شريط الأخبار

إسرائيل والمفاوضات في ظل "اهتزازات الأمن"..هيثم محمد أبو الغزلان

06:18 - 07 تشرين أول / يونيو 2010

إسرائيل والمفاوضات في ظل "اهتزازات الأمن"..هيثم محمد أبو الغزلان

قال موشيه ديان إن إسرائيل لا تمتلك سوى سياسة أمنية، في إشارة تعكس بوضوح مركزية قضية الأمن في التفكير الإسرائيلي. فالأمن هو أحد المسلمات الأساسية في السياسة الخارجية الإسرائيلية.

مخاوف إسرائيلية عديدة، وقضايا كثيرة يتم طرحها، ولا إجابات نهائية لها: تحقيق الأمن، وإنهاء الصراع، والخطر من تزايد أعداد الفلسطينيين، حزب الله، والبرنامج النووي الإيراني، سوريا.. وفي كلمة أمام اللجنة اليهودية الأمريكية، جددت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، التأكيد على التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، وأدانت بشدة تسليح حزب الله بصواريخ تشكل خطراً جدياً على أمن إسرائيل، كما اعتبرت أن إيران النووية تشكل خطراً على إسرائيل والمنطقة. وتنافس أركان الإدارة الأمريكية على تأكيد العلاقة الخاصة مع الدولة العبرية، وعدم التردد مطلقاً في الدفاع عنها. وقد علق الرئيس الأمريكي في حديث له مع شبكة "فوكس" التلفزيونية بأن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية لا تمر بأزمة بسبب عملية الاستيطان الإسرائيلي فوق الأرض المحتلة وفي القدس لأن "إسرائيل" هي أقرب الدول الحليفة للولايات المتحدة، وأن العلاقات الخاصة بينهما لن تتأثر. وقد علق على ذلك الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان بقوله إن: "الخلاف الحالي بين الدولتين ناتج بالأساس عن تغيُّر أولوية السلام على أجندة كل من الطرفين، ذلك أنه ليس من الصعب تصور أن المتزوجين كاثوليكيا تنشأ بينهما خلافات تفرضها تفاصيل الحياة، ولكنهما يتعاملان على أرضية عدم وجود إمكانية للانفصال، أي أن العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" تعبر عن زواج كاثوليكي وتحالف إستراتيجي، ومن ثم فإنه لا توجد أزمة في العلاقات بينهما".

 

ونشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تقريراً إستراتيجياً مطلع شهر كانون أول المنصرم، تحت عنوان: "الأمن أولاً.. الأولويات الأمريكية في صنع السلام الإسرائيلي الفلسطيني"، وقد أعد هذا التقرير "مونتجمري ميجس"، الأستاذ المتخصص في العمليات الإستراتيجية والعسكرية ببرنامج الدراسات الأمنية، بمعهد "إدموند والش" للخدمة الخارجية بجامعة "جورج تاون" الأمريكية.

 

وانطلق التقرير من فكرة أساسية مفادها: أن السلام في الأراضي الفلسطينية سوف يتحقق في حالة واحدة فقط؛ عندما يستطيع الفلسطينيون تحمل مسؤولياتهم الأمنية الكاملة، ويكون لدى إسرائيل الثقة التامة في قدرتهم على القيام بهذه المهمة، وأن الاعتقاد السائد بأن قضايا اللاجئين ووضع القدس وحدود الدولة الفلسطينية باعتبارها العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين هو أمر خاطئ، أو على الأقل غير كامل. فتثبيت الأمن على المدى الطويل هو العامل الحاسم في التوصل لحل لهذا الصراع، فالأمن فقط هو القادر على إعادة الثقة بين الجانبين.

