شريط الأخبار

الغرابلي يروي "رحلة الموت" بالسجون المصرية

03:13 - 08 تشرين ثاني / مايو 2010


الغرابلي يروي "رحلة الموت" بالسجون المصرية

فلسطين اليوم- قدس برس

قال قيادي في حركة الجهاد الإسلامي وأحد الذين أفرجت عنهم السلطات المصرية مؤخراًَ، أنه تعرض خلال اعتقاله في السجون المصرية إلى تعذيب جسدي مستمر، مشيراً إلى أنه قضى وخمسة آخرين من كوادر الحركة 51 ليلة في الزنازين المصرية.

 

وأوضح القيادي درويش الغرابلي لوكالة "قدس برس" للأنباء أنه رأى في تلك السجون "ما كنت أسمعه عن "غوانتنامو العرب" وأبو غريب واقعاً في السجون المصرية"- على حد قوله.

 

ولم يستطع الغرابلي، وصف ما أسماها "رحلة الموت" التي استمرت 51 يوما في السجون المصرية بتفاصيلها الدقيقة، وقال: "إن كل يوم كان يحمل مأساة تتجدد، ولم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن أجد مطرقة عربية تجلد ظهري بكل أنواع التعذيب الوحشي".

 

وأفرجت السلطات المصرية الخميس 6-5-2010، عن ستة من نشطاء وكوادر الجهاد الإسلامي الذين اعتقلتهم قبل شهرين بينما كانوا عائدين إلى غزة من رحلة في خارج البلاد.

 

الطريق إلى السجن

يقول الغرابلي: "نزلنا إلى مطار القاهرة، كُبلت الأيادي ووضعونا في سيارة عسكرية من المطار وقالوا لنا - إنكم متوجهون إلى معبر رفح - مضت ساعة ونصف الساعة في السيارة، وإذا بنا في مبنى ضخم، أنزلونا إلى الطابق الأرضي، بدأنا نسمع الصراخ والعويل، أدركنا أننا في أحد المسالخ"- حسب تعبيره.

ويضيف الغرابلي: "كبلوا أيادينا وشدوا العصبة –رباط من قماش- بقوة على أعيننا، فقلت للضابط "خففها قليلا" فشدها أكثر، وقال لي: "اسكت يا ابن الـ..."، وكانت أول شتيمة من نوعها أسمعها في حياتي، ثم لكمني أربع لكمات قوية على وجهي وصدري، وأمرني وزملائي بالتعري الكامل وبدأت عملية الصعق بالكهرباء".

 

كانت هذه البداية، وما بعدها أشد، حيث نادى الضابط على أحد الجنود بإحضار الكلاب، وألقونا بعدها في الزنازين، حيث "لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، حسب القيادي الغرابلي، الذي بدت اللكمات ظاهرة في رقبته وظهره وأنفه وأذنيه، وأنحاء جسده المختلفة.

 

غرف التحقيق

وتابع: "منذ اليوم الأول استلم كل أسير رقمه في هذه الزنازين العربية الضيقة، المكان مظلم قاتم، والحشرات ألوان وأنواع، والرائحة أنتن من النتنة، وبدأنا نتعايش يومياً مع الشبح والتعذيب، ووجبات يومية متتالية من التحقيق القاسي".

 

كان السجناء الستة يستدعون للتحقيق ساعتين بعد الظهر وثلاث ساعات في المساء بشكل يومي لمدة 20 يوماً، عند كل سؤال صعقة بالكهرباء، غير اللكم والضرب والشد والهز، وحاول المحققون انتزاع الاعترافات منهم بهذه القوة والوحشية، التي قال الغرابلي "إنه لم يسمع مثلها في قصص الخيال".

 

ويؤكد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، أن المحققين انهالوا على السجناء الستة بالأسئلة الأمنية والسياسية المكثفة والخطيرة، وقال: "كانوا يطرحون من الأسئلة ما يشير إلى أنهم مرتبطون بالكامل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية"- وفق قول الغرابلي.

