شريط الأخبار

انها النفسية يا أهبل..هآرتس

03:38 - 24 تموز / مايو 2010

بقلم: عكيفا الدار

                كل قارىء صحب كفيل بأن يفهم بأن لا أمل لمسيرة سلمية لا تتضمن ضمن أمور أخرى انسحابا اسرائيليا في المناطق وتغييرا جوهريا للواقع في القدس. ولكن بحثا جديدا عن الحواجز النفسية في وجه المسيرة السلمية يفيد بأن الاسرائيلي المتوسط غارق حتى الرقبة في معتقدات تفشل حل النزاع بوسائل المفاوضات، ولا يريد أن يعرف الحقائق على النزاع. بحث واستطلاع للرأي العام في اوساط الفلسطينيين تظهر بأنهم هم ايضا يميلون الى التمسك بمعتقدات وافكار ويتجاهلون الحقائق التي يمكنها ان تدفع الحل الى الامام.

        وهكذا مثلا، من السهل الادعاء بأن الاحتلال فعل خيرا فقط للفلسطينيين في شرقي القدس. وذلك لان معظم اليهود لا يريدون ان يعرفوا بأن سكان المدينة الفلسطينيين، الذين هم أكثر من ثلث سكانها يحصلون على أقل من 15 في المائة من الميزانية البلدية وان 74 في المائة من الاطفال العرب في شرقي المدينة يعيشون تحت خط الفقر.

        "الناس لم يولدوا مع مفهوم "قدسنا الى الابد"، معظمهم يعرفون أنه لا يحتمل حل سياسي بدون حل وسط في القدس"، يقول البروفسور دانييل بارتال، من جامعة تل ابيب الذي اجرى البحث على جانب د. عيران هلفرين، "من مركز متعدد المجالات في هرتسيليا. وحسب هلفرين "يتم على مدى السنين اعطاء الناس المعلومات بشكل انتقائي. يروى لهم المرة تلو الاخرى بأن "القدس  موحدة"، ولكن دون الاشارة الى انه لا توجد دولة واحدة تعترف بضم المدينة الشرقية. وعليه، فان كل الانتقاد على ما يجري في شرقي القدس يعتبر لاسامية بحتة".

        بارتال، الذي كان رئيس الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي، يدعي بأن "معتقدات ايديولوجية بعيدة المدى تؤدي بالكثير من الناس الى منع أنفسهم – عن وعي او عن غير وعي – عن معلومات تهدد تلك المعتقدات". وكمثال على ذلك يقترح حقيقة ان مبادرة السلام العربية من العام 2002 لم تتسلل الى قلب الخطاب السياسي في اسرائيل.

        في بحث أجراه بارتال وهلفرين معا، مع المحضرين للدكتوراة تامير مغيل ونيتع اورن، درست أقوال الزعماء، برامج الاحزاب واستطلاعات الرأي العام منذ حرب الايام الستة في 1967 وحتى اليوم. تحليل المعطيات يبين انه في العشرين الاولى بعد الحرب، الرأي السائد في اوساط التيار المركزي في البلاد كان انه لا يجب اقامة دولة فلسطينية ويجب الاستيطان في المناطق. قسم صغير فقط رأى ايضا امكانية حل اقليمي جزئي مقابل السلام.

        في العشرين سنة الاخيرة يبدو أنه بالذات يوجد لدى الزعماء وأغلبية الشعب اعتراف بالحاجة الى تقسيم البلاد، ولا سيما بسبب التهديد على جوهر الدولة (بعض يخافون فقدان الطابع اليهودي وآخرون يخافون فقدان الطابع الديمقراطي)، ولكن عندهم ايضا بقي الاعتراف بالانتماء الحصري لبلاد اسرائيل لليهود.