 

ولكن الخلاف بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، يتمحور حول تحديد معاني ودلالات مفهوم الأمن، فالإسرائيليون يرون أن الأمن يعني قيام السلطة الفلسطينية بكل الجهود لمنع "الهجمات الإرهابية" ضدها، واعتقال كل المشتبهين فيهم وعقد المحاكمات لهؤلاء، وضرب معاقل "الإرهاب"، ومنع كافة أشكال الدعم من الوصول لهم، أما بالنسبة للفلسطينيين فيعني الأمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي؛ لأن قوات الأمن الفلسطينية لن تتمكن من القضاء على "الإرهاب" إلا إذا كانت هناك دولة فلسطينية قائمة. (1)

 

هذا المدخل يقودنا إلى أن مركزية الأمن بالنسبة لإسرائيل يجعلها تضعه في أعلى أولوياتها؛ فعلى الرغم من توقيع إسرائيل لاتفاقيات مع دول عربية، منها مصر فقد ورد مفهوم الأمن والترتيبات الأمنية عدداً قياسياً من المرات في معاهدة "السلام" المصرية- الإسرائيلية. وعلى مسارات التفاوض التي بدأت في مدريد، وضعت اسرائيل قضية الأمن (أمنها) على طاولة المفاوضات بقوة. وفي عهد حكومة الليكود في الفترة 1996 ـ 1999، حددت اسرائيل شرطها الرئيسي للسلام بتحقيق أمنها المطلق. وفي عهد حكومة إيهود باراك، الذي فاز على سلفه بنيامين نتنياهو في انتخابات أيار/مايو 1999  المبكرة تحت شعار (إسرائيل واحدة)، تمت صياغة المفهوم الامني بـ(الأمن والسلام) بدلاً من (الامن أساس السلام)، ويجري تفسير الشعار (الامن والسلام بـ (السلام الآمن(. ويمكن القول إن المبرر الأساسي لنشأة الدولة الإسرائيلية هو تحقيق الأمن والأمان لليهود. إلا أن هذا لا ينفي وجود قدر مهم من الاختلاف وعدم الانسجام بين مختلف التيارات السياسية والأيديولوجية داخل المجتمع الإسرائيلي حول العلاقة بين السلام والأمن، وما إذا كان السلام سوف يقود في النهاية إلى تحقيق الأمن؟. ومع ذلك، فقد لجأ العديد من الإسرائيليين للاعتماد على المقولات والاعتبارات الأمنية لتبرير المصلحة الأيديولوجية في سياسة التوسع الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. ولجأ كل من نتنياهو وأرييل شارون إلى توظيف المقولات والحجج الأمنية لتجنب التنازل عن أية أراض للفلسطينيين. وفي هذا السياق، يصعب القول إن هناك من يقبل حلاً وسطاً أو مساومة بالنسبة لقضية الأمن.

 

افتراضات أساسية

ويقوم مفهوم الأمـن الإسرائيلي على افتراضات أساسية قد سيطرت على العقلية الأمنية الإسرائيلية ولاقت قبولاً واسعاً داخل المجتمع الإسرائيلي، فهي العامود الفقري للعقيدة الأمنية الإسرائيلية حتى وقتنا هذا.

 

- الافتراض الأول: مشتق من المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ومفاده أن النظام الدولي يتسم بالفوضوية. فتحت تأثير حرب عام 1948، تطورت لدى القيادات السياسية الإسرائيلية القناعة بأنه في وقت الأزمات لن يقف أحد بجانب إسرائيل، ومن ثم يجب أن تعتمد على قدراتها الذاتية، وبمعنى آخر، فقد أدت خبرة تلك الحرب إلى تقديس إسرائيل لمبدأ القوة.

 

- الافتراض الثاني: هو أن إسرائيل تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وهو أحد العناصر الرئيسية في السياسات الأمنية الإسرائيلية، حيث يعتقد معظم الإسرائيليين أن الأرض تمثل مكوناً رئيسياً للأمن. ولهذا السبب، قام إيغال آلون عقب حرب 1967 بوضع ما عرف بـ "خطة آلون"، التي استندت إلى فكرة الحدود التي يمكن الدفاع عنها والتي تشكل عنصراً رئيسياً في الأمن الإسرائيلي.

