شريط الأخبار

أحيـاء غــزّة في ضيافة الموتى!

10:59 - 05 تشرين أول / مايو 2010

أحيـاء غــزّة في ضيافة الموتى!

فلسطين اليوم-غزة

ترطيب القبور بات أحد ألعاب الأطفال فلم يعد أهل غزّة يفرّقون كثيراً بين الحياة والموت, هم أحياء لكن شبه أموات في الوقت نفسه، بفعل الحصار والضائقة المعيشية التي يحيون في كنفها. ضائقة دفعت الكثيرين منهم إلى اللجوء إلى المقابر لاتخاذها مسكناً بعد هدم منازلهم جرّاء العدوان، أو عدم قدرتهم على دفع إيجارات باهظة. أحياء غزّة باتوا يزاحمون أمواتها. سكن قبور انتقالي قبل السكن النهائي

في غزة للموت طعم آخر كما ذكره تقرير لصحيفة الأخبار "اللبنانية"، هو خليط بين لذة الشهادة وحرقة الفقدان. في مقابر غزة وبين قبورها يلعب الأطفال بلا خوف من الموت، فقد عجنوه في خبزهم وخبروه في يومهم الممتد من لحظة إطلاق الرصاص إلى زفّة الشهيد. في كل أوطان هذا العالم تتبع النائحات مواكب الموتى وتعزف الفرق العسكرية اللحن الأخير، هذا إذا كان صاحب الجنازة ذا مقام رفيع. لكن في غزة الوضع مختلف، فالموت له زفّة ومواكب الشهداء تودَّع بالزغاريد، فمن أنت أيها الموت حتى ترعب هؤلاء الصغار الذين يلعبون بين أنصبة القبور لعبة التخفّي؟ يطاردون الجنائز بالدعوات والرحمات ورشّ الماء لعلّ الأجساد الطريّة التي سرقها الموت تنطفئ حرارة حرقتها وتضيع دهشتها، وتعتاد، كما اعتاد هؤلاء الناس، العيش في المقابر.

في غزّة وفي غير غزّة هو الموت واحد، لكن هؤلاء الذين يقطنون في ضيافة الموتى يختلط عليهم الأمر، تضيع عندهم البوصلة ولا يعرفون هل هم مع الأحياء أم مع سواهم.

في هذا المكان وجد أبو علي نفسه ذات يوم، وفيه كبر وتزوّج وأنجب أطفالاً. كان حلمه، ولا يزال، أن يصحو ذات يوم على مكان غير المكان، وبيت ذي أربعة جدران وسقف، حيث يعيش بعيداً عن المقابر.

أمثال أبو علي كثر. كانت هذه المقابر سكناهم الأولى وربما الأخيرة. على ترابها درج أبناؤهم، ومن خلف أسوارها المفتوحة تعلّموا وامتزجت حياتهم بنكهة الموت حين ضاقت بهم الحياة، حيث لا مكان ولا خدمات ولا جيران سوى سكان المقابر. حتى هنا في حيّهم المزدحم هو الآخر بالوافدين الجدد، صار عليهم مزاحمة الموتى في منامهم الأخير.

وإذا كان لكل حكاية قاصّ وراوٍ، فإن أبو علي يقول عن حكايته حيث يقيم في منطقة المقابر في مدينة رفح جنوب قطاع غزة: «لقد عشت مع عائلتي هنا منذ سنوات طويلة، حتى قبل أن تكتظ المقبرة بالأموات والأحياء. في بداية الأمر كنا نبعد عن مركز المدينة، ولهذا غابت عنا الخدمات الأساسية، ومع تطور البنيان أحاط بنا العمران من كل جانب وأصبحنا اليوم في مركز البلدة ولا شيء تغير».

المنطقة التي يقطن فيها أبو علي كانت تُستخدم مقبرة لدفن جثث الشهداء المصريين إبان حرب عام 1967، إذ كان للجيش المصري على مقربة من المقبرة معسكر جنود، وبعد أعوام استُخدم المكان نفسه لدفن أهالي المدينة. ويقول أبو علي: «مع زيادة أعداد الموتى والشهداء وجدنا أنفسنا وسط ازدحام القبور لا نعرف هل نحن في ضيافتهم أم هم في ضيافتنا؟».

