شريط الأخبار

استئناف المفاوضات : قصة فشل جديد معلن

10:17 - 11 حزيران / مايو 2010

استئناف المفاوضات : قصة فشل جديد معلن

بقلم:هاني المصري

هناك قصة قصيرة لماركيز اسمها "قصة موت معلن" تقوم حبكتها على شخص في قرية كل أهل القرية يعرفون انه سيقتل ما عداه.

إن المفاوضات التي أُعلن عن استئنافها يوم الأحد الماضي قصة فشل جديد معلن يعرف الجميع ذلك بمن فيهم الضحية .

لا أحد لديه توقعات كبيرة حولها، فهي أشبه بالمناورات أكثر منها بالمفاوضات، فحكومة نتنياهو تريد أن تتجنب الضغوط الدولية والأميركية الآتية لا ريب فيها إذا استمر الجمود في العملية السياسية، والتي يمكن أن تصل الى فرض حل على إسرائيل.

القيادة الفلسطينية تريد مراضاة إدارة اوباما ومنحها فرصة جديدة لعل وعسى تنجح فيما فشلت بتحقيقه حتى الآن، وتجنب تحمل المسؤولية عن استمرار الجمود ـ وضمان استمرار الدعم الأميركي والدولي، والحفاظ على الحراك السياسي الحالي الذي توقفه وفقاً لاعتقادها يخدم اليمين.

أما إدارة اوباما، فهي تريد من خلال استئناف المفاوضات حفظ ما تبقى من هيبتها ومصداقيتها بعد أن فشلت منذ أكثر من 16 شهراً في مجرد استئناف المفاوضات، في وقت هي تريد تبريد ملف الصراع لأنها تحتاج الى التركيز على الملف النووي الإيراني، وأصبحت تدرك بشكل متزايد أن حل الصراع وإقامة دولة فلسطينية بات مصلحة أميركية.

المفاوضات استؤنفت بدون تحقيق أي من الطلبات الفلسطينية والعربية، التي تسميها القيادة الفلسطينية التزامات على إسرائيل وليست شروطاً عليها .

فلم يتم وقف الاستيطان، بل أعلنت حكومة نتنياهو أنها لم تلتزم بشيء ولم تمنح الإدارة الأميركية أية ضمانات أو تعهدات وأنها تصر على استئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، وعلى ضرورة انتقال المفاوضات غير المباشرة بسرعة الى مفاوضات مباشرة، لأنه وفقاً لنتنياهو "من المستحيل إحراز السلام عبر الريموت كنترول". "فلا يتوقع احد أننا سنصل الى قرارات واتفاقات بشأن أمور حاسمة دون الجلوس معا في الغرفة نفسها".

حتى ما يردده المسؤولون الفلسطينيون نقلاً عن جورج ميتشل حول تجميد مشروع بناء 1600 وحدة استيطانية في مستوطنة رفات شلومو نفته الحكومة الإسرائيلية، وتنفيه المعلومات والخطوات التمهيدية الجارية لتنفيذه والسارية على قدم وساق.

في نفس اليوم الذي وافقت فيه السلطة على المفاوضات غير المباشرة، تم الإعلان عن بناء 14 وحدة استيطانية في راس العمود، وعن توسيع مستوطنة مسيكوت في وادي المالح بالأغوار الشمالية.

كما أن المفاوضات استؤنفت بدون التزام إسرائيلي بمرجعية واضحة وملزمة لعملية السلام. أي أن المفاوضات سيدة نفسها، وستكون مفاوضات من اجل المفاوضات.

أما الضمانات الأميركية التي يجري الحديث عنها فهي ضعيفة ومجرد سلم لتمكين القيادة الفلسطينية من النزول من رأس الشجرة العالية التي صعدت إليها.

وما يجري الحديث عنه حول أن المفاوضات ستتناول القضايا الأساسية غير صحيح، لأن الإدارة الأميركية وعلى لسان رئيسها تعهدت لإسرائيل بأن قضيتي القدس واللاجئين سيتم تأجيلهما الى النهاية، وأن الولايات المتحدة الأميركية سترفض أية خطوة فلسطينية أحادية الجانب مثل الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية.

والجانب الفلسطيني نفسه يعترف من خلال التصريحات الواردة على لسان صائب عريقات أن المفاوضات غير المباشرة ستركز خلال الأربعة أشهر القادمة على الحدود والأمن، وهذا خطأ كبير آخر يرتكبه الفلسطينيون.