 

- الافتراض الثالث: يقوم على أن العرب يمتلكون تفوقاً كمياً على إسرائيل فيما يتعلق بالموارد البشرية والطبيعية، فبالإضافة إلى التفوق العربي فيما يتعلق بعدد السكان، تمتلك الدول العربية - وهذا هو الأهم- موارد طبيعية يمكن توظيفها بشكل يحقق لها تفوقا كيفياً على إسرائيل، وهو ما يمثل تحدياً وتهديداً محتملاً لإسرائيل. وعلى سبيل المثال، يصعب على إسرائيل -وفق هذا التحليل- مواجهة أعدائها في صراع عسكري ممتد لأنها لا تستطيع تعبئة مواردها البشرية والاقتصادية المحدودة في حرب طويلة.

 

ونتيجة لهذا الافتراضات، تبنت القيادات السياسية الإسرائيلية عدداً من المبادئ والمقولات عند صياغة العقيدة الأمنية للدولة، وفي مقدمتها مفهوم الردع، والذي صيغ لتحقيق أهداف محددة. وكان في مقدمة تلك الأهداف منع الدول العربية من مهاجمة إسرائيل. ولهذا السبب، حدد إسحاق رابين، أثناء عمله كرئيس لأركان الجيش الإسرائيلي، وظيفة جيش الدفاع الإسرائيلي بردع العدو، وإذا ما فشل الردع، هزيمة العدو. وقد ظل تحقيق الردع التراكمي إحدى الاستراتيجيات الثابتة لدى القيادات السياسية الإسرائيلية، وهو المفهوم الذي قدمه ديفيد بن غوريون، ويعني أن تكون إسرائيل قادرة على مقاومة التهديدات العربية وإلحاق العرب هزيمة تلو الأخرى حتى يصل العرب إلى قناعة بأن إسرائيل لا تقهر. وأن هذا الوضع سوف يقود تدريجياً إلى إقلاع العرب عن فكرة الحرب ضد إسرائيل.

 

وقد واجه مفهوم الأمن الذي طوره بن غوريون، والذي يفترض أن إذعان العرب بالأمر الواقع على الأرض يمثل الشرط الأساسي المسبق للسلام، تحدياً عقب حرب 1967. فبالإضافة إلى التحول الاستراتيجي في البيئة الأمنية الإقليمية، ساهمت تحولات المجتمع والسياسات الداخلية في تأكيد هذا التحدي. فقد ساهمت تلك التحولات في تطور جدل عام داخل إسرائيل حول مدى مركزية مفهوم الردع وأي دور يمكن أن تقوم به الأراضي الواسعة التي تم السيطرة عليها في تلك الحرب في إطار استراتيجية الردع؟ وبالفعل فقد تراجع الإجماع الوطني بشأن مضمون الأمن القومي عقب حرب 1967. وهكذا، فقد أدى انتصار إسرائيل في عام 1967 إلى ظهور تحديات داخلية لمفهوم بن غوريون للأمن القومي. ولم تقتصر تلك التحديات على مفهوم الأمن القومي ولكنها طالت مفهوم بن غوريون حول الدولانية. فقد أدت السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة إلى انبعاث مفهوم القومية الاثنية (القوى التي لا تعتبر الأراضي وسيلة لتحقيق الأمن ولكنها هدف في ذاته) والتي فرضت تحدياً أيديولوجياً للمفهوم التقليدي للأمن. ومن ثم، أصبح من الصعب تجــاهل الصهيونيين المتدينين - الذين يطرحون الصراع العربي الإسرائيلي في إطار رؤيوي ينطلق من النبوءة الدينية- فــي تشكيل الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي زاد من تعقيد المنهج الإسرائيلي في تحقيق السلام والأمن.