 

وأكد أن لديه معلومات موثقة أن أجهزة الحاسوب الموجودة في السجون المصرية مرتبطة بشبكة داخلية مع مخابرات دول أربعة هي الأردن والسعودية و(إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية.

 

وأوضح أن المحققين سألوه وزملاءه الخمسة عن تحركات الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلّح ورقم ولون سيارته، وطلبوا معلومات عن قيادات سياسية وعسكرية من الحركة، وأماكن تواجدهم، وأماكن بيوتهم، ومرافقيهم وأماكن سكناهم، وأماكن تصنيع وتخزين الصواريخ والمعدات العسكرية في غزة.

 

كما تطرق المحققون إلى الأسئلة عن نقاط رباط المقاومين وتجمعاتهم، والهيكلية العسكرية للجناح العسكري للحركة في الداخل والخارج، والقيادات الميدانية وعدد أفراد التنظيم، وتاريخ الانضمام للحركة والتكليفات التي كلفته بها الحركة، ورأيه في الحسم العسكري وبناء الجدار الفولاذي وغيرها.

 

الغرابلي، الذي أبلغه المحققون بمنعه من دخول مصر أو السفر عبرها إلى يوم القيامة، أكد أن الضباط المصريين سألوه عن مكان تواجد الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط ورأيه في عملية أسره، وقال :"بدؤوا بكيل السباب والشتائم على حركة "حماس" لأسرها هذا الجندي وقالوا إنها قتلت الشعب ودمرت الناس بسببه".

 

وسمح السجانون للمعتقلين الفلسطينيين الستة بالاستحمام بالماء البارد بعد 35 يوما من الاعتقال، حيث تحولت ملابسهم البيضاء إلى اللون الأسود المخلوط بالأحمر، حيث دم الحشرات الضارة والسامة التي نهشت أجسادهم، وأشار الغرابلي إلى أنه وزملاءه كانوا يقضون 12 ساعة واقفين مشبوحين دون رحمة، ومن ثم يرتاحون على بطانية رقيقة تكسر العظم، كما يقول.

 

ويتابع: "كنا نجلس ساعات على البطانية، ومنها إلى الحمام، ثم إلى البطانية، ثم إلى التحقيق، ثم إلى البطانية، ثم إلى الشبح، وهكذا 51 يوما متتالية، لم يكن مسموحاً لنا أن نلبس أي شيء في أرجلنا عند الذهاب للحمام أو أن نفك العصبة عن أعيننا، كنا نأكل معصوبين، وننام معصوبين، ونقضي حاجتنا ونحن معصوبون، ويحققون معنا ونحن معصوبون، وهكذا".

 

وبين القيادي الغرابلي أن الأيام الـ "23" الأولى من حبسه هو وزملاءه قضوها دون نوم، نتيجة التعذيب والشبح والانبطاح الخلفي وصراخ المساجين والتحقيق المتواصل، والإهانات اللفظية النابية التي كانوا يقذفون من خلالها أمهاتنا البريئات الطاهرات العفيفات بأبشع الألفاظ".

 

واستطرد :"كان شعار المحققين خلال فترة التحقيق بينما يصعقون الشباب بالكهرباء: "كتر الشطة تجيب بواصير"، و"لا يأتي هنا إلا الرمم والكلاب"، وقال الغرابلي: "كانوا يقولون لنا أنتم هنا في صحراء قاحلة، لو متم كلكم ستموتون كالكلاب وسندفنكم هنا ولن يعلم عنكم أحد من الأمة كلها".

 

وأشار إلى أن الصعق بالكهرباء كان أبرز الأساليب الوحشية التي كان يستعملها المحققون والسجانون بحق السجناء، وخاصة الصعق في منطقة الأعضاء التناسلية من الأمام والخلف، والصدر والأفخاذ، وقال: "كفى عذابا، حرمنا من الكلام أو التفوه بأي كلمة طيلة 51 يوما، كنا نتمنى أن نتكلم مع الحجر فيرد علينا".

