شريط الأخبار

حل دولة وحل دولتين!!../ زكريا محمد

04:53 - 13 تموز / مايو 2010

حل دولة وحل دولتين!! زكريا محمد 

 

 

يبدو أنه يتم (كيّ وعي) الفلسطينيين، حسب التعبير الشهير لأيالون، ليس فقط عبر الاجتياحات والقتل، بل وعبر الشعارات أيضا. الشعار يصبح الأداة الخفية لتحوير الوعي واستلابه وكيّه.

 

خذ مثلا شعار الدولة الفلسطينية.

هذا الشعار كان في لحظة ما عديلا لشعار إنهاء الاحتلال. لكنه تحول، بالتدريج، إلى شعار لا يعني بالضرورة إنها الاحتلال. بل إنه في الحقيقة تحول إلى شعار بديل لشعار إنهاء الاحتلال. أي ان الدولة لم تعد عديلا لإنهاء الاحتلال.

 

وللتدليل على ذلك، ها نحن نرى (جهودا حثيثة لبناء دولة!!) من دون الاصطدام بالاحتلال، ومن دون إنهائه، عبر مشروع حكومة الدكتور فياض. الدولة مسألة داخلية، تخصنا وتخص أنفسنا. يعني هي وظيفة بيتية، لا تستدعي الاشتباك مع المحتل. أيام زمان كان بناء نقابة يحتاج إلى الاشتباك من الاحتلال وقواته. الآن تبنى دولة من دون ان يؤدي هذا إلى أي اشتباك مع الاحتلال!!

ألا ترون؟!

 

الدولة إذن لم تعد نقيضا للاحتلال.

بالتدريج يصبح من الممكن تقبل فكرة دولة مع الاحتلال وبوجوده. أي في الواقع تحويل السلطة التي توجد تحت الاحتلال، بشكل ما، إلى دولة. من أجل هذا تطرح علينا مشاريع (دول) من طراز (دولة مؤقتة الحدود)، أو غير ذلك، من دون أن يعني هذا إنهاء للاحتلال.

 

ما يحتاجه الفلسطينيون في الضفة وغزة هو إنهاء الاحتلال، لا الدولة.

استبدال شعار إنهاء الاحتلال بشعار الدولة أدخل الفلسطينيين في ورطة لا نهاية لها. صار بإمكان جورج بوش نفسه أن يتحدث عن دولة فلسطينية، وأن يمن علينا بذلك، من دون ان يعني هذا إزالة الاحتلال.

 

فوق ذلك تحولت (الدولة) الموعودة هذه إلى تهديد لحق الفلسطينيين في الشتات، وحق الفلسطينيين في إسرائيل. لم تعد شعارا لإبعاد الاحتلال، وإزالة آثار عدوان 67، بل اسما لصفقة شاملة تتم باسم جميع الفلسطينيين من دون ان يكون لأكثر من نصف الفلسطينيين أي علاقة بهذه الصفقة. يعني: نعطيكم دولة في الضفة- أو في جزء منها على الأصح- مقابل نسيان كل شيء.

 

لا، الفلسطينيون لا يريدون دولة. يريدون إنهاء الاحتلال، ولا يجب دفع أي ثمن لإنهاء الاحتلال. نحن نحارب من أجل إنهاء الاحتلال فقط. بعد الاحتلال نقرر إن كنا بحاجة إلى دولة أم لا. المهمة هي مواجهة الاحتلال وإنهائه. الانشغال بالدولة الآن يعني تحويل السلطة إلى كيان هائل يشكل عبئا على الكفاح الوطني. الانشغال بالدولة يعني الحديث عن موظفين ووزراء لا عن مناضلين. هكذا يجب أن يكون الأمر.

 

أما شعار (حل الدولتين) فهو تصعيد آخر خطير للمعضلة. إنه واحد من أسوا الشعارات التي مرت علينا في تاريخ القضية الفلسطينية. فهو شعار ملغوم بكل ما هو مضلل. إذ هو يغطي حقيقة أن الدولة الأخرى، أي إسرائيل قائمة، وأنها دولة نووية. وهو بهذا يعمي الرأي العام في العالم عن حقيقة أن الفلسطينيين هم من تنقصهم دولة، لا غيرهم. الحديث عن دولتين يعطي الانطباع بوجود نقص واحتياج عند الطرفين لا عند طرف واحد.

 

وقد حل شعار (حل الدولتين) هذا محل شعار الدولة الفلسطينية، فلا أحد يتحدث الآن عن دولة فلسطينية إلا في سياق دولتين. الكل يتحدث عن حل الدولتين. وهذا يعني ان هناك مشكلة مزدوجة لطرفين، لا مشكلة لطرف واحد يقع تحت الاحتلال. هذا ما أدى إليه طمس شعار إنهاء الاحتلال! لقد انتقلنا في البدء من شعار (إنهاء الاحتلال) إلى شعار (الدولة الفلسطينية)، ثم من شعار (الدولة الفلسطينية) إلى شعار (حل الدولتين).

 

شعار إنهاء الاحتلال يدفع نحو الكفاح، ونحو حشد الرأي العام الدولي ضد المغتصبين والمحتلين، أما شعار الدولة فيحبط ذلك. وليس غريبا أن يتحول شعار الدولة إلى جهد ورقي في المكاتب، أو إلى تزفيت طرق وفتح طرق جديدة. ذلك أنه شعار يتحدث، ومنذ البدء، عن أمر يجب أن يتم بعد نهاية الاحتلال. الدولة أمر يتبع إنهاء الاحتلال ولا يسبقه. إنها ترتيب الشعب لشؤونه بعد زوال الاحتلال. وحين ننشغل بالدولة قبل إنهاء الاحتلال سوف تصل إلى أن الحل هو تزفيت الشوارع. وبالمناسبة فقد كانت (روابط القرى) قد اعتقدت مرة ان الحل بتزفيت الشوارع.

 

نحن الآن نبني (دولة) مع الاحتلال، وتحت ظله، ومن دون الاصطدام معه. يعني أننا نبني جسدا لا يشكل أداة في مواجهة الاحتلال، كما كانت منظمة التحرير سابقا. لذا يحق للشكاك منا أن يقول أن هذه الدولة التي تبنى ستطيل أمد الاحتلال.

 

كان شعار الدولة الفلسطينية في وقت ما مجرد شعار تحريضي لدفع الناس إلى مواجهة الاحتلال، وليس أكثر من ذلك. لكنه تحول وبشدة إلى شعار مضلل، ينسى وجود الاحتلال، وينسى مواجهته.

 

شعار الدولتين أشد من ذلك سوءا. فهو يضعنا على مستوى واحد مع المحتلين. فهناك طرفان لديهما مشكلة، والحل بإعطاء كل واحد دولة.

 

لذا يجب العودة إلى الأصل: إنهاء احتلال الضفة وغزة.

وهذا شعار يخص الضفة وغزة أساسا، لكنه لا يحل مشكلة اللاجئين ولا مشكلة الـ 48. 

انشر عبر