شريط الأخبار

وفد المصالحة: مناورة أم تحرك ودي؟.. هاني المصري

11:29 - 05 تشرين أول / يونيو 2010

وفد المصالحة: مناورة أم تحرك ودي؟.. هاني المصري

 

"إن تحقيق المصالحة الوطنية أفضل رد على مجزرة أسطول الحرية" .. هكذا قال الرئيس ابو مازن في خطابه أمام مؤتمر الاستثمار.

ومن أجل تحقيق المصالحة قررت القيادة الفلسطينية تشكيل وفد، شككت به "حماس" في البداية، ثم رحبت به مؤكدة على اهمية ان يكون جدياً وليس مجرد مناورة إعلامية.

حتى يكون تشكيل الوفد خطوة جدية لا بد أن يضم شخصيات قوية وفاعلة مؤمنة بأهمية الوحدة وتمثل جميع الوان الطيف السياسي، وان تشارك به اللجنة المركزية لحركة فتح بشكل فعال، والاهم ان يذهب حاملاً تفويضاً محدداً من الرئيس والقيادة يمكنه من النجاح في مهمته.

بعد مجزرة اسطول الحرية وصل الانفعال الوطني الغاضب الى الذروة، ولم يعد الفلسطيني العادي يقبل من قيادته وفصائله المختلفة ان يستمروا بالتعامل مع مسألة بأهمية المصالحة الوطنية بنفس الطريقة الفئوية واللامسؤولة التي تعاملوا بها حتى الآن.

فان يذهب الوفد مسلحاً بالنوايا الطيبة والدعوات الحميدة وبمجرد دعوة حركة حماس للتوقيع على الورقة المصرية فقط، فانه لن يضيف جديداً وسيكتب على مهمته الفشل، وستكون مجرد مناورة إعلامية تهدف الى امتصاص الغضب الشعبي وعدم تحمل المسؤولية عن عدم تحقيق المصالحة.

المطلوب الآن، مبادرة جديدة، تستند الى مواقف عملية تتنازل فيها كل الاطراف عن مواقفها القديمة لصالح مقاربة جديدة قادرة على إنجاز المصالحة الوطنية. فليس من المعقول ان تأتي سفن الحرية حاملة المتضامنين من جميع انحاء العالم، وان تنتصر تركيا لفلسطين بصورة رائعة لم نشهد مثلها من قبل، وان يسقط ضحايا من المتضامنين على ايدي القوات الاسرائيلية، وتنشأ أكبر حملة تضامن مع فلسطين وادانة لاسرائيل، وتركز على إنهاء الحصار ويبقى ابناء القضية منقسمين.

بعد قراءة و دراسة الوضع السياسي الراهن من كل جوانبه يمكن تحقيق المصالحة الوطنية عن طريقين أو مرحلتين تقود الواحدة منهما الى الاخرى:

الطريق الاول: أن يذهب وفد المصالحة الى دمشق وغزة وليس الى غزة فقط حاملاً بجعبته اقتراحاً بالحل يمكن ان تقبل به جميع الاطراف لانها تخرج من خلاله منتصرة بدون ان يهزم أحد.

ان الاقتراح القادر على احداث الاختراق يقوم على :

اولاً: توقع "حماس" اولاً على الورقة المصرية لكي يتم حفظ هيبة ومكانة مصر، كما يحقق ذلك التجاوب مع الخطوة التي قامت بها حركة فتح سابقاً بالتوقيع على الورقة المصرية رغم تحفظاتها عليها.

وثانياً: يتم أخذ التحفظات الجوهرية لحركة حماس عند تطبيق الورقة المصرية، بحيث يكون معروفاً هذا الامر من الجميع قبل توقيع حركة حماس على الورقة المصرية.

وحتى لا يحدث اختلاف على الملاحظات المقصودة يمكن تحديدها في:

أ) أن تكون قرارات الاطار القيادي المؤقت لـ م.ت.ف الذي سيشكل فور توقيع الورقة المصرية وحتى تشكيل المجلس الوطني الجديد والقيادة الجديدة نافذة.

