شريط الأخبار

أمهات التوائم يشتهينَ "غفوةً" أمام جبل المسؤولية

10:07 - 11 كانون أول / مايو 2010


أمهات التوائم يشتهينَ "غفوةً" أمام جبل المسؤولية

فلسطين اليوم- وكالات

اقتربت الساعة من منتصف الليل، و"سهيلة" تجلس بجوار ثلاثة أسرة وضعت فيها توائمها الثلاثة، تهدهد هذه وترضع تلك وتغير للثالثة حفاضها المبلل، والنوم يداهم عينيها وما إن تطبق جفنيها إيذانا بالنوم حتى يقطع غفوتها صراخ إحداهن، لتقوم مسرعة تتفقدها، وما أن تفلح في تنويمها حتى تصرخ أخواتها الاثنتان، فتحتار الأم في أيهما تسكت وأيهما تترك؟..

 

وهكذا تمضي ساعات الليل الطويلة بتعب ينهك جسد سهيلة أبو عيدة "30 عاما" ويجعلها تشتاق ولو إلى دقيقة نوم أو غفوة تريح جسدها المنهك، ولا يخلو الأمر من احتمالية استيقاظ واحدة أخرى تكبرهنّ بخمسة أعوام، طالبةً النوم بجوار والدتها كونها "خائفة"!.

 

وكما تمضي ساعات الليل ثقيلة على أبو عيدة الأم لستة بنات كل ثلاثةٍ منهنَّ توائمٌ في بطنٍ واحدة، فإن النهار لا يختلف كثيرا ، فعليها أن تلاحق( توائمها الثلاثة الأولى) "اللواتي يبلغن من العمر خمس سنوات " من ركن إلى ركن في البيت حتى لا تؤذي أي منهن نفسها ، بينما لا تكف الثلاثة توائم الأخريات اللواتي يبلغن من العمر شهرين " عن البكاء والصراخ".

"فلسطين " تحاول من خلال التقرير التالي أن ترصد بعضا من تفاصيل حياة الأمهات وتربيتهن للتوائم ...

 

لا أفكر في المستقبل

تقول سهيلة أبو عيدة المتزوجة منذ عشرة أعوام :" لم يقدر لي الله أن أحمل في سني زواجي الأربع الأولى فتوجهت إلى الطبيب الذي نصحني وزوجي بأن نجري عملية زراعة، وأجريناها بالفعل وكانت نسبة النجاح كبيرة جداً ".

 

وتضيف بصوت ملؤه الحنين إلى تلك اللحظة التي زف فيها الطبيب إليها خبر حملها بثلاثة توائم دفعة واحدة، مضيفة: "لقد أدخل هذا الخبر الفرحة إلى قلبي، فقد كنت مشتاقة إلى الحمل كثيرا، رغم أن التفكير بأنني سأعتني بثلاثة توائم مرة واحدة، أدخل الخوف إلى قلبي، كما أسعد أهل زوجي كثيرا فكان كأنه يوم عرس ".

 

 

 

وتتابع :"قضيت معظم فترة الحمل في المستشفى، وكنت أتنقل طوال الوقت بين المستشفى وبيت أهلي ، فحملي كان متعبا جدا ، وكان الخوف على أجنتي الثلاثة من أن يصابوا بأذى ولحظة الميلاد يسيطر عليّ طوال فترة الحمل ".

 

ثم كانت اللحظة التي وضعت فيها سهيلة توائمها الثلاثة، وبقدر ما أدخلت تلك اللحظة الفرحة على قلبها لأن قدر الله لها أن تشبع غريزة الأمومة لديها إلا أنها حملت لها مشقة كبيرة تمثلت في الاعتناء بثلاثة صغار دفعة واحدة، تقول أبو عيدة:"بقيت لمدة عام ونصف العام لا أذوق طعما للنوم إلا نادرا ولا أخرج من بيتي إلا لتطعيم بناتي ولا أشارك في المناسبات الاجتماعية بتاتا".

 

وتضيف :"كانت أمي تأتي لتساعدني ولكنني لم أكن أخرج إلى أي مكان فقد كنت أخاف على بناتي كثيرا من أن يصبن بأذى " ، مشيرة إلى أنها كانت تطعمهن بملعقة واحدة وتغير لهن وترضعهن دفعة واحدة ، قائلة :"كانت إحداهن تنام فتستيقظ أخرى ، فمن المستحيل أن ينمن جميعا مرة واحدة ، ورغم ذلك فإنني عندما أسمع ضحكة واحدة منهن كنت أنسى كل التعب ".

