شريط الأخبار

تحركات السياسة الخارجية التركية تثير القلق الغربي .. واشنطن بوست

01:07 - 08 تشرين أول / يونيو 2010

ترجمة عن "واشنطن بوست" للكاتب الصحفي/ ماري شريدان

ارتدت النساء أغطية للرأس، بينما ارتدى الرجال على رؤوسهم عصابات خضراء تحمل اسم «حماس» مكتوبا باللغة العربية، واحتشدوا نساء ورجالا بالآلاف في ساحة عامة مشمسة في إسطنبول مرددين هتاف «اللعنة على إسرائيل!».

 

وبدت المظاهرة التي اندلعت السبت متناقضة مع الصورة القائمة منذ أمد بعيد في ذهن الغرب حيال تركيا باعتبارها دولة علمانية صديقة لإسرائيل والولايات المتحدة. بيد أنه في غضون الأيام الأخيرة، اشتعلت شرارة الغضب الشعبي بسبب عملية استيلاء إسرائيل الدموية على سفينة مساعدات تحمل العلم التركي كانت متجهة صوب قطاع غزة الخاضع لحصار إسرائيلي. وجاء الحادث في وقت تعزز تركيا صلاتها بالحكومات المسلمة بالمنطقة، وأصبحت تتخذ منحى أكثر صراحة في مناصرة الفلسطينيين ومحاولة تفادي فرض الأمم المتحدة عقوبات جديدة ضد إيران.

 

وقد أثار هذا التطور تكهنات قلقة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وثار التساؤل: هل بدأت تركيا في التحول بعيدا عن الغرب؟ من جانبها، تنفي الحكومة التركية ذات التوجهات الإسلامية هذا الأمر، في الوقت الذي ينتقد بعض المحللين هذا التساؤل باعتباره ينطوي على تبسيط مفرط لحقيقة الأوضاع، موضحين أنه مع تنامي الاقتصاد وتولي السلطة قادة على درجة واضحة من الثقة بالنفس، بدأت هذه الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الصعود كقوة إقليمية تتبع سياسة خارجية أكثر استقلالية.

 

في هذا الصدد، أعرب هنري باركي، خبير الشؤون التركية في «معهد كارنيغي للسلام الدولي» في واشنطن عن اعتقاده بأن الأتراك «يرغبون في التحول إلى قوة عظمى بالمنطقة. إنهم يتسمون من الأساس بشعور متضخم بأهمية الذات». من ناحيتهم، وصف القادة الأتراك سياستهم الخارجية بأنها ترمي إلى عدم إثارة أي مشكلات مع الدول المجاورة. وبالفعل، تمكنت البلاد من تحسين علاقاتها على نحو دراماتيكي مع دول كانت من خصومها ذات يوم مثل سورية التي اعتادت توفير الملاذ للجماعات التركية الكردية التي تخوض حرب عصابات، وإيران التي ساورت تركيا مخاوف حيالها فيما مضى بسبب إمكانية إقدامها على تصدير الفكر الراديكالي الإسلامي إليها.

 

تقوم السياسة الجديدة في جزء منها على توسيع نطاق الروابط التجارية. الملاحظ أن الاقتصاد التركي الذي كانت للدولة الهيمنة عليه فيما مضى حقق نموا سريعا مع ظهور مراكز تصدير ديناميكية يطلق عليها «نمور الأناضول». وتشير الأرقام إلى أن تجارة تركيا مع جيرانها نمت بما يزيد على 20 ضعفا بين عامي 1991 و2008.

 

من جهتهم، حاول قادة البلاد الطموحون استغلال نفوذهم الإقليمي المتنامي في الاضطلاع بدور أكبر عالميا. وعليه، اضطلعت تركيا بدور الوساطة بين إسرائيل وسورية، قبل شن إسرائيل حربها القصيرة في غزة في شتاء 2008-2009 مما ترتب عليه توقف المحادثات. وأخيرا، سعى دبلوماسيون أتراك وبرازيليون إلى إرسال بعض من اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب للخارج لإعادة معالجته في إطار اتفاق يرمي إلى تفادي عقوبات جديدة ترمي الولايات المتحدة لفرضها ضد إيران.

 

من جهتها، قالت بارجين يينانج، مساعدة رئيس تحرير «حرية ديلي نيوز» و«إكونوميك ريفيو»: كان من المحتوم اضطلاع تركيا بدور دولي أكبر بالنظر إلى وضعها جيوالسياسي ومكانتها الجديدة كواحدة من الدول الصناعية الـ20 الرائدة.

 

واستطردت يينانج موضحة أن الحكومات العلمانية السابقة التي أطلقت إجراءات التحرير الاقتصادي تحركت بحرص أكبر على صعيد السياسة الخارجية. وأضافت: «الاختلاف القائم بالنسبة لهذه الحكومة أنها تحمل طابعا أيديولوجيا».

 

ويبدو هذا جليا بالنسبة للقضية الفلسطينية، حيث زاد رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، انتقاداته لإسرائيل على نحو متنام. ووبخ شيمعون بيريس، الرئيس الإسرائيلي، خلال مؤتمر في سويسرا في 29 يناير (كانون الثاني) 2009، مما أكسبه إشادة كبيرة على الصعيدين الداخلي والشرق أوسطي.