ب) اعتماد التوافق الوطني كشرط يحكم تشكيل لجنة الانتخابات العليا، ومحكمة الانتخابات واللجنة الامنية العليا.

ج) إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين من الجانبين فور التوقيع على الورقة المصرية.

 

بدون توافق وطني على القضايا الاساسية لا يوجد شراكة حقيقية.

وبدون شراكة حقيقية تأخذ فيها الاطراف ما تستحقه فعلاً وليس ما تعتقد انها تستحقه لم ولن تتحقق المصالحة الوطنية.

 

الطريق الثاني: ان الطريق الاول بات مدخلاً ضرورياً لاستئناف الحوار الوطني وتحقيق المصالحة الوطنية، ولكنه وحده لن يستطيع تحقيق المصالحة الوطنية المستدامة.

إن تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية يتطلب الانطلاق من الاتفاقات السابقة: اعلان القاهرة 2005، وثيقة الوفاق الوطني (الاسرى)، اتفاق مكة، برنامج حكومة الوحدة الوطنية، ومما توصلت إليه جولات الحوار الوطني الثنائي والشامل والمكرس في الورقة المصرية، ولكنه يستهدف ايضاً استكمال الاتفاق الوطني من خلال التوصل الى اتفاق على أسس متكاملة تضمن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس صلبة.

ان هناك ركائز اساسية ثلاثاً تضمن قيام نظام سياسي فلسطيني قادر على مواجهة التحديات وتحقيق الاهداف الوطنية وهي:

- إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، برنامج إنهاء الاحتلال وتقرير المصير وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس.

- تحقيق شراكة سياسية حقيقية تضمن دور الجميع في السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة والمجتمع.

- الالتزام بالمبادئ والأسس الديمقراطية التي تضمن التعددية والتنوع والمنافسة والابداع، وفصل السلطات واستقلالها، والمساواة وسيادة القانون، وتتضمن الالتزام بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، وعلى جميع المستويات وفي مختلف القطاعات بشكل دوري ومنتظم.

يمكن ويجب الاتفاق في سياق اعادة بناء النظام السياسي بمختلف مكوناته على برنامج سياسي لحكومة الوفاق الوطني التي من المفترض ان تشكل بعد التوقيع على الورقة المصرية، وتلك التي ستتشكل بعد الانتخابات (بغض النظر عن نتائجها).

ان الانتخابات طريقة للاحتكام للشعب ومعرفة اوزان الفصائل والاحزاب والكتل الانتخابية المختلفة حتى توزع الحقائب الوزارية على أساسها وليست بديلاً عن الوفاق الوطني. فتشكيل حكومة وفاق وطني، واعتماد الوفاق الوطني ما دامت فلسطين تحت الاحتلال، يجب ان يكون جزءاً اصيلاً من اي اتفاق. فإذا جرت الانتخابات او لم تجر لسبب قاهر مثل منعها من سلطات الاحتلال، وبغض النظر عن نتائجها يجب ان تكون هناك حكومة وفاق وطني على اساس برنامج سياسي يجسد القواسم الوطنية المشتركة.

ان برنامج حكومة الوفاق الوطني يجب ان يجعلها مقبولة دولياً، لأنها بحاجة الى دعم دولي كبير سياسي ومالي. فمثل هذه الحكومة حتى تعمل وتستطيع التحليق عربياً واقليمياً ودولياً و(اسرائيلياً) يجب ان تكون مقبولة دولياً. وحتى تكون مقبولة دولياً يجب ان يستند برنامجها الى الحقوق الفلسطينية أولاً والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ثانياً، بدون اعتماد شروط اللجنة الرباعية الظالمة. ان أي حكومة لا تنسجم مع الشرعية الدولية ستؤدي الى تحقيق الوحدة، ولكنها ستؤدي إلى الانتقال من الحصار الدولي الحالي لقطاع غزة ، إلى حصار دولي للسلطة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتمكين اسرائيل من البطش بها بدون ثمن باهظ.