 

وباختصار، فإن السياسة الأمنية الإسرائيلية مازالت تعتمد بالأساس على مفهوم الردع، من خلال تنمية القدرات العسكرية التي تكفل لها توجيه ضربات وقائية ضد الخصم، وتكبيده خسائر لا يمكن احتمالها بما يضمن تحقيق تفوقها. وهكذا، فإن الجمع بين الردع والانتقام العسكري المكثف يمثل نمط الاستجابة الإسرائيلية الرئيسية للتهديدات الرئيسية التي يمكن أن تتعرض لها. وقد تميزت تلك السياسة، بالإضافة إلى ما تنطوي عليه من صعوبات وتعقيدات سياسية، بالتكلفة العسكرية المرتفعة. ومع نهاية عقد الثمانينيات بدأت بيئة استراتيجية إقليمية وعالمية جديدة في التشكل.. (2)

 

أما لجهة فقدان "الأمن"؛ فقد عبّرت الكاتبة الصهيونية، باعيل باز ميلمدا، في صحفية «هتسوفيه»، (29/10/2001)،  عن رفضها لعمليات احتلال المدن الفلسطينية التي قامت بها إسرائيل واعتبرت أنها : «لا تساهم في  جلب الأمن لمواطني "إسرائيل"». أما الأمن الذي يريده الإسرائيليون فيتلخص بإنهاء "الإرهاب" والقضاء عليه، وقد نقلت صحيفة (معاريف، 22/10/2001) عن مصادر أمريكية وصفتها برفيعة المستوى، إنها قد أوضحت لرئيس السلطة الفلسطينية ـ آنذاك ـ، ياسر عرفات: «أنهم يتوقعون منه أن يتخذ كل الوسائل الممكنة ضد عناصر حركتي حماس والجهاد الإسلامي بما في ذلك استخدام السلاح من أجل وقف "الإرهاب" الذي تمارسه هاتان الحركتان». أضافت الصحيفة أن «مجلس الأمن القومي الأمريكي حدد معياراً لمكافحة هاتين الحركتين يتلخص بقتل وجرح كبار المسؤولين فيهما».

 

المقاومة وتهديدها أمن إسرائيل

أصبحت المقاومة في العقود الأخيرة أحد أبلغ التهديدات التي تواجهها اسرائيل اليوم. مع ذلك يشتمل هذا التحدي أيضاً على مشكلات أساسية كثيرة. أبرزها طابعه الغامض غير المتجانس الذي يميز الجهات التي تنتمي اليه. تمثل عدة جهات هذه الفكرة ولا يوجد بينها بالضرورة صلة حقيقية فهنالك: منظمات ليست دولة (مثل حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، او عناصر المقاومة المسلحة في العراق)، ومنظمات غير دولة تطور صبغة دولة (حماس في قطاع غزة) او "شبه دولة" (حزب الله)، وكذلك دول (ايران وسورية). كل اولئك يمثل هويات دينية وطائفية وعقائدية مختلفة بل متباعدة تباعداً كلياً أحيانا. فوق ذلك لا تعتمد العناصر كلها على نظرية منظمة واحدة وهي في واقع الامر تعطي تصور المقاومة تفسيراً مختلفاً وتحدد أهدافها على نحو مختلف وبحسب الظروف الخاصة ومصالح كل واحد منها. وعلى ذلك يوجد من جهة صعوبة أن نعرف المقاومة على أنها "معسكر" أو "محور"، ومن جهة أخرى أن نصفها على أنها تيار او ظاهرة، وفي واقع الامر تأليف لجميع التعريفات والمفاهيم. (3)

 

