شريط الأخبار

حين يُرتهن الاستقلال الفلسطيني بعودة الوعي لنتنياهو .. عريب الرنتاوي

09:04 - 28 تموز / مايو 2010

بقلم: عريب الرنتاوي

أعطوني سبباً واحداً ، يجعل إسرائيل مهتمة بإرضاء السلطة الفلسطينية واسترضائها ، سبباً واحدا فقط ، يجعل إسرائيل تحسب حساباً لما تقوله السلطة أو تخبئه لقادمات الأيام. سبباً واحداً فقط ، يدفع إسرائيل لأخذ السلطة والمنظمة والرئاسة ومن خَلفًهم جميعاً حركة فتح ، على محمل الجد.

لدينا رئيس للسلطة لا يكف لحظة واحدة ، بمناسبة أو من دون مناسبة ، عن التذكير بأنه ضد المقاومة المسلحة وضد الانتفاضة ، وأنه لن يسمح باندلاع هذه أو انطلاق تلك ، في شتى الظروف ومطلق الأحوال ، حتى وإن انهارت محادثات التقريب غير المباشرة ، أو وصلت المفاوضات المباشرة إلى طريق مسدود. لدينا رئيس للمنظمة كل شيء جائز وممكن بنظره ، ما عدا المقاومة المسلحة والانتفاضة ، يقولها ويكررها حتى من دون أن يُسأل عن رأيه ، ويتطوع بتقديم الموقف كما لو كان التزاما مبدئياً ـ إيديولوجياً ـ عقيدياً ، وليس كموقفْ نابعْ من حسابات الربح والخسارة ، أو من شروط اللحظة الراهنة وتعقيداتها ، بل أنه لا ينسى أبداً تذكيرنا بان الانتفاضة هي التي "خرّبت بيوتنا" و"دمّرت مشروعنا" ، إلى آخر ما في الأسطوانة المشروخة من مواقف باتت مملة ، أقله لفرط تكرارها.

والمؤسف أن الرئيس لا يكتفي بطرح وجهة نظره كأي كاتب عمود يومي أو معلق سياسي ، ولا يكل أو يمل من تكرار عرضه بهذه الصورة الفجّة ، بل ويتعهد من موقعه التنفيذي على رأس فتح والسلطة والمنظمة ، بأن يمنع ما دام على قيد الحياة ، انزلاق الفلسطينيين مجدداً إلى خيار الانتفاضة والمقاومة المسلحة ، وأن يبذل كل ما في وسعه لقطع الطريق على هذا الخيار ، فهل ثمة التزام أفضل من هذا يمكن لإسرائيل أن تتطلع إليه أو تحلم بالحصول على مثله ممن يقف على رأس هرم السلطة والقرار في فلسطين؟.

جلُّ ما كانت تحلم به إسرائيل هو أن تحصل على زعيمْ فلسطيني يفي بالتزامات مكره على قطعها على نفسه من نوع: التقيد بوقف النار ، محاربة "الإرهاب" وحفظ الالتزامات الأمنية للسلطة ، الراحل ياسر عرفات فعل ذلك جزئيا وفي ظروف معينة ولأغراض سياسية ، ودائما تحت شعار مكرهّ آخاك لا بطل. اليوم لدينا رئيس مؤمن إيديولوجيا بفعل ذلك ، من جانب واحد ، ومن دون طلب إسرائيلي ، لدينا متطوع لفعل ذلك ، والتصدي لكل من يخالفه الرأي. لدينا رئيس موغل و"متزيّد" في الحماسة لمحاربة "الإرهاب" ومنع الشعب من الانزلاق إلى "مستنقع" انتفاضة جديدة كفيلة بـ"تخريب" ما تبقى من بيوتنا.

وإلى جانبه ، وليس من خلفه أو تحت قيادته ، لدينا رئيس حكومة يقوم مشروعه بالكامل على حفظ الأمن والاستقرار ، فبناء مؤسسات الدولة تحت الاحتلال ، مشروط بالنجاح في حفظ أمن الاحتلال أيضا ، وإلا لتعذرت المهمة واستحالت ، وفي سياق حفظ أمن الاحتلال لا بأس من حفظ أمن الفلسطينيين من الفلسطينيين الذين يهددون أمنهم واستقرارهم الذاتيين ، فلا أحد في فلسطين ، بمن في ذلك الرئيس ورئيس حكومته ، يجرؤ على الزعم بأنه في وضع يمكنه من التعهد بحفظ أمن الفلسطينيين من الإسرائيليين ، سواء أكانوا جيشا نظاميّاً أم قطعاناً سائبةً من المستوطنين.

حتى التلويح بخيارات أخرى ، لم يعد مدرجاً في قاموس السلطة والمنظمة اللهم باستثناء الخيار الأخرق: اللجوء إلى مجلس الأمن ، فالسلطة وضعت بيضها كله ، أو بالأحرى ما تبقى لها من بيضْ "إمّذر" في سلة الرهان على "المفاوضات حياة" ، وهي تقف اليوم في وضع انتظاري مقيت ، ويكفي أن الرهان الوحيد الذي يبني عليه الرئيس استراتيجيته ، هو الرهان على "عودة الوعي" لرئيس الحكومة الإسرائيلية ، وإيمانه بالسلام طريقاً للحفاظ على مصالح إسرائيل وليس مصالح الفلسطينيين ، عندها وعندها فقط ، هكذا يقول الرئيس ، سيكون الحل ممكناً وفي خلال أسبوع واحد فقط ، تماما على طريقة "تعلم اللغة الروسية في سبعة أيام من دون معلم".

استراتيجية الأسبوع الواحد التي يتبنّاها الرئيس و"دولة العامين" التي يتبناها رئيس وزرائه ، تضع في يد نتنياهو وليس في يد واشنطن كما كان السادات يقول ، 99,9 بالمائة من أوراق الحل ، ومن كانت بيده كل هذه الأوراق ، من كانت في عقله كل هذه الأفكار والميول اليمينية المتطرفة ، من مصلحته تماما أن يتجاهل الرئيس ورئيس الحكومة وكل الهياكل الفلسطينية ، من مصلحته أن يبقى المصالح الوطنية العليا لشعب فلسطين على مرمى الأنياب الفولاذية الحادة لجرافات الاستيطان والتوسع ، وهل يفعل نتنياهو وأركان حكومته شيئا آخر غير هذا؟، أجيبوني بربكم.

من كان في موقع نتنياهو وموقفه ، ليس عليه أن يقلق أبداً ، فالاحتلال غير المكلف قد يستمر لسنوات طويلة قادمة ، طالما ظلّ هناك في رأس هرم السلطة والمنظمة وقيادتهما ، من يتطوع للتصدي للانتفاضة والمقاومة ، من يتعهد بحفظ أمن الاحتلال وإبقاء كلفته رخيصة للغاية ، حتى لا نقول بإبقائه احتلالاً مربحاً ومريحاً ، من ظلّت الأوهام والرهانات الخائبة وأحياناً الضغائن ، تعشش في عقله وتحبط إرادته وتشوّه ضميره.

انشر عبر