 

المحققون سألوني وزملائي الخمسة عن تحركات الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلّح ورقم ولون سيارته، وطلبوا معلومات عن قيادات سياسية وعسكرية من الحركة، وأماكن تواجدهم، وأماكن بيوتهم، ومرافقيهم وأماكن سكناهم، وأماكن تصنيع وتخزين الصواريخ والمعدات العسكرية في غزة

 

منعوا من الصلاة

ولم يسمح السجانون للغرابلي وزملاءه الذين هددهم المحققون بالطرد والإبعاد خارج البلاد بالوضوء للصلاة إلا ثلاث مرات يومياً فقط، ومن يطلب المزيد يتعرض لسب الدين والذات الإلهية والألفاظ التي تهتك الحرمات وتقذف المحصنات، فيما اقتصر الطعام المقدم لهم على الفول والجبن والحلاوة والمربى والقليل من الأرز، بشكل يومي، الأمر الذي أدى إلى إصابة البعض بالأمراض المعوية والإمساك والمغص وغيرها.

 

وأجبر السجانون السجناء الفلسطينيين الستة على النوم مكبلي الأيدي خلف أظهرهم ليالي كثيرة، وكان الغطاء بطانية ذات رائحة عفنة، وفرشة رقيقة نتنة، أما الوسادة، فهي زجاجة الماء ليس إلا، ويستيقظ الأسرى ليشربوا ويستنجوا ويتوضؤوا من زجاجة الماء الموجودة في الحمام.

 

وأكد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي إلى أن السجانين سمحوا لهم طيلة الـ51 يوما بالاستحمام أربع مرات فقط بعد اليوم الـ35 بالماء البارد، وكان السجان يقف على باب الحمام يخرج السجين بالقوة بعد ثلاث دقائق فقط من الاستحمام.

 

أما عصبة العينين، فكلما طلب أحدهم تخفيفها، كان الضابط يشدها بقوة، ويجبرهم على النوم على الجانب الذي يشتكون منه الألم، ويمنعون من التحدث مع أي أحد من إدارة السجن إلا بإذن، ويجبرون السجناء على الأكل حتى يتحملوا كل صباح مزيدا من التعذيب.

 

وفي سجن مباحث أمن الدولة المصري، لم يكن يسمح للسجناء بصلاة الجماعة أو الجهر بالقرآن في الصلوات الجهرية، أو التجمع لصلاة الجمعة.

 

وأقسم الغرابلي أن شابا رفع صوته قليلا ذات يوم في إحدى الصلوات الجهرية، فأمره السجان بقطع الصلاة، وبدأ بكيل السباب والشتائم واللكمات والضربات على كل أنحاء جسده، وقال له "بتفكر حالك في الجامع؟".

 

ويشتكي الغرابلي، الذي صب جام غضبه على النظام المصري، من آلام في عينيه وأذنه وظهره وأرجله، فيما أكد أن بعض زملائه يعانون من آلام شديدة في الجيوب الأنفية والركب والأعضاء التناسلية جراء الصعق بالكهرباء والضرب واللكم اليومي"، فيما كان السجناء يفاجؤون بين الفينة والأخرى بالضباط يأمرونهم بالتعري الكامل، والضرب على كافة أنحاء الجسم واللكم على الأعضاء التناسلية".

 

كنا نجلس ساعات على البطانية، ومنها إلى الحمام، ثم إلى البطانية، ثم إلى التحقيق، ثم إلى البطانية، ثم إلى الشبح، وهكذا 51 يوما متتالية، لم يكن مسموحاً لنا أن نلبس أي شيء في أرجلنا عند الذهاب للحمام أو أن نفك العصبة عن أعيننا، كنا نأكل معصوبين، وننام معصوبين، ونقضي حاجتنا ونحن معصوبون، ويحققون معنا ونحن معصوبون، وهكذا.