..ويقوم تصور النضال في فكرة المقاومة على عدد من المبادىء الأساسية: السعي الى استنزاف دائم للعدو؛ والتظاهر بقدرة واسعة على التضحية (تتفوق على قدرة العدو)؛ وتصميم ينبع من التمسك بالفكرة؛ واستعداد لاجراء معركة بعيدة الأمد تنتهي بنصر محقق في المستقبل البعيد؛ ونفي تام للعدو، يجسد سعياً الى القضاء عليه في الأمد البعيد ورفضاً تاماً للاعتراف به؛ والامتناع من تقديس منطقة ونضال عنيد عن منطقة، واعطاء وزن محدود نسبياً لفكرة السيادة ومبدأ سيادة الدولة؛ واستعمال طرق ووسائل قتالية بسيطة لكنها عظيمة القوة؛ والسعي الى زيادة الخسائر في المستوى العسكري والمدني للعدو مع ادراك الحساسية الكبيرة في الغرب بالخسائر من الارواح؛ ودفع عن وعي للمعركة الى المجال المدني ينبع من جملة ما ينبع منه من ارادة اثارة معضلات اخلاقية عند العدو وأن تحظى بـ "درع بشرية". تؤكد عناصر المقاومة في المنطقة أيضاً تفضيلها الواضح لعقد صلات وثيقة بالجماهير والشارع واحتقارها للحكومات في المنطقة التي تعد بحسب نهجها ضعيفة مشوهة من جهة فكرية ومستسلمة للغرب.

 

لا تنوي عناصر المقاومة الوصول الى توازن عسكري فضلاً عن احراز حسم للنضال مع اسرائيل، وهي تدرك ضعفها العسكري. (4) مع ذلك تقول انها تملك قدرة على خفض التميز العسكري التقني للعدو بواسطة نوعيات ذهنية وبخاصة القدرة على الصمود والتضحية. بحسب تصور المقاومة، يجسد النصر في منع العدو الحسم، وفي القدرة على البقاء والعمل زمناً طويلاً حتى بعد تلقي ضربات شديدة وبعبارة أخرى – تحقيق النصر بواسطة عدم الهزيمة. بواسطة هذه الطرائق تسعى عناصر المواجهة الى احراز "احتواء مزدوج": منع العدو الغربي ولا سيما اسرائيل حسماً عسكرياً وأن تحبط في الآن نفسه مسارات سياسية اقليمية ترمي الى احداث استقرار وتقديم مصالحة بين اسرائيل وجاراتها والتأسيس لمنطقة مناصرة للغرب. وتُعتبر حرب لبنان الثانية حدثاً تأسيسياً عبّرت فيه المقاومة الإسلامية بكامل القوة عن نجوع وقوة الطرائق التي تعتمد عليها. وبهذا تسببت هذه الحرب لاسرائيل احدى أصعب الهزائم في تاريخها وأقامت أمامها تحدياً مركباً صعب عليها ان تجد له رداً مناسبا. (5)

 

ومن المفارقات في مرتكزات الأمن الاسرائيلي، تتصلح بالنتائج المتناقضة لفعل الآلة العسكرية. فهي، وإن نجحت في العدوان وحققت التوسع على الأرض، فإن الإخفاق مازال ماثلاً في تهويد الأرض الفلسطينية سواء بالاستيطان أو بنفي أبناء البلد الأصليين. وإذا أضفنا الى هذه الحقيقة تناقضات المجتمع الاستيطاني (اليهود بأطيافهم المختلفة، العرقية والإثنية والإيديولوجية والسياسية) التي تتلخص بما يسمى مشكلة الهوية في اسرائيل، تصبح الصورة الداخلية في اسرائيل أشبه بأوصال متقطعة تحاول القيادة جمعها بخيط النسيج العسكري لبنية الدولة، وبرفع درجة الهاجس الأمني باستمرار. (6)

 

مفاوضات و"أمن"..

وعشية إطلاق المفاوضات غير المباشرة، بين السلطة وإسرائيل، شدد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، خلال لقائه مع الموفد الأميركي جورج ميتشل، على أهمية «حل المشاكل الأمنية» في أي اتفاق "سلام" مع الفلسطينيين.

واعتبر بيريز أن تسوية المسائل الأمنية «تكتسب أهمية قصوى» في ضوء آلاف الصواريخ التي تلقتها بعد انسحابها من قطاع غزة عام 2005.