 

وتردف قائلة :" الآن تبلغ بناتي من العمر خمس سنوات ، ومصاريفهن تزداد ، وعلي الآن أن أقوم بتربيتهن وتعليمهن الصواب من الخطأ وهذا أيضا أمر شاق ".

 

رغم المشقة.. سعيدة

لم تكتف أبو عيدة بتوائمها الثلاثة فقد قامت بإجراء عملية زراعة أخرى أنجبت خلالها ثلاثة توائم أخريات ، مبينة أنها تعبت في حملها الثاني أكثر من حملها الأول بكثير.

 

وأشارت إلى أن عمليتي الزراعة وتربية البنات كلفت الأسرة كثيرا، فمرتب زوجها لا يكاد يكفي للمصاريف الكبيرة، قائلة: "بعد الإنجاب دخلنا في ضائقة مادية كبيرة فتربيتهن تحتاج إلى مبالغ ضخمة ، بالإضافة إلى كوننا جميعا تجمعنا غرفة واحدة في بيت العائلة ! إلا أنني سعيدة بوجودهن في حياتي كثيرا ولا أحب أن أرى واحدة منهن تبكي، وسعيدة معهن كثيرا".

 

وعن كيفية تخطيطها للمستقبل في ظل وجود ستة أبناء كل ثلاثة منهم في نفس العمر ، تقول:" لقد أخبرنا الأطباء بأن إجراء عملية الزراعة ونحن ما زلنا صغاراً أفضل ، لذلك قلنا "نجيبهم بعدين بفرجها الله" ، فأنا أعيش معهم كل مرحلة بشكل منفصل ، فمن حقي أن أتمتع بإنجاب الأبناء ".

 

وتواصل :"صحيح أننا بحاجة إلى من يساعدنا في تربيتهن ، فراتب زوجي لا يكفي لأن التكاليف مهولة ، لكن ذلك لا يعني أنني ندمت على إنجابهن مطلقا ، فأنا لا أفكر في المستقبل وأؤمن بأن الرزق على الله ".

 

صعبة وجميلة

أما انتصار أبو قينص أم محمد "44عاما " ، فتقول :" أنجبت بنتين بشكل طبيعي، وعندما كنت أرضع البنت الثانية حملت بشكل غير مخطط له ودون علاج أو تناول لأي أدوية".

 

وتضيف :"في الشهر السادس وعندما كبر بطني بشكل غير طبيعي توجهت إلى الطبيب الذي أبلغني بأنني حامل بثلاثة توائم "بنتين وولد "، كان الخبر بمثابة الصدمة فقد تملكني الخوف كيف سألدهم ؟كيف سأربيهم ؟هل سيكونون مشوهين أم طبيعيين؟".

 

وتشير إلى أنه قبل تسعة عشر عاما (عمر توائمها الثلاثة ) لم يكن من الرائج أن تحمل امرأة بثلاثة توائم، وكان المعتاد هو الحمل باثنين فقط، مبينة أنها بعد أن تعبت في تربية طفلتيها الأوليين لم تكن قادرة على استيعاب فكرة أن تربي ثلاثة أطفال دفعة واحدة خاصة أنه سيكون مطلوبا منها العناية بخمسة أطفال مرة واحدة.

 

وتسرد أبو قينص معاناتها مع الحمل، فتقول :"ولدتهم بطريقة طبيعية ثم أصبت بعد ولادتهم بتسمم حمل وأدخلت إلى العناية المركزة، وكانت تتولى أمي وزوجة أخي العناية بتوائمي الثلاثة خلال تلك الفترة ".

 

وتلفت إلى أنها كانت تقوم بإرضاعهم رضاعة طبيعية وصناعية، وعانت من كونهم كانوا ينامون سويا ويستيقظون سويا، فلم يكن هناك مجال لها لترتاح أو تنام مطلقا، قائلة :"كنت أعرف أنه إذا نمت فإن مشكلة ما ستحدث، كأن يستفرغ أحدهم أو يقلب نفسه، فكانت أول شهور من عمرهم غاية في الصعوبة ".