 

وفي اليوم الحادي والخمسين، جاء الأمر بترتيب المتاع والاستعداد للمغادرة، وهنا بدأت عشرة أيام أخرى من التنقل بين سجون "خليفة" و"الجوازات" و"الإسماعيلية" و"العريش"، إلى أن انتهت مرحلة الإهانة والإذلال بوصول الفلسطينيين الستة إلى ديارهم.

 

يذكر أن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح هاجم النظام المصري بشدة في حديث لبرنامج "لقاء خاص" الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية مساء الجمعة الماضي، مؤكداً أن أجهزة الأمن المصرية، تمارس أبشع أنواع التعذيب بحق مقاومين فلسطينيين، واصفا المعتقل الذي يتم فيها التعذيب بـ "غوانتانامو ثانٍ".

 

وقال د. شلح: "وصلتنا أخبار أن جرحى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة الذين يعالجون في الخارج عند عودتهم إلى مصر في طريقهم لغزة يعتقلون لمدة 50 يوماً ويعذبون أشد تعذيب".

 

وتابع :"لماذا يفعل بنا العرب ذلك ؟ (..) مصر التي قدمت الشهداء وخاضت حروباً، هذا لا يتوقع منها. لماذا يعتقل الفلسطينيون في السجون المصرية ؟، هذا لا يليق بموقع ومكانة القاهرة ".

 

إعدام أبو زهري

في ذات السياق، كشف معتقل فلسطيني مفرج عنه مؤخرا من أحد السجون المصرية معلومات جديدة وخطيرة تكشف لأول مرة عن سبب وفاة يوسف أبو زهري، وأكد أنه تم إعدامه في مقر جهاز أمن الدولة المصري جراء التعذيب الشديد الذي تركز على صعقات كهربائية شديدة.

 

وأوضح المعتقل الفلسطيني الذي تحدث لوكالة "قدس برس" وطلب الاحتفاظ باسمه، أنه ومجموعة من المعتقلين الفلسطينيين في السجون المصرية خضعوا للتعذيب المبرح من لدن أجهزة أمن الدولة للحصول على معلومات حول البنية التحتية للمقاومة وكيفية إمداد حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

 

وذكر أنه كان يسمع صراخ الشهيد أبو زهري وهو يخضع للتعذيب بالصعق الكهربائي حتى الصرخة الأخيرة، وأنه توفي في أقبية أمن الدولة وليس في مستشفى سجن برج العرب، وأنهم فتحوا المذياع على أغنية للتغطية على صوته وهو يفارق الحياة، وترك عدة أيام قبل نقله إلى المستشفى حتى تتحلل جثته، ويصعب معرفة الأسباب الحقيقية للوفاة.

 

وأضاف: "لقد كانت التحقيقات التي أجراها أمن الدولة المصري مع الشهيد يوسف أبو زهري ومعنا جميعا تصب كلها في خانة البحث عن البنية التحتية للمقاومة وسبل إمداد حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ومازال الآن المعتقلون الفلسطينيون من "حماس" والجهاد الإسلامي وغيرهما يخضعون لحملة تعذيب شديدة".

 

وذكر المصدر أن القيادي في حركة "حماس" أيمن نوفل المعتقل في السجون المصرية هذه الأيام يعاني من تعذيب شديد للحصول على معلومات تخص البنى العسكرية للمقاومة وحركة "حماس"، وأنه يمنع في كثير من الأحيان حتى من أداء الصلاة، على حد تعبيره.

 

يذكر أن شقيق يوسف أبو زهري المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" سامي أبو زهري كان قد شكك في رواية السلطات المصرية التي قالت بأنه مات موتا طبيعيا نتيجة معاناته من مجموعة أمراض، واتهم السلطات المصرية بقتل أخيه.

انشر عبر