وفيما تجاهل بيريز المجازر التي ارتكبها جيشه الإسرائيلي في قطاع غزة والتنازلات المتواصلة التي قدمتها السلطة الفلسطينية، أكد أن إسرائيل ملتزمة بما أسماه "السلام" وتطبيق مبدأ الدولتين لشعبين، مشيراً إلى أن «وجهة إسرائيل نحو اتفاق ومصالحة تاريخية مع الفلسطينيين، تؤدي في نهايتها إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة تقوم إلى جانب إسرائيل».

وفي اللقاءات بين المسؤولين الإسرائيليين وجورج ميتشل، طالب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتركيز في المرحلة الأولى من المفاوضات غير المباشرة على قضيتي الأمن والمياه، فيما تطالب السلطة الفلسطينية بالتركيز على قضيتي الحدود وتجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وقال النائب الأول لرئيس الوزراء سيلفان شالوم، في حديث مع صحيفة «جيروزاليم بوست»، إن أي زعيم فلسطيني لن يقبل بأقل مما رفضه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في كامب ديفيد قبل عشر سنوات، وفي المقابل لن يقترح أي رئيس وزراء أكثر مما اقترحه إيهود باراك آنذاك، واستنتج بناءً على ذلك أن المفاوضات غير المباشرة ستصل إلى طريق مسدود. لكنه عاد وأعرب عن تأييده لهذه المحادثات التي تدعمها واشنطن لكونها قد تؤدي إلى تفاهم كبير بين الجانبين.

وأضاف شالوم أن أي محاولة لفرض حل للنزاع مع الفلسطينيين من الولايات المتحدة أو أي لاعب آخر لن تنجح «لأنه لا أحد سيقبل ذلك، وإسرائيل لن تقبلها بالتأكيد». وشدد شالوم على ضرورة أن تركز المحادثات غير المباشرة على مشاريع اقتصادية وتطوير المناطق الصناعية ومشاريع مشتركة في حقول الكهرباء والصرف الصحي والمياه والبنية التحتية.

وسابقاً أجرى الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، تحركات حينما تحدث عن ضرورة قيام الدولة الفلسطينية خلال العام 2008، جرى ذلك بالتزامن مع تحرك من قبل مؤسسة (راند) للأبحاث التابعة لسلاح الطيران الأمريكي والتي تحظى تقاريرها بالأهمية وتنفذ غالبا، بغرض طرح خطة سبق أن أعدتها المؤسسة عام 2005 بشأن "الدولة الفلسطينية الجديدة" المقترحة.

 

وبحسب تقرير (راند) إنه "لا يمكن تصور نجاح دولة فلسطينية مستقلة في غياب السلام والأمن للفلسطينيين و"الإسرائيليين" على حد سواء"، وأنه يجب أن لا تشكل الدولة الفلسطينية المستقلة "أي خطر على إسرائيل"، وعلى "إخماد نشاط المنظمات الإرهابية (المقاومة) التي تخل باستقرار الدولة الفلسطينية وتهدد إسرائيل.

 

ماذا وراء الحملة..؟!!

  بعد أسابيع من اتهام الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لسوريا بأنها تقوم بتهريب صواريخ سكود لحزب الله. وقول بنيامين نتنياهو: "سنعيد سوريا إلى العصر الحجري"، ثم عاد هو نفسه ليقول خلال اجتماع كتلة حزب الليكود في الكنيست الاثنين (26-4-2010)، إنه "لا توجد لدى إسرائيل نية بمهاجمة سورية".

ومن ثم توالي سلسلة من التصريحات الإعلامية الأمريكية والإسرائيلية عن تزويد سوريا لحزب الله بصواريخ "سكود".. ومنها تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، روبرت غيتس، إن "إيران وسوريا تزودان حزب الله في لبنان بصواريخ متطورة تهدد بزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط".

وهو ما أكد عليه وزير الحرب الإسرائيلي، ايهود باراك بأن "سوريا تتصرف بطريقة ضارة بإرسالها نظم أسلحة إلى حزب الله من الممكن أن تخل بالتوازن الدقيق في لبنان".