 

وتتابع :"لم تكن المعاناة فقط في الأشهر الأولى بل عندما كبروا وبدؤوا يزحفون ويمشون فلا بد من متابعتهم، حتى لا يؤذوا أنفسهم، ولا تنسي المصاريف الكبيرة التي تطلبتها العناية بهم والتي لولا أولاد الحلال ما استطعنا تغطيتها ".

 

وتصف تلك الفترة بالصعبة جدا، مستدركة بالقول :"لكنها فترة جميلة أيضا، فالحمد لله الذي أعانني على تربيتهن تربية حسنة ، فالتوائم يتعبون الأم وهم صغار لكنها تسعد بهم كثيرا عندما يكبرون ".

 

بدورها ، بينت ريما أبو صفية "30 عاما" المتزوجة منذ تسع سنوات ، أن الله لم يقدر لها الحمل في الأربع سنين الأولى، فأجرت عملية زراعة أنجبت خلالها بنتا تلتها عملية زراعة أخرى أنجبت فيها ثلاثة بنات دفعة واحدة، يبلغن من العمر الآن أحد عشر شهرا.

 

تقول عن تجربتها: " الأم تحمل بجنين واحد فتعاني معاناة كبيرة، فكيف عندما تحمل بثلاثة؟ لقد كان أمرا في غاية الصعوبة، لم أستطع خلال فترة الحمل ممارسة حياتي الطبيعية ".

 

وتضيف :"قضيت تلك الفترة وأنا نائمة في الفراش، أتناول الأدوية، وأصيبت حياتي بالشلل التام فلم أكن أخرج لأداء الزيارات الاجتماعية حتى حياتي في البيت تغيرت فلم يكن بمقدوري أداء أي عمل من أعمالي المنزلية ".

 

وأشارت إلى أنها قضت شهور الحمل الأولى عند أهلها ، قائلة :"عندما علمت أنني حامل بثلاثة توائم كنت سعيدة جدا وكانت فرحتي كبيرة ، لكنني بدأت أعاني عندما بدؤوا يكبرون في بطني ولم أعد قادرة على القيام أو الحركة ، فالحمل بثلاثة متعب جدا".

 

وأردفت أبو صفية قائلة :"بعد الفرحة كان ينتظرني تعب كبير ، كما أن الأدوية الخاصة بالزراعة لها آثار جانبية ، فكانت تلك الفترة كلها مرارة وتعب ، "لكن فش حاجة بتيجي بالساهل" ، وتمت الولادة بعملية قيصرية أصبت بعدها بنزيف وأدخلت غرفة العناية المكثفة ، وأجريت لي عملية أخرى ، وكانت حماتي وأمي تعتنيان بتوائمي طوال فترة مرضي ،بمساعدة من زوجي".

 

اشتهيت النوم

وتبين أنها خلال الثلاثة شهور الأولى بعد الولادة مكثت عند حماتها وكانت تأتي أمها وخالة زوجها لمساعدتها، قائلة :"أول شهر بعد الولادة لم أكن قادرة على الحركة بتاتا، ولم أكن قادرة على العناية بتوائمي، ثم قضيت الوقت بعدها في التنقل من واحدة للأخرى، فهذه تحتاج للرضاعة وأخرى تبكي والثالثة تحتاج لتغيير الحفاضات ".

 

وتردف قائلة :" المعاناة في تربيتهم صعبة جدا فأنا لا أنام ليلا ولا نهارا، كما تعطلت حياتي الاجتماعية ، وأصبحت مقطوعة عن الدنيا ، أصبحت أشتهي أن أنام قليلا، وأصيبت حياتي بالشلل ".

 

 

وتشير إلى أن الطفل عادة هو الذي يسير حياة أمه على هواه، فما بالنا بثلاثة أطفال دفعة واحدة، فالأمر صعب جدا، "صحيح أن المعاناة تخف تدريجيا كلما كبروا، ولكنها تبقى معاناة "، تضيف أبو صفية .

 

وتلفت إلى أنها تعاني من أن كل واحدة من بناتها لها مزاج مختلف، فهن لا ينمن ويستيقظن سويا، بل لكل واحدة منهن ميعاد مختلف فليلهن نهار ونهارهن ليل مما يزيد من معاناتها .

 

ولم تتوقف معاناة أبو صفية وزوجها عند هذا الحد ، تقول : "فعلبة الحليب التي كانت تكفي لأسبوع لا تكفي سوى ليوم واحد كما أن كيس الحفاضات لا يكفي سوى ليومين أو ثلاثة، بجانب كلفة الكسوة ".