        ظاهرا، تأييد أغلبية الجمهور الاسرائيلي – اليهودي لحل الدولتين، يشير الى ازالة حاجز كبير في الطريق الى حل النزاع. ولكن، حسب البحث، هذا التأييد ليس أكثر من قشرة رقيقة. تحتها، كما يتبين، مستوى التأييد للحلول الوسط ليس كبيرا: 2.6 بالمتوسط (في سلم من 1 – لا اتفق على الاطلاق حتى 6 – اوافق تماما). مستوى الانفتاح على معلومات ايجابية جديدة ترتبط بالنزاع بيننا – 3.3 في المتوسط في سلم مشابه. من جهة أخرى، عثر على مستويات عالية نسبيا من الشعور بالضحية (4.33 في المتوسط) ونزع الشرعية عن الفلسطينيين (4.65) وعليه، فليس مفاجئا ان تظهر الاستطلاعات بان اغلبية اليهود يعارضون انسحابا جارفا من المناطق، اخلاء لمعظم المستوطنات وتقسيم القدس.

        "عندما يحمل الناس فكرة عادية بالفكرة العادية للنزاع والتي تستند الى الايمان بعدالة طريقهم ونزع الشرعية عن العرب، حتى عندما تعرض عليهم معلومات ايجابية، يمكنها ظاهرا ان تقدم الى الامام حل النزاع، فانهم يلغونها ويتجاهلونها"، يقول هلفرين. "معارضة الحلول الوسط تنبع بقدر غير قليل من الانغلاق. الكثير من الاسرائيليين، الذين يعتبرون انفسهم أناسا منفتحين، يخافون تعريض أنفسهم لمعلومات جديدة عن النزاع".

        بالقوة فقط

        الميل الى النظر الى النزاع في نظرة ايديولوجية تبسيطية يتزايد في السنوات الاخيرة، مثلما يمكن ان نتعرف عليه من الاستطلاعات التي أجريت في اطار "جدول السلام" الذي يجريه مركز شتاينتس في جامعة تل ابيب. في 2004، 51 في المائة من اليهود في اسرائيل رأوا في الضفة الغربية وفي قطاع غزة مناطق محتلة وفقط 39 في المائة اعتقدوا بأنها ليست هكذا. في 2008، معظم الجمهور اليهودي (55 في المائة) وصفوا الضفة الغربية بأنها أرض محررة واقلية فقط (32 في المائة) رأوا فيها أرضا محتلة.

        الوضع لدى الجيران ليس مشجعا أكثر. بحث متعدد السنين واسع النطاق أجرته د. دفنا كنتي من دائرة العلوم السياسية في جامعة حيفا، يظهر بأنه في الجانب الفلسطيني ايضا يوجد ميل متعاظم في السنوات الاخيرة للتمترس في مواقف ايديولوجية تبسيطية تشكل حاجزا امام كل مسيرة. وهكذا مثلا، في استطلاع أجري في آيار – حزيران  من العام الماضي، أجاب 51 في المائة من المستطلعين بانه في الشرق الاوسط يمكن تحقيق شيء ما فقط من خلال القوة. وهذا ارتفاع بالقياس الى 2007، حين اعتقد ذلك 47 في المائة من المستطلعين.

        "لا ريب ان الرأي السائد، بأن الضفة الغربية ليست ارضا محتلة، يعتبر حاجزا مركزيا في وجه حل النزاع"، كما يشير بارتال وهلفرين. "الموقف منها كأرض محررة يؤدي الى الشعور بأن الشعب اليهودي هو الطرف الوحيد الذي يساهم في شيء ما ملموس لحل النزاع". حسب بحث كنتي، الفلسطينيون ايضا لا يريدون شركاء في أرضهم: في استطلاع اجري قبل سنة 95 في المائة من المستطلعين قالوا ان فلسطين كلها تعود للفلسطينيين ولهم وحدهم.

