شريط الأخبار

يرضى القتيل وليس يرضى القاتل ..علي عقلة عرسان

02:19 - 14 حزيران / مايو 2010

يرضى القتيل وليس يرضى القاتل ..علي عقلة عرسان

 

أذكر أنني كنت قوياً في مادة الحساب، وأتعامل مع معادلات الجبر بصبر حتى أنجح، وقد نجحت مرات، في حل بعضها أو كثيراً منها.. وحاولت في هذه الأيام أن أستعيد شيئاً من قدراتي في ذلك المجال، لكنني لم أصل إلى ما يقنعني باقتداري على حل مسائل عويصة من النوع العصري.. ووصلت إلى ما يمكن أن أسميه إرهاصات لا تعترف عليها الرياضات، ولكنها مقبولة ومعقولة في السياسة والحوادث والعلوم الاجتماعية على الأقل.

المعادلة التي واجهتني مركبة، بل معقدة جداً، وإليكم بعض مادتها التي قد تشكل طرفيها، حيث هناك طرفان لكل معادلة، لكنني لم أستطع أن أضع المادة التي أعرضها بين يديكم في طرفي معادلة قابلة للفهم، تمهيداً للحل. في الأيام القليلة الماضية: 

قام الرئيس الروسي مدفيدف بزيارة تاريخية ناجحة إلى سورية، تم التأكيد على الصداقة بين الشعبين والبلدين، وعلى إقامة نظام عالمي متعدد الأطراف أكثر عدلاً وديمقراطية، ووقعت خلالها اتفاقيات على التعاون في مجالات اقتصادية وعلمية ـ تقنية، وعسكرية.. ولوّحت مصادر عسكرية وإعلامية روسية قبيل الزيارة، بإمكانية بحث تطوير " نقطة التعاون المادي والفني" في ميناء طرطوس السوري لتصبح قاعدة الأسطول الروسي البحرية في الميناء وتبلغ مداها في عام 2040 وهي أول قاعدة للأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط. كما أشير إلى تمدد الأسطول الروسي في البحر الأسود غرباً، في إطار استعادة روسيا لمواقع ومكانة حدت منها الأزمة الاقتصادية العالمية، وفي رد على توسع الولايات المتحدة شرقاً في رومانيا وبلغاريا، كما قال الجنرال الروسي كومويدوف.

وحمل الرئيس الروسي رسالة إلى الرئيس السوري، بتكليف من شمعون بيريس رئيس الكيان الصهيوني، في ذروة من ذرى التوتر الأمني والعسكري في المنطقة، والتهديد الإسرائيلي لسورية بحرب مدمرة تعيدها إلى العصر الحجري حسب التصريح الصهيوني، ومفاد الرسالة أن: " إسرائيل تريد السلام ولكنها غير مستعدة للتسليم بتسليح حزب الله." و".. خمسة رؤساء وزراء وافقوا على إعادة هضبة الجولان. ولكننا لا يمكننا أن نعيدها إذا ما نصبت فور ذلك بطاريات من إيران مثلما حصل بعد أن انسحبنا من لبنان ومن غزة".

وفي أثناء تلك الزيارة، التقى الرئيس خالد مشعل في دمشق بناء على طلب من الرئيس الأسد، وكان لذلك اللقاء معنى سياسياً يصل إلى مدى الاعتراف الروسي بحماس، ويؤكد أنها شريك في حل الدولتين، ولكن الرئيس مدفيدف طلب من مشعل أمرين رئيسين بالدرجة الأولى: الوفاق الفلسطيني ـ الفلسطيني لمصلحة القضية والحل التفاوضي المطروح، والعمل على تحرير الجندي جلعاد شليت.". وربما لم يذكر الرئيس الروسي أو لم يتذكر، أو لم يذكره أحد بصورة مباشرة احتراماً للمناسبة، معاناة أكثر من عشرة آلاف معتقل فلسطيني، رجالاً ونساء وأطفالاً، في سجون " إسرائيل" مضت على بعضهم أكثر من ثلاثين سنة، وخرج بعضهم من السجن إلى المقبرة، وهم بشر، لهم دم ومشاعر وحقوق وحريات، فضلاً  عن أنهم طلاب استقلال وحرية.؟! فشاليط، مالئ الدنيا وشاغل الناس، من طينة أخرى غير طينة أولئك الذين  "يتعرضون للتمييز السيئ الذي توقعه دولة إسرائيل على مواطنيها العرب لمجرد عروبتهم" حسب قول جدعون ليفي فشاليط يهودي صهيوني وعنصري، له الحق أن يقتل ويحتل ويحاصر ويقاتل الفلسطينيين فيما تبقى لهم من أرضهم، وأن يتهمهم بالإرهاب.. أما هم "فغوييم"، إنه يحمل جنسية فرنسية ولكنه بوصفه يهودياً يخوض معركة في غزة ضد الفلسطينيين لانتزاع أرواحهم وتدمير أملاكهم وسلب ما تبقى لهم من أرض وإرادة وأمل في الحرية والحياة؟!  