وعلى الرغم من اكتظاظ المكان بمساكن الأحياء مع قبور الأموات، فإنّ افتقار المدينة إلى مقبرة بديلة، جعل الناس ينبشون قبوراً قديمة لدفن موتاهم. وقد حاولت البلدية من دون جدوى بناء سور لمنع زحف القبور نحو المنازل، حيث الحل في توفير الجهات المختصة مكاناً آخر وتخصيصه مقبرةً تكون أكثر تنظيماً وبعداً عن المنازل السكنية.

يلزم الأطفال في العادة متنزّهات يلهون فيها، وحدائق يلعبون حول أشجارها، يركضون هنا وهناك، إلا أنه عند سكان المقابر تشابهت اللعبة واختلف المكان. فهم يلعبون حول القبور ويتّخذونها مكاناً للاختباء من أقرانهم، حيث اعتادوا المكان وأصبح جزءاً منهم.

تربّوا على مشاهد الحفر ودفن جثث الموتى، وباتت الزيارة اليومية للقبور والدعاء للأموات هواية بالنسبة إلى الكثيرين منهم. وأضحى المشهد بالنسبة إليهم عاديّاً، ترسّخ في ذاكرتهم، إلّا أن هذا كله لا يؤثّر في لهوهم ولعبهم، بل يزيد من خيالهم لابتكار ألعاب أخرى كلّ مرة. كل شيء في حياتهم ارتبط بالموت، حتى ابتساماتهم اختفت لتحل محلها هموم عميقة أكبر من أعمارهم.

يقول حسام، وهو أحد الأطفال المجتمعين حول أحد القبور، «نحن نعيش هنا ولا نعرف مكاناً غيره. لم نعد نخاف القبور والأموات، لأننا نراهم كل يوم ونساعد في عمليات الدفن ورشّ الماء على القبور. وعندما يصيبنا الملل نأتي إلى هنا مع أصحابنا لنلعب بين القبور».

لكن أكثر ما يضايق حسام ويشعره بالخجل أن يسأله أحد زملائه في المدرسة عن عنوان سكنه. ويقول إنه «يحرص على عدم زيارة أصدقائه وزملائه في منازلهم كي لا يضطر إلى دعوتهم لزيارته في منزله وسط القبور».

ميلاد وموت

رداءة الوضع الاقتصادي وتعمّق أزمة السكن وارتفاع إيجار المنازل وما خلّفه العدوان والحصار الإسرائيليّين على غزة كانت من أهم الأسباب التي دفعت بعض الناس إلى مثل هذه المعاناة، إذ اضطرت كثير من الأسر إلى مغادرة أماكن سكنها، وخصوصاً في المناطق الحدودية، واللجوء إلى مساحات بالقرب من المقابر لعلّها تجد ملاذاً فيها. ومع تزايد أعداد أفراد الأسرة يصبح الازدحام في البيت الواحد معاناة جديدة تضاف إلى معاناتهم المستمرة.

هناك حيث تتداخل المنازل السكنية بالقبور، تبدو الرغبة في الحياة ظاهرة في نظرات السكان، على الرغم من قسوة العيش والصمود أمام مستقبل مجهول.

في أرض وفيرة التربة تمارَس فيها أعمال حفر شبه يوميه لاستقبال الموتى، اعتاد سكان المنطقة انتشار القوارض والزواحف كأنه لم يعد لها متّسع تحت الأرض فباتت تزاحم الأحياء في مأواهم. وحيث المساحة الكبرى لقبور احتضنت جثث الموتى، وجد رجال لعائلاتهم متسعاً يلمّ شتاتها، مكاناً على الرغم من ضيقه فإنه كاف في الوقت الحالي ليكون إقامة، ولو مؤقتة، في ظل أزمة سكن خانقة في قطاع غزة المحاصر والمدمر.

«حلمي الكبير هو أن أغيّر مكان سكني»، هكذا بدأ الشاب أنور الحديث. ويقول: «عشت مجبراً في هذا المكان وأقوم كغيري من سكانه بالعمل في حفر القبور وتجهيزها، إلا أنني أحلم بتغيير مكان سكني والانتقال لمجاورة الأحياء بعيداً عن المقابر وطقوسها الكئيبة».

