدونا وعدا – لنقل ازالة حاجز – وأن يقيموا بعد ذلك الحاجز وراء العطفة".

        قلت: مشت حكومة نتنياهو نحوكم أكثر من حكومة أولمرت.

        ابتسم دانين وقال: "الحديث عن وزير الدفاع نفسه. والفرق أن نتنياهو أكثر توكيدا لأهمية التغييرات في الوضع الميداني".

        ذكرت دانين بأن بوغي يعلون، نائب رئيس الحكومة قال هذا الاسبوع إنه لا أحد من وزراء السباعية يؤمن بأنه يمكن التوصل الى اتفاق سلام في السنتين القريبتين. ولم يدهش لذلك.

        "لم يعتقد أحد أن يقترح اولمرت على أبي مازن الكثير جدا"، قال. "ولم يتنبأ احد بأن يخلي شارون قطاع غزة. ليس عملي أن أبين ما هو غير الممكن بل أن أجعل الأشياء ممكنة. يدلنا تاريخ الصهيونية على أن كل شيء ممكن".

        وسألته كيف كنت تبت أمر جلعاد شليت.

        تنهد دانين وقال: "هذه حياتكم. أعلم مبلغ صعوبة القرار: فمن جهة أخلاقية كان يجب على حماس أن تطلق شليت بغير حصول على أي عوض. لو كان يجب علي اتخاذ هذا القرار لكرهت نفسي".

انشر عبر