وبعد دمشق توجه الرئيس الروسي إلى تركيا، وفي نهاية زيارته لها دعا الرئيسان الروسي والتركي "إلى إشراك حماس في المسيرة السلمية" وأكد الرئيس مدفيدف على "انه لا يجب عزل أي جهة عن المسيرة."، وعززا التعاون الروسي التركي الذي بلغ، كما أعلن، مرحلة استراتيجية متقدمة، وتركيا كما هو معروف عضو في حلف شمال الأطلسي، كما اتفق الرئيسان على رفع التأشيرات بين البلدين، روسيا وتركيا، وعلينا أن نستذكر إشارة للرئيس الأسد في أثناء زيارته الأخيرة إلى تركيا قال فيها إن المنطقة كلها أصبحت مفتوحة على بعضها من القوقاز إلى الشرق الأوسط، والقوقاز تعني روسيا في السلب والإيجاب.. فهل مرحلة التعاون الاستراتيجي الروسي التركي تعني دخول الأطراف الثلاثة، روسيا وتركيا وسوريا، في تعاون لإطفاء النار هناك؟ وعلى أي شكل وعلى حساب من؟ إن المتغير الكبير في هذه الرقعة التي لا يمكن إلا أن تشمل إيران يرهص بأشياء ومتغيرات كثيرة، ويفيد بوضوح أن روسيا التي تريد أن تستعيد حضورها وتوسع نطاقها الاستراتيجي وتصل إلى المياه الدافئة، حلمها القديم المتجدد، تعزز مواقعها، وترد على اقتحام الولايات المتحدة الأميركية لحدودها في مجالي التحالفات وإقامة الشبكات الصاروخية، بتمدد وجودها العسكري وتحالفاتها في المحيط الأوسع.

 وفي سورية أعلن الرئيسان الروسي والسوري " اعترافهما بحق إيران في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية وفقا لأحكام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتمسكهما بالتوصل إلى تسوية سلمية ودبلوماسية للوضع المتعلق ببرنامج إيران النووي."، وتأكد شيء شبيه بهذا في تركيا بين الرئيسين التركي والروسي" حسب نص الخبر في وكالة نوفوستي الروسية.

أقلقت هذه الأخبار والمواقف الكيان الصهيوني، فأوعز لأنصاره في الولايات المتحدة الأميركية بأن يتحركوا، وربما أقلقلت تلك التحركات إدارة أوباما أيضاً.. وجاء في بيان أصدرته الخارجية الصهيونية: أن "حماس هي منظمة إرهابية بكل معنى الكلمة، اتخذت لنفسها هدفا تدمير دولة إسرائيل. رجال حماس مسؤولون عن قتل مئات المواطنين الأبرياء، بينهم من سليلي دول رابطة الشعوب، وبينهم أيضا مواطنين روس. الإرهابيون هم إرهابيون، وإسرائيل لا ترى أي فارق بين إرهاب حماس المستخدم ضد إسرائيل وبين إرهاب الشيشان المستخدم ضد روسيا."، وأن إيران تدفع سورية وحزب الله باتجاه حرب في المنطقة ـ مع أن الذي يهدد بشن حرب على إيران لتدمير مفاعلاتها النووية، وبشن حرب على سورية هو إسرائيل ـ وسارع الرئيس أوباما إلى دعوة الكونغرس للموافقة على تقديم مبلغ مئتين وخمسة ملايين دولار مساعدة لإسرائيل على إنجاز مشروع " القبة الحديدية" الصاروخي، بذريعة حمايتها من صواريخ حماس.؟! فيا لصواريخ حماس التي تهدد تل أبيب ولا تفك الحصار القتال الذي تفرضه على غزة، ويا لصواريخ حزب الله التي تفوق في مجموعها، حسب وزير الدفاع الأميركي، ما لدى أكثر دول العالم.؟!

وعندما عندما عاد الرئيس مدفيدف إلى موسكو أطلق مع الرئيس أوباما إشارة ثنائية تفيد "الإسراع في توقيع عقوبات على إيران بسبب مشروعها النووي"، الذي تبنيه بلاده لإيران.. وكان الرئيسان الأميركي والروسي قد أطلقا تصريحاً مشتركاً في أثناء انعقاد مؤتمر لمنع انتشار السلاح النووي، قبل مدة قصيرة، تضمّن أن منطقة الشرق الأوسط ستخلى من السلاح النووي بعد أن يتم السلام بين العرب وإسرائيل، في حماية مطلقة وإشارة ذات مغزى لإسرائيل التي تملك أكثر من مئتي رأس نووي، وبدأت تسلحها بهذا السلاح منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين، وهددت باستخدامه ضد الدول العربية في حرب 1973.. من دون أن يقول هلا أحد كلمة؟ 