 

لا أريد تكرار التجربة

وتبين أبو صفية أنها رغم التعب الذي ينتابها لكنها سعيدة بهم جدا وفي الوقت ذاته خائفة من فكرة أن تحمل مرة ثانية بثلاثة توائم ، قائلة: "لا أريد أن أعيد نفس المعاناة التي كنت فيها من حمل صعب وولادة كانت ستودي بي إلى الوفاة، فصعب أن أقدم على هذه التجربة مرة أخرى ، لأن الإنسان لا يعيش حياته مرتين، حتى يضيعها في تربية توائم بهذا العدد الكبير ".

 

وتضيف:"التجربة صعبة جدا وقلبت حياتي رأسا على عقب فقبل أن أنجبهن كنت أعيش أنا وزوجي وابنتي في دلال ورفاهية وكل شيء متوفر لدينا، المصاريف كبيرة جدا، وتزداد مع الوقت ، ومرتب زوجي لم يعد يكفي، فالمبالغ التي أصرفها هائلة وكبيرة ".

 

وتشير إلى أن التفكير في مستقبل التوائم الثلاثة يمنع عيني زوجها من النوم ، فهو يفكر دائما كيف يمكن له أن يغطي مصاريف بناته التوائم اللائي سيدخلن المدرسة والجامعة دفعة واحدة ؟وكيف سيدبر لهن الطعام والشراب والملابس والدواء ؟.

 

غير محبذ

مدير مركز البسمة للإخصاب د.بهاء الغلاييني بين أن نسبة حدوث حمل بالتوائم تختلف من بلد لبلد ومن سلالة لأخرى ، مبينا أن الأمر متعلق بنوعية الجينات ، قائلا :"فرص حدوث حمل بالتوائم في فلسطين متوسطة "تبلغ 1-2%" ".

 

وتابع :"لكن مع وجود منشطات التبويض والتلقيح الصناعي والزراعة أصبحت نسبة التوائم لدينا مرتفعة "، مشيرا إلى أن الوراثة تلعب دورا كبيرا في الحمل بالتوائم غير المتماثلة بينما يغيب دورها في الحمل بالتوائم المتماثلة .

 

ولفت إلى أن المرأة تنتج بالعادة بويضة شهريا ونادراً ما تنتج بويضتين، قائلا :"أما عندما تستخدم منشطات التبويض ، فإنها تنتج بويضتين أو ثلاثة مما يزيد فرصة الحمل بالتوائم ".

 

وشرح قائلا :"عند استخدام المرأة لمنشطات التبويض على شكل حبوب، فإن فرصة حملها بتوائم تكون من (5-10 %) أما إذا أخذتها على شكل إبر فإن نسبة الحمل بتوائم تصل لـ20%".

 

وأشار إلى أن نسبة حدوث حمل بتوائم عند إجراء المرأة لعملية زراعة تبلغ 20% ، مؤكدا أن الحمل بثلاثة توائم فأكثر غير مستحب لأنه يسبب مشاكل للأم والجنين ، أهمها الولادة المبكرة التي تكون وفيات الأجنة فيها مضاعفة أثناء الولادة أو بعدها .

 

وأضاف :"كما يتسبب الحمل بعدد كبير من التوائم بمشاكل للأم كالإصابة بالأنيميا والتهاب البول المتكرر وسكري وتسمم الحمل بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الولادة القيصرية ونسبة حدوث نزيف سواء قبل أو بعد الولادة ".

 

وأشار إلى عشر نساء من بين كل أربعين سيدة أجرين عملية الزراعة يحملن بالتوائم ، مضيفا :"نسبة حدوث حمل بثلاثة توائم أو أكثر بشكل طبيعي نادرة جدا "، داعيا مراكز علاج العقم إلى تقليل نسبة الحمل بتوائم قدر الإمكان لأن ذلك يسبب مشاكل ومضاعفات للحامل وجنينها .

 

وتابع :"لكن في ظروف مثل ظروف غزة ، لكي نقلل نسبة التوائم علينا تقليل نسبة التوائم المرجعة للرحم مما يقلل فرصة حدوث الحمل ، وفي ظل الحصار على غزة وعدم وجود وسائل كافية للتطور العلمي يصعب علينا التحكم في عدد الأجنة دون الإضرار بفرص الحمل".

 

المصدر: صحيفة فلسطين

 

انشر عبر