كما عاد مسؤولون أمنيون إسرائيليون وأعلنوا أن وجود صواريخ من طراز "أم 600" بحوزة "حزب الله" يقلق تل أبيب أكثر من وجود صواريخ "سكود"، فيما نقلت صحيفة "هآرتس" (6/5/2010)، عن قائد منظومة الدفاعات الجوية في سلاح الجو الإسرائيلي العقيد "دورون غابيش"، قوله إن "الأجهزة التي تعمل حالياً في إسرائيل ضد الصواريخ لا يمكنها تزويد حماية محكمة من صواريخ أرض أرض والقذائف الصاروخية. وعزا عدم توافر حماية كهذه إلى "الانتشار المكثف لأسلحة من هذا النوع (أي الصواريخ والقذائف الصاروخية) في دول عدو ولدى منظمات إرهابية".

وأنكرت الحكومة السورية رسمياً الاتهامات الموجهة إليها، وكذبتها تكذيباً مطلقاً، وأكد وزير خارجيتها أنها تهم باطلة، وذرائع لعدوان محتمل على سورية أو على لبنان، ولكن إنكارها هذا لم يحل المشكلة. وكان الرئيس بشار الأسد أكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني قبل فترة أن "سورية تقوم بتحضير نفسها دائماً لمواجهة أي عدوان إسرائيلي صغيراً كان أم كبيراً"، مضيفاً: "علينا أن نكون مستعدين في كل وقت وفي كل لحظة لأي عدوان إسرائيلي قد يتم لأي سبب وتحت أي مبرر".

إزاء ذلك ما هي توقعات نشوب حرب أو توجيه ضربات لسوريا؟ وهل تعمل الولايات المتحدة فعلاً على ذلك؟

أسئلة يمكن تلمس إجاباتها من خلال عدم الحسم الأمريكي والإسرائيلي تجاه توجيه ضربة لسوريا، أو لحزب الله، أو لإيران، على اعتبار أن "التحالف" بين هذه الدول وحزب الله والمقاومة الفلسطينية قد أرسى قوة ردعية إلى حد ما استطاعت منع توجيه ضربات.. وهذا التحليل يؤكده اعتقاد أوساط دبلوماسية أوروبية خبيرة بالشرق الأوسط أن الاتهامات التي وجهتها إسرائيل لسوريا بتزويد حزب الله بصواريخ "سكود" قائمة على توقعات استخباراتية أكثر منه إلى معطيات واقعية.

وإذا كانت إسرائيل قلقة من تنامي قدرة حزب الله العسكرية بعد هزيمتها في لبنان العام 2006، فإن الخطاب الذي حذّر فيه الأمين العام لحزب الله إسرائيل برد قاس إذا ما هاجمت لبنان، يُعتبر من سياسة الغموض التي ينتهجها الحزب وحلفاؤه والتي أثبتت حتى الآن نجاعتها. وأفقدت إسرائيل وأمريكا صوابهما لعدم امتلاكهما المعلومات الدقيقة إزاء تنامي قدرات الحزب.

وفي نظرة واقعية تشير إلى أن صواريخ سكود التي يُتحدث عن امتلاك حزب الله لها، والتي يبلغ طولها 12 متراً، وإطلاقها يستغرق 40 دقيقة، عملياً ليس الحزب بحاجة لها لكي يقصف العمق الإسرائيلي في حالة نشوب حرب، بل صواريخ تتراوح ما بين قريبة المدى والحد الأدنى لمتوسطة المدى، ذلك أن المسافة بين الجنوب اللبناني وتل أبيب هي 114 كلم، وباقي المواقع الإستراتيجية مثل الموانئ والمصانع ومحطات الكهرباء تدخل ضمن مسافة 250 كلم. وعموما، فهذه المسافة ليست بالطويلة نهائياً مقارنة مع التطور الهائل الحاصل الآن في صناعة الصواريخ.