وفي منحى آخر، ومع انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، استمر التأكيد الصهيوني الرسمي على البناء في القدس، وعدم إمكانية تقسيمها لتكون عاصمة لدولتين، وتصاعد الاستفزاز للعرب في المدينة المقدسة، والتهديد بهدم منازل سكانها، وتنظيم مظاهرات للمتطرفين الصهاينة ضدهم تجوب أحياءهم وتعتدي عليهم.. واستمرار الحصار على غزة وخنق سكانها، وملاحقة فلسطينيي الضفة الأحرار..إلخ. وفي هذا الخضم قدم " المجتمع الدولي"، بضغط من الولايات المتحدة الأميركية والغرب، قدم لإسرائيل هدية ثمينة جداً، اعتبرها العنصري الصهيوني ليبرمان دليلاً على عدم عزلة إسرائيل دولياً، حيث " أقرت 31 دولة بالإجماع انضمام إسرائيل إلى منظمة الـ OECD. أي منظمة الدول الأكثر تقدماً في العالم، ولم تعترض أية دولة على ذلك بما فيها تركيا التي لو اعترضت لعطلت القرار كله، حسب نظام تلك المنظمة. وقال ليبرمان في مقابلة له مع الصحافة الإسرائيلية: ".. تبين الآن بأنه بفضل البادرة الطيبة التركية والضغط الأمريكي الكبير خلف الكواليس لم تعرقل الخطوة"/ يديعوت  أحرونوت – من ايتمار آيخنر، عن المصدر السياسي       "  المصدر السياسي" في 12/5/2010

 وطلبت تركيا لقاء تلك البادرة أن تدخل إلى غزة كرافانات تحتجزها إسرائيل منذ ما يقرب من عام في ميناء أسدود، وأشير إلى أنها قالت: " سيكون بوسع الحكومة التركية أن تساعد في منع الإبحار الاحتجاجي لمنظمة إسلامية تركية إلى غزة".؟

إن النظر في كل هذا، وهو غيض من فيض التناقض في المواقف السياسية، يجعل المرء يدرك أنه لا تستقيم مع هذا معادلة مبدئية أو منطقية.. والتعليل الذي يقدم في هذا المجال هو أن السياسة مصالح وليت مبادئ أو منطقاً أو قيماً تحكمها معايير خلقية وحتى قانونية.!!

حسب هذه لوقائع، ومطيات الواقع، وعملياً على الأرض.. أخذت إسرائيل مساعدات وعائدات مالية وسياسية ملموسة محسوسة وكبيرة، وأخذ الآخرون كلاماً يضاف إلى أرصدة الكلام الكبيرة التي تملآ جعبهم، وما تغني ولا تسمن من جوع.

وبعد فإنه يعنيني أن أعود إلى حديث المعادلات الجبرية، أو المعطيات الحسابية التي زعمت أنني كنت على صلة طيبة بها لكي أضع معادلة في طرفين، قابلة للحل.. أو لأفهم  تركيبها وأحاول الوصول إلى حل لها.. فلم أزدد إلا إحباطاً، ولم أجد إلا تعقيداً على تعقيد.. لكنه تراءى لي أنني أتبين عبر  سجف العتمة، ومن ثنايا الضباب، وفي ظلال الأحداث والتحركات، أتبين إرهاصات بمتغيرات سياسية قد تؤثر في علاقات ومسارات اقتصادية واجتماعية جدية، وقد تفضي إلى تحالفات فتغيير، ذاك أن رياح الصحراء تنقل تلال الرمل بسرعة فتضيع معالم خرائط الأمس هناك لتقوم مقامها خرائط اليوم، أو ترهص بمعالم خرائط الغد. ورياح السياسة أعتى وأقدر على التغيير من رياح الصحارى التي تعبث بالرمال.

وفي لحظة تمرد على منطق الجبر والحساب طرحت على نفسي سؤالاً لا يعفيني من العودة إلى محاولة فهم معطيات تلك المعادلات المركبة البالغة التعقيد، لكي أضعها في طرفين قابلين للحل.. والسؤال هو: هل التعاون بين الكبار لا يعني لمن هم دونهم في القوة والثروة والانتشار شيئاً، مع أن أولئك جزء من التكوين العام لأي منظومة قوة يشكلها أولئك الكبار، وهم في الوقت ذاته وقود محركاتهم، ومن يكتوي بنيران صراعاتهم وحروبهم!؟ أم أن الكبار لا يرون إلا قامات كبيرة، ولا يصغون إلا أصوات القوة، وهم في واقع الأمر لا يسمعون ممن هم في حاشيتهم إلا كلام الترحيب، ولا يرون منهم إلا معالم الطاعة.؟!

إنه سؤال الأسئلة المزمنة المؤلمة المضنية، التي تتعلق بالقيم والأخلاق والمبادئ، بالمساواة والعدالة.. والسياسة لا تعترف على هذا النوع من البضائع.. لأن المصالح هي بضائع السوق السياسية كما يقولون.!! وذاك بنظري مكمن الداء، وأس بلاء البشر في هذا العالم، ومصدر كوارثهم الرئيسة.. لكن.. لا بد من الصبر والأمل واستشراف إرهاصات قد تفضي إلى تغيير إيجابي، أو إلى لحظة راحة وتأمل وأمل، لحظة تُلمْلم فيها البشرية جراحها على الأقل، ثم تعود إلى النهل من كأس الحنظل التي طالما احتست منها حتى الثمالة، وما زالت تقدَّم لها.. وبقيت على حال يصدق فيها قول الشاعر:

"يرضى القتيل وليس يرضى القاتل".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انشر عبر