ويضيف أنور: «بدلاً من أن يفتح الإنسان عينيه كل صباح على حياة تليق بالآدميّين، نفتح أعيننا على مشهد القبور الجاثمة على صدورنا ليل نهار، وأُضطر يومياً إلى أن أسلك طريقي المعتاد بين القبور لعدم وجود طريق بديل، ورغم أنني اعتدت هذه الحياة فإنّني أرفضها بداخلي ولست راضياً عنها، حتى لو أننا ننعم بالهدوء بمجاورتنا للأموات إلّا أن المكان لا يعطي أيّ معنى للحياة...».

ويلخّص أنور أحلامه بالقول: «أحلم بحارة أخرى أعيش فيها غير تلك التي تجاور المقابر، وأتمنّى الانتماء إلى شارع آخر وجيران غير الموتى، فأنا لا أحب الموت، وأخاف من مجرد التفكير فيه، كيف وأنا من مواليد المقابر أصلاً، هي فعلاً فلسفة المضحك المبكي، أن تولد وتدفن في المكان نفسه».

«حانوتي» ولكن

حتى لو أننا ننعم بالهدوء بمجاورتنا للأموات فإنّ المكان لا يعطي أيّ معنى للحياة لم نعد نخاف القبور والأموات، لأننا نراهم كل يوم ونساعد في عمليات الدفن .

وإذا كان ضيق العيش هو ما دفع بعض سكان غزة للعيش في المقابر، فإن الحاج حسني تربطه بالمقبرة علاقة ود وعشرة عمر، فقد غيّر مكان سكناه ليأتي باختياره إلى هذا المكان يقيم بين الأموات أو قريباً منهم، لأن عمله الأصلي يقتضي منه ذلك.

ويقول الحاج حسني عن هذه العلاقة «عملي الأصلي تجهيز الموتى وقبورهم أيضاً، والمشاركة في الدفن لكنّ منزلي كان بعيداً جداً، وكنت أعاني من الوصول إلى هذا المكان يوميّاً، ففكرت في أن أنتقل للعيش هنا، والإقامة في هذا المكان لا تزعجني ولا تزعج حتى عائلتي التي تتفهّم طبيعة عملي، وتتعايش مع هذا الواقع ومع عملي الذي نعتاش جميعاً منه».

ويضيف الحاج حسني وقد ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتيه: «مهنة الحانوتي صنعة لا تتوقف مهما كانت الظروف، فأنا والحمد لله لم أنقطع عن العمل يوماً واحداً على الرغم من أن الكثيرين تأثّروا بظروف الحصار وإغلاق المعابر».

ويعتزّ الحاج حسني بمهنته ولا يكترث لأحاديث الناس وتشاؤمهم من العاملين بهذه المهنة، ويقول: «حتى لو تغيّر مكان سكني فأنا لن أغيّر عملي وسأستمر فيه، رغم أنني أرفض فكرة الانتقال، وما يقلقني فعلاً هو امتلاء هذه المقبرة عن آخرها نظراً لارتفاع نسبة الوفيات في السنوات الأخيرة، وانضمام عدد كبير من الشهداء إلى قائمة طالبي القبور والمساحات اللازمة لدفنهم، ما سيؤدي إلى إغلاقها من جانب السلطات هنا، وهذا يعني أنني سأبتعد مرةً أخرى عن مصدر رزقي، وفي هذه الحالة، سأفتقد في المكان الجديد الكثير من المزايا المتوافرة لي هنا».

أحلام بسيطة

يحلم بالخروج إلى عالم الأحياءسكان المقابر في قطاع غزة تتنازعهم أحلام غير مستحيلة. فقط الخروج ممّا هم فيه، ولا سيّما أن الحسرة تسكن قلوبهم، يصحون على منظر شواهد القبور الصمّاء وينامون عليها. لا يسمعون سوى صمت الموتى أو بكاء أقاربهم، وأصبح كل شيء في حياتهم يعبّر عن الموت الذي يحاصرهم من كل جانب، ويتملّك الكثيرين منهم الغضب حين تحضر وسائل الإعلام لتغطية نمط حياتهم، وخصوصاً أنّ هنالك العديد من الوعود التي تلقّوها من دون أن يتحقق شيء منها، على اعتبار أن تلك المنطقة منطقة مقابر والأحياء غرباء على أصحابها. معاناة استمرت سنوات ولا تزال: ضيق، فقر، حزن وبطالة تخيّم على المكان، ومع ذلك أحلامهم تبقى بسيطة على الرغم من همومهم الكبيرة. ينتظرون بصبر حلاً قد يلمسونه يوماً وينتشلهم من وسط القبور.

انشر عبر