 

يذكر أن صور أردوغان جرى رفعها في شوارع غزة في أعقاب اتهامه إسرائيل بتنفيذ «مذبحة دموية» خلال سعيها للسيطرة على السفينة التركية. يذكر أن تسعة ناشطين على متن السفينة، معظمهم من الأتراك، لقوا مصرعهم عندما فتحت قوات كوماندوز إسرائيلية النار عليهم. من ناحيتها، قالت إسرائيل إن قوات الكوماندوز التابعة لها فتحت النار في أعقاب تعرضها لهجوم من جانب من كانوا على متن السفينة.

 

أعربت يينانج عن اعتقادها بأن أردوغان وحلفاءه «يشعرون بميل تجاه فلسطين»، علاوة على أن القاعدة الانتخابية الأساسية الخاصة بهم تتسم بالتدين، الأمر الذي عادة ما يصاحبه عداء لإسرائيل. يذكر أن حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان له جذور دينية، لكنه ناجح أيضا في اجتذاب تأييد رجال أعمال وليبراليين من خلال سياسات السوق الحرة التي ينتهجها وسعيه لتمرير إصلاحات ديمقراطية ترمي للفوز بعضوية الاتحاد الأوروبي.

 

الملاحظ أن العلاقات التركية - الإسرائيلية تردت بصورة بالغة، مع تهديد القادة الأتراك بتقليص العلاقات إلى أدنى مستوى ممكن. وأشار تقرير صدر أخيرا عن سياسة تجنب خلق أي مشكلات مع دول الجوار إلى أنها تنطوي على تناقضات جوهرية بالنظر إلى الصراعات المنتشرة بالمنطقة.

 

وأوضح التقرير الصادر عن مجموعة من الأكاديميين الأتراك والأجانب العاملين لدى «الأكاديمية عبر الأطلسية» التي تتخذ من واشنطن مقرا لها أن «أنقرة ستعجز عن تحسين علاقاتها مع بعض العناصر من دون عرقلة علاقاتها بأخرى». إلا أن التقرير استطرد بأنه حال تميز مجمل حصيلة هذه السياسة بطابع إيجابي، فإنها ستشكل «أصلا للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة».

 

تاريخيا، ربطت بين إسرائيل وتركيا علاقات وطيدة، حيث تشاركا في مساعدات عسكرية والتوجس حيال دول عربية، لكن مع تحسين تركيا علاقات بجيرانها، لم تعد بحاجة إلى الدعم الإسرائيلي، حسبما شرح محللون. إلا أن التطورات الجارية تحمل ما هو أبعد من مجرد إعادة الحكومة التركية تنظيم تحالفاتها مع جيرانها، حيث أصبح مواطنوها أكثر ارتباطا بالعالم الخارجي، بما في ذلك القضايا المسلمة. وأصبحت الحكومة أكثر حساسية إزاء الرأي العام. وبات الناخبون يشعرون بقوة أكبر، خاصة المتدينين منهم.

 

منذ تأسيس مصطفى كمال أتاتورك تركيا على أطلال الإمبراطورية العثمانية، اتخذت البلاد العلمانية كسياسة رسمية لها. وشنت المؤسسة العسكرية القوية الموالية للغرب انقلابات عسكرية ضد القادة الذين اعتبرت أنهم انحرفوا عن إرث أتاتورك. إلا أن نفوذ الجيش تراجع أخيرا. وعن هذا، قال باركي إن البلاد «كانت علمانية، لكن على نحو قسري، حيث كانت الغالبية العظمى من الشعب أكثر تحفظا وتدينا بكثير عن السلطات».

 

من ناحيتها، قالت سمية جاكير، 25 عاما، ربة منزل ترتدي غطاء للرأس وردي اللون ويحمل صورة زهور، إنها منذ سنوات مضت كانت تخشى المشاركة في مظاهرة كتلك التي شهدها حي جاجليان، السبت، ونظمها حزب ديني صغير.

 

وأضافت: «لكن حكومتنا الآن أكثر ديمقراطية»، ومن حولها وقفت حشود غفيرة ترفع الأعلام الفلسطينية وتردد «انتفاضة انتفاضة». أما هيفا غورلو كاغلار، 21 عاما، التركية التي تدرس في رومانيا، فقادت السيارة 12 ساعة كي تتمكن من المشاركة في المظاهرة. وفي سؤال لها حول ما السر وراء اشتعال مشاعر الحماس تجاه الفلسطينيين، الأمر الذي لم يكن واضحا من قبل، أجابت: «منذ عشرين عاما، لم تكن هناك شبكة إنترنت ولم تتح لدينا القدرة على معرفة معلومات من غزة».

 

إلا أنه رغم الطابع الاستقلالي الجديد المميز لسياستها الخارجية، لا تزال تركيا على صلة وثيقة بالغرب، فلا يزال الاتحاد الأوروبي السوق الكبرى لها. في الوقت ذاته، تضطلع القوات التركية بدور مهم في عمليات حلف الناتو في أفغانستان. في أكتوبر (تشرين الأول) قال أردوغان: «إننا دولة تسعى للإبقاء على صلاتها بالغرب والشرق. وليس في ذهننا تصور للابتعاد عن جانب والتحول إلى الآخر».

انشر عبر