        هذا لا يمنعهم من تطوير التفاؤل لديهم. في استطلاع اجراه في شهر آذار المركز الفلسطيني للاستطلاعات الرأي العام، برئاسة د. نبيل كوكالي اجاب 58 في المائة من نحو 1150 مستطلعا بأنهم يؤيدون المفاوضات السلمية مع اسرائيل. 53 في المائة منهم أجابوا بالايجاب على سؤال "هل تؤيد اتفاقا دائما على اساس صيغة كلينتون، التي تقترح نقل كل أراضي الضفة تقريبا الى السلطة الفلسطينية وتبادل الاراضي في مناطق معينة؟".

        عقدة ذنب

        في استطلاع أجري في 2007 وجد هلفرن وبارتال موافقة من اكثر من 80 في المائة من اليهودف في اسرائيل مع القول بأنه "رغم رغبة اسرائيل في السلام، فرض العرب عليها الحرب المرة تلو الاخرى". في استطلاع أجري بعد سنة أعرب 61 في المائة على الاقل على موافقة معينة مع الموقف القائل انه في كل سنوات النزاع اسرائيل هي الضحية، بينما العرب هم الذين يرتكبون الجرائم. 77 في المائة من المستطلعين اعتقدوا بأن العرب لا يولون قيمة عالية لحياة الانسان و 79 في المائة وافقوا على التصريح بان الخداع ميز العرب دوما.

        في استطلاع اجري في السنة الماضية، الاغلبية (56 في المائة) عارضت أخذ مسؤولية اسرائيلية، حتى ولو جزئية عن المعاناة التي لحقت بالفلسطينيين في حرب الاستقلال في العام 1948، بما في ذلك مشكلة اللاجئين. وذلك حتى لو أخذ الفلسطينيون على انفسهم بعضا من المسؤولية عن تلك الحرب. ويقول الباحثان انه "عندما يكون المفهوم السائد هو ان كل السنوات كنت انت مستعدا لان تتنازل والعرب هم الذين ردوا يدنا المبسوطة، فلا يوجد ما يدعو الى الانصات الى معلومات جديدة او الى مواقف الطرف الاخر".

        في هذا الموضوع ايضا، صورة الوضع في اوساط الفلسطينيين مشابهة على نحو قاتم. حسب بحث كنتي، اقل من عشرة في المائة من المستطلعين وافقوا " بقدر ما حتى قدر كبير جدا"، على التنازل عن حق العودة للاجئين في صيغة الدولتين، و 7 في المائة فقط يؤيدون هذا الحل في ظل التنازل عن سيادة فلسطينية في القدس. لا يعنيهم انه حسب الصيغة التي تقترحها الجامعة العربية، ينبغي لحل مشكلة اللاجئين ان يكون بالاتفاق مع اسرائيل، وهم  لا يريدون ان يعرفوا بانه حسب اتفاق اوسلو مصير القدس سيحسم بالمفاوضات.

        بارتال وهلفرين يشرحان في بحثهما بأنه عندما يتعرض الناس من سن مبكر وبشكل منهاجي لمناهج تشجع التمسك بالاهداف الوطنية وتجاهل احتياجات الطرف  الاخر، يكون من الصعب جدا احداث تغيير فكري. "في مثل هذا الوضع يكاد يكون من الطبيعي عدم الثقة بالغير، جعله غير انساني وكرهه"، كما يدعيان. وحسب اقوالهما فان هذه الايديولوجية مدعومة بقنوات مختلفة من وسائل الاعلام ومؤسسات اجتماعية تولي لاصحاب الرأي البديل، في الداخل وفي الخارج، نوايا سلبية وانعدام مصداقية.

        بارتال، الذي أصبح بنفسه هدفا لحملة تشهير من رجال اليمين بسبب البحث، يتذكر بشوق عهد اسحاق رابين، الذي بدأت فيه مسيرة التحول من نفسية الحرب الى نفسية المصالحة. "اليوم، قرص الرسائل الايجابية يستبدل مرة اخرى الى نزع الانسانية عن الطرف الفلسطيني"، قال، واضاف بأن "الاعراب عن راي بديل يعتبر خيانة. اذا كان يريدون التربية على الوطنية العمياء والمجتمع المغلق، فاننا نسير في الطريق الصحيح".

انشر عبر