وهذا العامل هو الذي يقلق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لأن المسافة بين الجنوب اللبناني وفلسطين المحتلة تبقى قصيرة عسكرياً، فرغم أن الرادارات قد ترصد الصواريخ، فالجيش لن يحقق نجاحاً كبيراً في اعتراضها بسبب سرعة هذه الصواريخ وقصر المسافة. فالصواريخ الصغيرة أو المتوسطة الحجم لا تتطلب منصات ذات تقدم تكنولوجي معقدة للإطلاق تفادياً لرصدها من طرف أجهزة الرصد العسكرية الإسرائيلية. ورغم صغر حجمها ما بين متر إلى ثلاثة أمتار، فهذه الصواريخ تكون شديدة القوة بسبب نوعية المتفجرات التي تحملها والتي تحولها إلى أشبه بالقنابل العنقودية، حيث تغطي قوتها التدميرية مساحة كبيرة في بعض الأحيان.

وتحدثت مصادر غربية عن احتمالين، الأول امتلاك حزب الله لصواريخ جديدة إيرانية الصنع مجهولة من طرف إسرائيل، لاسيما وأن صناعة الصواريخ الإيرانية أصبحت متطورة ومتقدمة، وإما أن حزب الله استطاع بفضل خبرائه ومساعدة أجنبية صديقة محتملة تطوير صواريخ في مصانع سرية في لبنان وهو ما جعل استخبارات إسرائيل في موقف التائه. وهذا عين ما كُشف عنه من قلق تعيشه إسرائيل من المناورات السورية – التركية المشتركة على الحدود بين البلدين، نظراً إلى عملية توطيد العلاقات بين سورية وتركيا، وخاصة من جهة الدلالات السياسية وإمكانيات توسع هذه العلاقات لتتحول إلى تعاون عسكري حقيقي، بما في ذلك تسليم سورية معلومات وتكنولوجيا حصلت عليها تركيا من إسرائيل، بحسب صحيفة (يديعوت أحرونوت).

لذلك، ورغم حالة القلق التي يعيشها القادة الإسرائيليون من تنامي القدرات العسكرية السورية، وقدرات حزب الله، فإن احتمالات شن عدوان واسع على سوريا أو على لبنان في الوقت الحالي تبقى أسهمها قليلة. ويرى الكثيرون أن الاتهامات الإسرائيلية ما هي إلا مزاعم غير صحيحة، تهدف لرفع سوية التوتر وإلزام الإدارة الأميركية على إعادة النظر بموقفها من الاستيطان ومن تطرف حكومة نتنياهو، وتغيير ما لوحت به من سياسة جديدة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وخاصة تلميحات الرئيس أوباما وتصريحات وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وتخويف الداخل الإسرائيلي الذي بدأ يتخوف من الخلافات التي سببتها حكومته مع الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته.

كما توجد تحديات كبيرة أمام حكومة نتنياهو في الداخل أهمها استمرار ائتلافه الحاكم، واستئناف عملية "التسوية" مع السلطة، وتحدي استمرار النمو (الاقتصادي) الإسرائيلي الذي يميز إسرائيل مقارنة مع اقتصاد الدول المتطورة، وتحدي ربط الضواحي مع وسط البلاد. كل هذه التحديات تقلل من فرص الحرب الشاملة، ولكنها لا تلغي هذا الخيار على اعتبار أن العدوان سمة من سمات إسرائيل..

 

هوامش

 (1) معهد واشنطن: أمن إسرائيل يسبق أي تسوية، محمد الجوهري، . 

 (2) أمن إسرائيل صراعات الإيديولوجيا والسياسة، وائل عبد العزيز، . (3) دراسة: تحدي المقاومة وخصائصه: سبل مواجهة إسرائيل الممكنة، ميخائيل ميلشتاين، تقدير استراتيجي – المجلد 12 –  العدد 4 - كانون الثاني 2010.

 (4) المصدر السابق.

 (5) المصدر السابق.

 (6) أمـن إسرائيل: الجوهر والأبعاد، مصطفى عبد الواحد الولي  

انشر عبر