ان الطريق الثاني، طريق اعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس تأخذ التطورات والمستجدات الفلسطينية والعربية والاقليمية والدولية بالحسبان، بعيداً عن المحاصصة الفصائلية، هو طريق انجاز المصالحة الوطنية الحقيقية القادرة على قطع الطريق على جماعات مصالح استمرار الانقسام داخل البيت الفلسطيني هنا وهناك، وقطع الطريق على جميع محاولات التخريب والتدخلات الاسرائيلية والعربية والاقليمية والدولية.

ان تمترس كل طرف على مواقفه يعني ان تستمر "فتح" وفريقها بالإصرار على ان توقع "حماس" على الورقة المصرية تمهيداً لإنهاء سيطرتها على قطاع غزة والاحتكام الى الانتخابات في ظروف تعتقد انها لصالحها، بما يضمن خروج "حماس" من النظام السياسي من البوابة التي دخلت منها وهي صناديق الاقتراع، أو تقبل "حماس" بأن تكون اقلية تستطيع ان تعارض ولكنها لا تستطيع ان تحكم أو منع استمرار قيادة "فتح" للنظام السياسي وحدها.

كما يعني التمترس خلف نفس المواقف القديمة بأن تستمر "حماس" بالاعتقاد ان "غزة في اليد خير من عشرة عصافير على الشجرة في الضفة"، مراهنة على الوقت وانه كفيل بإحداث تطورات عربية واقليمية ودولية (واسرائيلية) تسمح بالاعتراف بـ"حماس" والتعامل مع سلطتها بغزة الى حين ان تتمكن من السيطرة على السلطة في الضفة ايضاً.

على "حماس" ان تتذكر ان الزخم الذي حصلت عليه الآن بعد مجزرة اسطول الحرية، مثله مثل الزخم الذي حصلت عليه بعد الحرب الاسرائيلية على غزة، وبعد قرار تأجيل تقرير غولدستون لم ولن يستمر طويلاً.

ان مثل هذا التفكير الذي يبدو انه موجود بقوة لدى اوساط نافذه في حركة حماس يشكل مقامرة كبرى بالقضية الفلسطينية، ويمكن أن يؤدي الى التضحية بها على مذبح المصلحة الفئوية. فيجب عدم وضع مصير المصالحة تحت رحمة اتمام صفقة تبادل الاسرى وفك الحصار واعادة الاعمار وانتظاراً لانتصار المشروع الاسلامي أو للاعتراف العربي والدولي بحركة حماس.

من حق "حماس" ان تكون شريكة في النظام السياسي، ومن واجبها أن تقبل بالأسس الديمقراطية وببرنامج وطني قادر على الاقلاع حتى لا يشطب الفلسطينيون من الخارطة السياسية الجديدة للمنطقة التي يجري رسمها بتسارع شديد، كما تدل تطورات اقليمية دولية عديدة.

لم يعد ممكناً ان ينفرد طرف بقيادة القضية الفلسطينية، بل لا مفر من شراكة حقيقية، لكي تصل السفينة الى بر الأمان.

لم يعد ممكناً ربط مصير المصالحة بنتائج المفاوضات المباشرة وغير المباشرة خصوصاً بعد ان وصل طريق المفاوضات الى حائط مسدود.

لم يعد ممكناً استمرار الانقسام لأن استمراره يعني ضياع وتدمير كل شيء.

لم يعد ممكناً ولا مقبولاً خصوصاً بعد أسطول الحرية استمرار المراهنة على الاحتلال والحصار لإسقاط "حماس" او احتوائها.

لم يعد ممكناً ولا مقبولاً المراهنة على المشروع الاسلامي على حساب المشروع الوطني، وعلى ايران وحزب الله لإسقاط "فتح" تمهيداً للانفراد بالسلطة والمنظمة والقرار الفلسطيني.

ان الرهان أولاً يجب ان يكون دائماً وابداً على الشعب الفلسطيني العظيم، وعلى وعيه وقدرته وتصميمه على مواصلة النضال مهما طال الزمن وغلت التضحيات حتى يحقق اهدافه بالحرية والعودة والاستقلال.

 

 

انشر عبر