فالقضية الفلسطينية قضية واحدة، يجب الاعتراف بها وبعدالتها والتعامل معها والسعي لحلها، كقضية واحدة مترابطة، وذلك وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، لأنها تتعلق بالاحتلال وضرورة إنهائه. أما تفكيكها الى قضايا عن طريق فصل القضية عن الأرض والشعب وتحويلها الى قضايا منفصلة عن بعضها البعض، والانشغال بكل قضية وتفكيكها الى مسائل أصغر منها، والمسائل الى تفاصيل أصغر، يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها ويحولها الى تفاصيل غير قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني، ولا على الحصول على دعم عربي ودولي، ويدخلنا في دوامة نعرف كيف دخلنا إليها ولا نعرف كيف سنخرج منها.

إسرائيل طبعاً على لسان رئيسها ورئيس حكومتها والعديد من الوزراء قالت إنها ستركز على الأمن في المراحل الأولى ، والأمن كما هو معروف حباله طويلة. وبعد الأمن سيتم البحث في التحريض الفلسطيني، وخلال ذلك في خطوات بناء الثقة التي ستبحث على الطاولة حتى تستنزف وقتاً طويلاً، وحتى تأخذ إسرائيل مقابلها، لأنها تؤكد دائماً أنها خطوات إسرائيلية انفرادية، تقدمها أو لا تقدمها، بمحض إرادتها وليس تنفيذاً للحقوق أو للالتزامات والاتفاقات.

حتى البدء بالمفاوضات من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات السابقة ترفضها حكومة نتنياهو، إن المفاوضات في الشروط المذكورة ربح صاف لإسرائيل وخسارة كاملة للفلسطينيين الذين أثبتت قيادتهم مرة أخرى أنها لا تملك بديلاً آخر عن المفاوضات إلا المفاوضات، وهذا يجعلها تحت رحمة إسرائيل وخصوصاً في ظل الانقسام السياسي والجغرافي المدمر.

الرهان الفلسطيني الأخير هو أن المفاوضات غير المباشرة ستفرض على الإدارة الأميركية بوصفها الوسيط أن تتدخل بأدق التفاصيل وتقديم مقترحات للحل بالنسبة للقضايا الخلافية، وهو رهان مبالغ به كثيراً.

إن هذا الرهان خاسر خصوصاً بعد الإنباء التي أفادت بعد ساعات من موافقة السلطة على المفاوضات غير المباشرة، بأن أدارة اوباما أوضحت للسلطة أنها تنتظر منها الانتقال بأسرع وقت ممكن الى المفاوضات المباشرة.

معنى ذلك أنها لن تقوم بتقديم مقترحات أو خطة للسلام قبل انتقال الطرفين الى المفاوضات المباشرة حول القضايا الجوهرية.

لا يبقى للقيادة الفلسطينية سوى أن تراهن على أن فشل المفاوضات غير المباشرة قد يؤدي الى الدعوة الى عقد مؤتمر دولي في الخريف القادم، والى طرح خطة سلام وفرضها على الجانبين.
وسبق للرئيس أبو مازن أن دعا الى حل يفرض على الجانبين بدون ملاحظة أن هذا أمر مستبعد، في ظل الصراع داخل الإدارة الأميركية حول تقديم حل للصراع أو الاكتفاء بإدارته، وإذا تم تقديم حل ليس بالضرورة أن يكون حلاً عادلاً أو متوازناً وإنما سيكون منحازاً لإسرائيل، وأقل مما قدمه كلينتون، ورفضه الشهيد الراحل ياسر عرفات في قمة كامب ديفيد عام 2000.

ان المفاوضات لوحدها جربت سابقاً وفشلت، وستفشل أو ستقود الى حل لا يلبي الحقوق الفلسطينية، وهي ستقطع الطريق على الخيارات والبدائل الأخرى، وستخرج إسرائيل من أزمتها، وتريح الإدارة الأميركية بدلاً من الضغط عليها لتطوير موقفها، وهي ستغطي على استمرار الأمر الواقع الاحتلالي، ما يتطلب إستراتيجية فلسطينية عربية جديدة تعمل أساساً على تغيير موازين القوى وجعل الاحتلال خاسراً لإسرائيل وليس رابحاً لها كما هو عليه الأمر الآن.

انشر عبر